بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

المقهى الثقافي   -    دردشة   -    دليل المواقع الثقافية    -    صوتيات ومرئيات 

مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين


هل الدولة اليهودية ضرورة؟ (رؤية غربية) *

2004/03/31

جون سـبرتزلر**

علم الدولة اليهودية

في إحدى حلقات التقرير التلفزيوني المسائي نايت لاين Nightline الذي يقدمه "تيد كوبول" كل ليلة على شبكة ABC-TV، طرح مقدم البرنامج السـؤال التالي: هـل من العداء للسـامية أن تنتقد سياسات حكومة إسـرائيل تجاه الفلسطينيين؟ طرح كوبول السؤال على ضيف البرنامج، وكان رئيسا لرابطة مكافحة "التشهير" (اليهودية)، والذي أجاب بأن إسـرائيل دولة ذات سيادة، وانتقاد سياساتها مسموح به بطبيعة الحال. لكنه حذر من أن معارضة فكرة (مبدأ) الدولة اليهودية سيكون تجاوزا للخطوط، وعداء محضا للسامية. تبسم كوبول موافقا، ولم يعط تلميحا بأن أي شخص يمكنه الاختلاف مع هذا الرأي.

إن فكرة الدولة اليهودية -والتي يطلق دعاتها على أنفسهم الصهاينة- مقدسة تماما لدى التيار العريض في الصحافة والإعلام الأمريكي. وأمريكا لا تسمح لأي صوت أو أي سؤال بالبروز حول إشكالية أن كثيرا من اليهود -على وجه الخصوص- قد عارضوا تاريخيا فكرة الدولة اليهودية. بل إن تأسيس وقيام دولة إسرائيل كان موضوعا خلافيا داخل اليهود بأكثر مما يتصور معظم الأمريكيين. كان لليهود المعارضين لقيام إسرائيل إيمان بمبدأ الديمقراطية لليهود ولغير اليهود، ورأوا أن الدولة اليهودية (السيادية) الخالصة ستكون كارثة لليهود العاديين.

دولـة الفـصـل العـنصري

ما "المكون" اليهودي في دولة إسرائيل اليهودية؟ فإسرائيل ليست بالدولة التي لا يعيش فيها غير اليهود؛ فخمس السكان من غير اليهود. إن يهودية الدولة اليهودية تنضوي في مجموعة من القوانين والتشريعات التي تخلع على اليهود حقوقا وامتيازات دون غيرهم. وما لم يكن الحال هكذا، فلا يجوز إطلاق صفة الدولة اليهودية على إسرائيل. ولكن لأن ذلك صحيح وقائم، فإن اليهود وغير اليهود ليسوا سواسية أمام القانون في إسرائيل.

جاء إعلان تأسيس دولة إسرائيل (إعلان الاستقلال)، الموقع في 14 أيار/مايو 1948، كوثيقة من صفحتين، وعرّف إسرائيل بوضوح كدولة يهودية. وشددت الوثيقة على أن السلطة والسيادة في إسرائيل هي للشعب اليهودي: "إن هذا الحق هو الحق الطبيعي للشعب اليهودي لكي يكون سيد مصيره، شأنه في ذلك شأن كل الأمم في سيادة دولهم". وتواترت في الإعلان عبارات تؤكد هذه النقطة؛ كمقولات: "الشعب اليهودي.. في بلاده الخاصة به"، "الشعب اليهودي يبني وطنه القومي"، "الدولة اليهودية"، "حق الشعب اليهودي في تأسيس دولته"، "الشعب اليهودي في إقامة دولته"، "شـعب يهودي سـيد".

أين يضع هذا الإعلان العربَ الذين يبلغون حاليا 20% من السكان داخل إسـرائيل (وبدون حساب سـكان قطاع غزة والضفة الغربية)؟! هذا الإعلان يؤدي إلى تمييز واضح بين اليهود -الذين هم السلطة السيادية في إسـرائيل- والسكان العرب الذين لا سلطة سيادية لهم.

يتم فرض وتوكيد وضع السكان العرب في إسرائيل كمواطنين من الدرجة الثانية [بالإيجاب]، من خلال القوانين التي تقدم لك الامتيازات لكونك يهوديا، وليس [بالسلب] أو بالإنكار الرسمي لحق العرب في الجنسية أو في التصويت أو في تولي المناصب. تقول وثيقة إعلان الاستقلال: إن للعرب حق "المساواة الكاملة في الحقوق الاجتماعية والسياسية"، "وجنسية كاملة ومتساوية وتمثيل عادل في كل مؤسسات إسرائيل الدائمة والمؤقتة". غير أن ديباجة قانون العودة الذي أقر في 1950 تسـتهل القول بـ: "يحق لكل يهودي الهجرة إلى البلاد". بينما تتمثل أهم مظالم الفلسطينيين في عدم قدرتهم على فعل نفس الأمر؛ فهم لا يستطيعون العودة إلى منازلهم في إسرائيل والتي عاشوا فيها لأجيال عديدة؛ بل حتى العرب الذين لم يغادروا إسـرائيل قط، لكنهم مكثوا أياما قليلة عند أقاربهم في قرية مجاورة بانتظار انتهاء الحرب في 1948، هؤلاء الآن مصنفون في إسرائيل كـ"غائبين حاضرين"، وهي فئة سيبقون فيها إلى الأبد، ونتيجة لها تبقى بيوتهم وأملاكهم في حيازة "حارس أملاك الغائبين" الذي يضع هذه الأملاك تحت تصرف اليهود.

وتتمتع المؤسسات الخاصة التي تخدم المصالح اليهودية حصرا بسلطة شبه حكومية في إسرائيل فيما يتعلق بالسياسات التي تمس غير اليهود. والمثال الرئيس لذلك هو "الوكالة اليهودية" التي تطلق على نفسها "وكالة المصالح اليهودية في أرض إسرائيل.. ويعرف دورها كمنظمة خيرية تطوعية ومسئولة عن الهجرة والتوطين والتنمية، وعن تنسيق وحدة الشعب اليهودي".

يصف مركز القدس للشئون العامة (يهودي) الوكالةَ اليهودية بأنها "مؤسـسة تطوعية شبه عامة (رسمية)، وتشارك الحكومة في صلاحيات ووظائف متداخلة غالبا. نعم، يجوز للعرب إقامة "وكالة عربية" خاصة، ولكن لن يكون لها السلطة شبه الحكومية؛ مثل التصرف في الأملاك اليهودية بنفس الطريقة التي يسمح القانون للوكالة اليهودية بالتصرف في الأملاك العربية؛ إذ يسلم حارس أملاك الغائبين (الحكومة) الأملاك العربية إلى الوكالة اليهودية، ولكنه لا يسلم الأملاك اليهودية إلى وكالة عربية. ولا تصادر أملاك اليهود كـ "أملاك غائبين حاضرين"؛ لأن اليهود -على عكس العرب- يتمتعون بقانون العودة.

"رسـالة إلى مُـرحّـل"

"لعشرين سنة مضت، لم أكن أعلم أي شيء عن قضية فلسطين. كان عمري سنة واحدة عندما وصل والدي إليها ضمن خمسين ألف يهودي بلغاري قرروا الهجرة إلى الدولة اليهودية الجديدة. كان ذلك عام 1948 عندما ولدت إسرائيل. كان الاستقرار في بداية الأمر في الرملة، في بيت حجري كبير كانت تملكه أسرة عربية.. وفي حديقة المنزل كانت هناك شجرة ليمون تنوء كل عام من وطأة حملها الثقيل من الليمون. وفي صباح أحد الأيام بعد حرب الأيام الستة (حزيران/يونيه 1967)، طرق الباب شاب عربي وقال: اسـمي بشير الخيري، وهذا البيت كان لأسرتي".

كان في السادسة والعشرين وكنت أنا في العشرين. وكان ذلك أول لقاء لي بفلسطيني.

وفي يوم لا أنساه أبدا، جاء شقيق بشير إلى الرملة بصحبة والده. كان الرجل الكبير ضريرا، وبعد عبور البوابة، عانق أحجار المنزل الصلدة، ثم سأل عن شجرة الليمون هل ما زالت هناك، فقادوه إلى خلف البيت، وعندما وضع يده على جذع الشجرة التي غرسها لم ينبس ببنت شـفة. تدحرجت الدموع على خديه، وأعطاه والدي ليمونة فأمسكها بيديه وهو يغادر المكان. وبعد سنوات، أخبرتني أم بشير أنه عندما كان زوجها لا يستطيع النوم، كان يخطو جيئة وذهابا في شقته ممسكا بليمونة ذابلة، كانت الليمونة نفسها التي أعطاها له أبي ...

لقد ظننت دائما أن عرب مدينتي اللد والرملة قد فروا من الجنود الإسرائيليين في 1948، وأنهم قد تخلوا عن بيوتهم كالجبناء في أعقاب حرب 1967. أخبرني جندي إسرائيلي من الذين شاركوا في طرد الفلسطينيين من اللد والرملة ما قد حدث فعلا في تموز/يوليه 1948. فقد أخبرني عن العربات التي كان بها مكبرات للصوت، وكانت تذرع شوارع مدينة الرملة آمرة السكان بالمغادرة. لم أنقطع عن الاستمرار في حب بلادي بسبب ذلك، لكن حبي لها فقد براءته".***

قدرت بعثة الأمم المتحدة للصلح أن حوالي 80% من الأرض التي هي اليوم دولة إسرائيل كانت في السابق أملاك للفلسطينيين، وصودرت من قِـبَل منظمات يهودية كالوكالة اليهودية. وهكذا، فقد يكون الفلسطينيون مواطنين في إسرائيل، لكنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وهذا هو المعنى الدقيق لأن تكون غير يهودي وتعيش في دولة يهودية. وهناك منحى آخر في إسرائيل يجعلها دولة فصل عنصري؛ هو أنها تسعى للفصل بين العرب واليهود على المستوى الشخصي (الاجتماعي). فمثلا، اليهود والعرب لا يستطيعون الزواج قانونا في إسرائيل من بعضهم البعض؛ ولو تم ذلك خارج البلاد فهو زواج غير معترف به في ظل القانون الإسرائيلي.

ولا يسع المرء إلا أن يقف إما في صف الدولة اليهودية أو أن يقف مع المساواة التامة بين اليهود وغير اليهود داخل إسرائيل؛ ولكن لا يسع أحد أن يقف الموقفين معا.

يوظف القادة الصهاينة هذا المنطق كسلاح ضد أولئك الذين يريدون المساواة والديمقراطية في إسرائيل، يهودا كانوا أو غير ذلك. فإذا قلت: أريد أن تكون إسرائيل دولة ديمقراطية حقيقية، تتساوى فيها حقوق اليهود وغير اليهود، فسيتهمك الصهاينة بأنك تريد إزالة دولة إسرائيل؛ لأن إسرائيل دولة يهودية وليست دولة كل من يعيش فيها من السكان. وجعل الصهاينة من "دعم مبدأ وجود إسرائيل" (كدولة يهودية) اختبارا نهائيا؛ ومن يخفق فيه يصنف إما كمعادٍ للسامية أو كيهودي "كاره لذاته". وهذا يضع كل شخص -يؤمن بالمفهوم العالمي للمساواة- في خندق الدفاع، ويخنق التعبير الحر عن وجهات النظر الداعية إلى التضامن بين العرب واليهود.

تختلف إسرائيل عن كل الدول القائمة اليوم. فإذا كنت فرنسيا أو أمريكيا أو صينيا أو نيجيريا، وقلت: أريد لأمتي أن تكون وحدة واحدة؛ حيث الكل سواسية أمام القانون، وأن الأمة مجتمعة تمثل أعلى سـلطة على أرضها، فسوف لا يتهمك أحد بأنك تريد إزالة فرنسا أو أمريكا أو الصين أو تبرر وجودها بأنها دولة تستند إلى رضا كل سكانها. ولم يتهم أحد ممن عارض "جيم كراو" في الولايات المتحدة مثلا بأنه ينكر حق الولايات المتحدة في الوجود. لكن أولئك الذين يطرحون مطالب متماثلة في إسرائيل متهمون -ولسبب مهم- بإنكار حق إسرائيل في الوجود.

إن حق "الدولة اليهودية" في الوجود غير متطابق مع القيم العالمية الراسخة في المساواة والديمقراطية. فإسرائيل في هذا الصدد مماثلة لجنوب أفريقيا في عهد الفصل العنصري. وكما تتهم إسرائيل الآن دعاة المساواة بين العرب واليهود بأنهم يريدون إزالة دولة إسرائيل، كانت جنوب أفريقيا تتهم دعاة المساواة بين البيض والسود بأنهم يريدون إزالة دولة جنوب أفريقيا. التعليل واحد: المساواة العربية اليهودية تتحدى فكرة أن اليهود وحدهم السلطة ذات السيادة في إسرائيل، كما كانت المساواة بين البيض والسود تتحدى أسس جنوب أفريقيا (العنصرية) ذات السيادة البيضاء حصرا.

غير ديمقـراطـية من البدايـة

كان أول من دعا في التاريخ الحديث جديا إلى إقامة دولة يهودية هو "ثيودور هـرتزل" مؤسس المنظمة الصهيونية العالمية، والذي ألف كتاب الدولة اليهودية سنة 1896. وإلى أصولها الحديثة في كتاب هـرتزل استند مفهوم الدولة اليهودية على رفض المبدأ الديمقراطي القاضي بأن الدول تستمد حقها في الحكم من قناعة السكان الذين يعيشون فيها. كان لا بد لهـرتزل من رفض هذا المبدأ؛ لأن اليهود لم يكونوا أغلبية في فلسطين. وبدلا من ذلك، أكـد هرتزل أن شرعية الدولة اليهودية مستمدة من الحاجة إلى حماية "الوطن الآمن" أيا كانت نواياه نحـو إنشاء حكومة في فلسطين (حيث اليهود أقلية بين العرب)، وتكون لها قوة السيادة على كل السكان (يهود وعرب)، وأن تتصرف في الظاهر فقط باسم اليهود المنتشرين حول العالم.

كان لانفلات الصهاينة من المبدأ الديمقراطي عواقب كارثية، فقادة إسرائيل اليوم في مأزق حقيقي؛ فهم يريدون الشرعية المستمدة من كونها ديمقراطية (افتراضا)، لكن وجود أعداد كبيرة من العرب داخل إسرائيل يجعل من المستحيل لإسرائيل أن تكون يهودية (أي أن اليهود وحدهم هم مصدر السيادة). هذا أحد أهم الأسباب التي تجعل القادة الإسرائيليين غير قادرين على هضم فكرة السماح للاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم التي طردوا منها بواسطة القوات العسكرية اليهودية في 1948.

يـهود بأهـداف مضـادة

كانت فكرة الدولة اليهودية مدعومة تاريخيا من النخب اليهودية وغير اليهودية، ولكن لم تكن مؤيدة من أغلبية اليهود. في سنة 1903، زار "ثيودور هـرتزل" من أجل لقاءين طويلين مع وزير داخلية القيصر "واتشسلاو بليوي" الرجل المعتَقَد بمسؤوليته عن مذبحة اليهود العتيدة في "كيشينيف". وبحسب مذكرات هرتزل (10-14 آب/أغسطس)، قال له بليوي: "إنك لا تحتاج إلى تبرير حركتك (دعوتك) لي، فأنت تعظ مؤمنا مهتديا... إن إقامة دولة يهودية مستقلة قادرة على استيعاب عدة ملايين من اليهود سيتناسب معنا، وعلى أحسن وجه".

يشرح المؤرخ الإسرائيلي "يورام هازوني" ذلك قائلا: "كما قد ظن هرتزل طويلا، فإن الحكومة القيصرية التي كانت تحكم سبعة ملايين يهودي -كان كثير منهم منجذبا نحو الاشتراكية- كانت متوافقة تماما مع أي مخطط لتشجيع الهجرة اليهودية".

في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي كان كثير من اليهود منخرطين في منظمات الطبقة العاملة الاشتراكية والشيوعية، ويناضلون من أجل الثورات الاشتراكية في أوربا وليس في الهجرة إلى فلسطين. فمثلا، في عام 1938 كان "هنريك إرليخ" قائد البوند (منظمة الطبقة العاملة اليهودية البولندية) التي اكتسحت أكثر الأصوات اليهودية في آخر انتخابات بلدية حرة قبل الاجتياح النازي قد أعلن "أن الصهيونية هي التوأم الشبيه جدا باللاسامية وكل أنواع الشوفينية الوطنية".

ورفض يهود الطبقة العاملة البولندية الصهاينةَ عندما رأوا أن القادة الصهاينة يعقدون الصفقات مع أكثر السياسيين البولنديين عداء للسامية من أجل إجلاء يهود بولندا إلى فلسطين.

وعلى العكس من الصهاينة، لم يطالب "البوند" بأية أراض؛ فقد ناضلوا وطالبوا بالمساواة من أجل الناس العاديين، وذلك على النقيض من فكرة تأسيس دولة يهودية. وآمنوا بتقوية حركة الاتحادات العمالية، وبالعمل من أجل وحدة العمال اليهود وغير اليهود في بولندا. ومنذ 1939 إلى 1945 نظموا مقاومة سرية للنازية في مناطق الجيتو (الأحياء اليهودية)، ومعسكرات الاعتقال النازية، وكأعضاء تنظيمات (في الغابة).

وعلى النقيض من دور البوند أثناء الهولوكوست، استمرت المنظمة الصهيونية العالمية (بزعامة حاييم وايزمن) في التعاون مع أكثر القوى رجعية وعداء للسامية في المجتمع الأوربي؛ للحصول على الدعم والتأييد لمشروعها في فلسطين. وهذه بعض الأمثلة على ذلك:

قام رئيس لجنة الإنقاذ الصهيونية (التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية) في بودابست أثناء الحرب العالمية الثانية "رودلف كاستنر" -والذي أصبح عضوا مهما في حكومة بن غوريون- بالتعاون مع النازيين. منح النازيون كاستنر امتيازات خاصة V.I.P. وأعفي من وضع نجمة داود الصفراء كما كان مطلوبا من اليهود. وفي مقابل السماح له بانتقاء مجموعة صغيرة من اليهود المتعلمين للهجرة إلى فلسطين، ساعد كاستنر على اقتياد آلاف اليهود إلى مصيرهم المحتوم وبدون قتال أو مقاومة، وذلك عن طريق ترتيب وإرسال آلاف البطاقات البريدية الزائفة "من يهود آخرين"، والتي أقنعت الضحايا بأن القطارات التي حملتهم إلى معسكرات الموت كانت ستحملهم إلى مجرد رحلة لمكان "استقرار جديد".

أما الزعيم الصهيوني (ورئيس الوزراء مستقبلا) إسحاق شامير، فقد اقترح تحالفا مع النازيين ضد بريطانيا العظمى، وكتب إلى المسئولين النازيين: "على مستوى المفاهيم، نحن ننتمي إليكم، فلماذا لا نتحالف؟".

كـيان يهــودي موالٍ

لم يكن لدى النخب البريطانية والأمريكية -التي ساندت الانتداب البريطاني على فلسطين في 1922، ثم إنشاء إسرائيل في 1948- أي اعتبار خاص لليهود؛ بل في الحقيقة، كانوا في غاية السعادة وهم يقفون جانبا، بينما كان ملايين اليهود يقتلون في معسكرات الإبادة النازية في أوربا أثناء الحرب العالمية الثانية. وعندما أيدوا الانتداب، لم تكن أغراضهم إنسانية أو خيرية بل سياسية وإستراتيجية. فقد أوضح السير "رونالد ستورز" -أول حاكم للقدس تحت الانتداب البريطاني- أن قيمة السيادة اليهودية على فلسطيني تكمن "بالنسبة لإنجلترا في إقامة "كيان يهودي ملكي موال" (على طريقة أيرلندا الشمالية) وذلك في بحر من العروبة المعادية".

لذلك كان دور إسرائيل منذ بدايتها هو القيام بدور مانعة الصواعق للصراع الطبقي (والوطني) الدائر في الإقليم، مستفزة الكراهية العربية وراعية للحروب الإثنية (والطائفية)؛ حتى يتسنى للأنظمة العربية -الجالسة على برميل بارود من التناقضات والفساد والثورة- الاستمرار في السلطة عن طريق تحويل سخط الجماهير باتجاه إسرائيل. ولإطالة أمد هذا الصراع، كان لا بد لإسرائيل من الاحتفاظ بترسانة وقوة عسكرية ضخمة بما فيه الكفاية لتصد أي هجوم عربي، وهذا يفسر التسليح الأمريكي الثقيل لإسرائيل. ولن يتمكن المسئولون الأمريكيون وقادة المؤسسات الرئيسة من حشد التأييد الشعبي لعسكرة إسرائيل وتحويلها إلى دولة/مجمع عسكري هائل، إذا ما صرحوا للشعب الأمريكي بالهدف الحقيقي؛ وهو استعمال دولة إسرائيل اليهودية في السيطرة على الشرق الأوسط والطبقة العاملة الثورية هناك.

ولكي تؤدي دورها كمانعة صواعق (غربية)، لا بد لإسرائيل من استفزاز الكراهية لدى العرب؛ إذ لا يمكن لها أن تكون دولة يعيش ويزدهر فيها اليهود جنبا إلى جنب مع جيرانهم العرب، كما يحدث ذلك مثلا في ولاية "يوتاه"؛ حيث يعيش هناك المورمون وغيرهم، أو كما يحدث في الولايات المتحدة بين اليهود وغير اليهود. ولا بد لمثل هذه الدولة أخلاقيا أن تكون دولة انقسامية؛ فهي "دولة اليهود ومن أجل اليهود"، وهي دولة يعتمد "وجودها ذاته" على طرد العرب من أرضهم، وإشعال الحروب العنصرية، وقد رأى بعض اليهود ذلك منذ بداية مشروع دولة إسرائيل. عارض يهودا ماغنيس -أول مدير للجامعة العبرية- فكرة "الدولة اليهودية"، كما عبر في يومياته (1942)، أن شعار "الدولة اليهودية" (أو الوطن القومي اليهودي) معادل في الواقع لإعلان الحرب على العرب". فمن وجهة نظر النخبة، استفزاز الحرب الإثنية هو وظيفة الدولة اليهودية.

ولا يبالي المسئولون ورجال الشركات بعدد اليهود الذين يموتون في هذه الحروب الإثنية. ونتيجة لذلك، فإن اليهود العاديين في محطات الأتوبيس والمطاعم والمراقص هم الآن عرضة لمخاطر، هي في إسرائيل أكبر منها في أي مكان آخر في العالم. وهذا يفسر إجابة 20% من البالغين في إسرائيل؛ الذين قالوا في استطلاع أجرته مؤسسة ماركت واتـش Market Watch لصالح جريدة معاريف الإسرائيلية: إنهم يفكرون حاليا في العيش في بلاد أخرى. وإجابة 12% من الآباء والأمهات الإسرائيليين، الذين قالوا: إنهم مع أن ينشأ أطفالهم خارج إسرائيل.

التعـاطي مع العـداء للسـامـية

يزعم الصهاينة أن المحرقة النازية (الهولوكوسـت) تبين التوكيدات الصهيونية منذ 1896 "أن غير اليهود معادون فطريا للسامية"، فلا بد لليهود من أجل النجاة في عالم معادٍ من أن تكون لهم دولتهم الخاصة بهم، لكن التاريخ الحقيقي للهولوكوسـت لا يثبت أو يبين ذلك. فأكثر الألمان -في الحقيقة- كانوا معارضين للعداء نحو السـامية، وقد ناضلت الطبقة العاملة الألمانية ضد النازيين في الشوارع وفي صناديق الاقتراع، قبل أن يتسلم هتلر السلطة من الصناعيين والأرستقراطيين؛ وكان ذلك بالتحديد لسحق حركة الطبقة العاملة. ففي آخر انتخابات حرة (6 تشرين الثاني/نوفمبر 1932)، وقبل تعيين هتلر كمستشار للحكومة الألمانية، فازت أحزاب الطبقة العاملة الألمانية (الاشتراكيون الديمقراطيون والشيوعيون) على النازيين بـ 221 مقعدا مقابل 196 مقعدا في انتخابات الرايشستاغ (البرلمان الألماني)، وقد كانت معروفة بمعارضتها الواضحة للنازية واللاسـامية. وقد أدرك معظم العمال الألمان حقيقة اللاسـامية (إستراتيجية النخبة الألمانية لتقسيم ومهاجمة الطبقة العاملة).

إن اللاسامية لا تبرهن أبدا على أن الأغيار معادون للسـامية بالفطرة أكثر مما تبرهن العبودية على أن البيض عنصريون بالفطرة ضد السود. ولو كان ذلك التعصب الفطري حقيقة لكان من الصعب تفسير الاستنكار الشعبي العام الذي تقابل به أية حادثة من الكتابات الجدارية المعادية للسـامية في أي مدينة أمريكية اليوم.

إن الرد والاستجابة الصحيحة للعنصرية واللاسـامية هو تقوية ودعم المساواة والتضامن بين العمال من كل الأعراق والجنسيات؛ وليس إقامة الدول الإثنية (العرقية) الخالصة، والقائمة على المبادئ القبلية ذات الطبيعة الانقسامية. لا تقدم الهولوكوسـت أي سبب لليهود لإقامة دولتهم الخاصة بهم أكثر مما تقدم العبودية سببا للأمريكيين الأفريقيين لإقامة "دولة سوداء" خالصة لهم.

إن أغلبية الناجين من ضحايا الهولوكوست عندما خُـيروا بين الولايات المتحدة وإسرائيل، اختاروا الذهاب إلى الولايات المتحدة؛ لأنها بدت أنها تمنحهم ما يريدونه حقا؛ مجتمعا يتساوى فيه الناس أمام القانون، ويعامل فيه اليهود كغيرهم تماما.

ماذا بعـد؟

إن المفهوم الأساسي للدول الخالصة إثنيا هو في ذاته انقسـامي ومصيره إلى إذكاء جذوة الصراع. إن ما يدعى في الشرق الأوسط بالحل القائم على أساس الدولتين -أي إقامة دولة فلسطينية مقابل الدولة اليهودية- ما هو إلا مصيدة فكرية وسياسية لمنع العمال العرب واليهود من الاتحاد حول مصالحهم وقيمهم المشتركة. إن الوضع في الشرق الأوسـط لا يمكن حـله ضمن هذا الإطار؛ فسوف يقود إلى لا شيء، باستثناء المزيد من الدمـار والكراهية وسيطرة النخب المتحكمة.

فليس الحل في إقامة دولة إثنية أخرى؛ بل في تفكيك القائم منها الآن. وسـواء كانت إسرائيل أو أية دولة للمسلمين وحدهم أو لأي مجموعة إثنية بعينها، يجب أن ينتهي وجودها كدول على أساس الفصل أو التمييز العنصري أو السيطرة الإثنية. يجب أن يستبدل بها ديمقراطيات علمانية بحقوق متسـاوية للجميع، وبغض النظر عن خلفياتهم الإثنية، وبتسـامح متسـاوٍ نحو جميع الديانات.

هل من السهل إنجاز ذلك؟ بالطبع لا؛ فأقوى النخب في العالم يعتمد بعضها على استمرار الصراع في الشرق الأوسـط لكي يستمروا في سلطانهم. وإقامة ديمقراطية حقيقية في فلسطين تتطلب أن ينضم الناس العاديون بعضهم إلى بعض للإطاحة بالنخب الإسرائيلية والأمريكية والعربية. إن الديمقراطية الحقيقية تحتاج إلى ثورة، فهـل يبدو ذلك ممكنا؟ نعم، ولكن بصعوبات كبيرة. وهـل هـي ضـرورية؟ بالتأكـيد؛ لأنه لـيـس هـناك سـبيل أخرى. إن الخطوة الأولى هي في التفـكير في المشـكلة وحلها بطريقة جديـدة. لقد آن أوان أن نبدأ.

اقرأ أيضا:


* نقلا عن موقع " عالم الديمقراطية الجديدة" ذي التوجهات اليسارية، ونقل النص إلى العربية الدكتور/ مازن عبد الكريم النجار، وهو أكاديمي مختص بالإدارة والنظم، وباحث مهتم بقضايا التاريخ والاجتماع الإنساني.

** كاتب ومفكر يساري أمريكي مختص في مجالات الاجتماع وقضايا الصراع والديمقراطية.

***(من "رسالة إلى مُرحـّل"، المنشورة أصلا في "الجيروزالم بوست" 14 كانون الثاني/يناير 1988، والمنقولة في مقال رينيه باكمان "رسالة إلى بشـير"، مجلة نيوآوتلوك New Outlook، أيار/مايو 1988).


مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع