|
تضاربت آراء الدارسين والباحثين حول
اشتقاق كلمة "المحظرة" فبينما يرى
البعض أنها مشتقة من الحضور وذلك لحضور
الطالب درس الشيخ (أبدلت الضاد فيها ظاء
مشالة بفعل التداول المحلي) يميل آخرون إلى
أنها "مفعلة" من الحظيرة؛ وذلك بناء
على طبيعة المساكن التي كان يأوي إليها
الطلبة وهي عبارة عن مكان يرتب من الحشيش أو
أغصان الشجر، فيما يذهب فريق ثالث إلى أن
أصل الكلمة مشتق من الحظر بمعنى المنع؛ إذ
يحظر على الطالب أن يقوم فيها بأي فعل أو
قول حظره الشرع الإسلامي ويحرمه.
إجماع موريتاني
ولم يمنع الاختلاف في أصل الجذر من الإجماع
على التعريف الاصطلاحي الذي باتت تدل عليه
تلك الكلمة في المجتمع الموريتاني؛ إذ إنها
كما عرفها الباحث الموريتاني الخليل
النحوي في كتابه "بلاد شنقيط المنارة
والرباط" عبارة عن "جامعة بدوية شعبية
متنقلة تلقينية فردية التعلم طوعية
الممارسة". وفي تلك المؤسسة التعليمية
الحرة يتلقى "التلاميد" كما يعرفون
محليا مختلف العلوم اللغوية والشرعية على
يد الشيخ ابتغاء وجه الله.
وقد اتفقت كلمة الدارسين والباحثين على
الدور الكبير الذي قامت به في موريتانيا من
خلال إشعاعها العلمي وعطائها المعرفي
المتميز؛ وهو ما أولاها عناية كبيرة من لدن
مختلف فئات المجتمع فأصبحت لها تقاليدها
الخاصة بها ومعاييرها ومبادئها التي
يحترمها الجميع من داخلها وخارجها.
وقد عرفت المحظرة طريقها إلى مجتمع كانت
الحياة البدوية طابعه حيث كان السكان
يعتمدون في حياتهم على تتبع الكلأ والعشب
والماء في صحراء مترامية الأطراف تعاني
الخشونة وشظف العيش؛ فحولت هذا المجتمع
الذي كان لاهثا خلف الريح والغمامة إلى
مجتمع معرفي متميز حفظ الشرع الإسلامي
واللغة العربية وآدابها في ظرف عصيب، بل
أكثر من ذلك، حيث امتد إشعاع عطائه العلمي
وجهده الدعوي إلى إفريقيا التي كان يؤمها
العرب من موريتانيا تجارا ودعاة إلى الله،
وازدهرت في ذلك المجتمع الآداب إبان الغفوة
الأدبية التي ألمت بالعالم العربي فيما
يعرف لدى الدارسين بعصر الانحطاط، وأصبحت
كلمة الشنقيطي- نسبة إلى حاضرة شنقيط- في
العالم العربي ترمز للعلم الغزير والحفظ
العجيب نظرا للمرتبة العلمية المتميزة
التي وصل إليها العلماء الموريتانيون
الذين هاجروا سواء إلى المغرب أو المشرق؛
لهذا لا عجب أن نرى بعض الباحثين يميلون إلى
أن الدرس العربي الأدبي لو اعتمد الأدب
الموريتاني في عصر الانحطاط لتضاءلت تلك
النظرية التي طبعت تصنيفه ردحا من الزمن.
ويمكن أن نحدد بداية تأسيس المحظرة في
موريتانيا بالرباط الذي أسسه الداعية
والمعلم المعروف عبد الله بن ياسين في
القرن الخامس الهجري، في منطقة قريبة من
العاصمة نواكشوط، والذي كان منطلقا لتأسيس
دولة المرابطين في المغرب.
وظل الأمر يتطور ويتكون حتى بلغ الذروة مع
انتشار المحاظر في موريتانيا في القرون
اللاحقة، سواء في الحواضر كشنقيط ولاته، أو
في الربوع الصحراوية المترامية الأطراف
والتي هي الأكثر سكانا.
نظام المحاظر
ولا يختلف نظام المحاظر كثيرا فهي تعتمد في
التدريس على شيخ يقوم بالتفرغ لذلك احتسابا
لوجه الله، ولا يخلو حي من الأحياء البدوية
من محظرة على الأقل.
وتبدأ علاقة الطالب بالمحظرة منذ أن يستقيم
لسانه، وعادة ما تكون البداية مع إحدى
قريبات الطالب سواء كانت أمه أو خالته أو
عمته أو جدته أو أكبر العائلة سنا استئناسا
بها وطلبا لنيل البركة، وأحيانا توجد في
الحي من تتفرغ لهذه المهمة. ويبدأ الطالب
بكتابة الحروف في لوح خشبي مصنوع خصيصا
لهذا الغرض صمم من قبل صناع مهرة، ويكتب فيه
بمداد يجهز من ماء مخلوط بفحم وصمغ يضمن
بقاء الدرس فترة طويلة على اللوح.
وبعد إتقان الهجاء تكتب للطالب أبيات أو
أنظام للتمرن على القراءة السليمة قبل
البدء بالقرآن ثم ينتقل بعدها لكتابة
القرآن بدءا بالفاتحة وبعض السور القصار
ليفتتح ترتيب القرآن بحزب سبح، ويعتمد
الموريتانيون في التنسيق القرآني على
الأثمان والأحزاب بدءا بحزب "سبح اسم ربك"
وانتهاء بحزب "الم".
وحينما يصل الطالب إلى مرحلة متقدمة يوصى
به إلى شيخ المحظرة في الفريك -وهي كلمة
تعني الحي- وأحيانا يبعثه ذووه إلى "محظرة"
في حي آخر طلبا للأفضل أو لشهرة تلك المحظرة
في العطاء الجيد والأداء المتميز.
ويتسع اللوح لأربعة دروس يراجعها الطالب
حتى إذا ما أتقنها حفظا غسل أقدمها في مكان
معد لذلك ثم يكتب درسا (كتبه) جديدا بدله
وهكذا. ولا ينقطع الطالب عن المذاكرة
والاستظهار في فترات تبدأ من الهزيع الأخير
من الليل لتنتهي ضحى، ثم تستأنف عند صلاة
الظهر وتنتهي عند العصر ثم يعود الطالب قبل
المغرب... وهكذا.
ويراوح الطالب في هذه الفترات بين قراءة
الدروس الجديدة المكتوبة في اللوح
واستظهار القديم منها على الشيخ أو على يد
أحد التلاميذ الذين يثق الشيخ في حفظهم،
ويرى فيهم الكفاءة والقدرة على تلك المهمة.
وعادة ما يكتب الطالب ثمنا (وهو اصطلاح
مغربي لترتيب الأحزاب) بعدما يتجاوز
المراحل الأولية المتقدمة، ويكون الطالب
في هذه المرحلة متفرغا لدراسة القرآن
الكريم، حتى يختمه، وحينها تخضب يده
بالحناء وتقدم له ولذويه التهاني ويقال إنه
"حن أيد" أي خضب يده بالحناء.
وبعد الانتهاء من القرآن الكريم، يبدأ في
كتابة بعض النصوص المتعلقة بالنص القرآني
مثل كتب الرسم العثماني وكتب القراءات مثل
"الشاطبية" و"طيبة النشر في
القراءات العشر" وغيرها، ونظم "ابن
بري" في قراءة الإمام نافع رحمه الله.
والقراءة المتداولة في موريتانيا هي قراءة
الإمام نافع بروايتي ورش وقالون، وتداول
رواية الأول أكثر من الثاني.
ويختص شيخ المحظرة القرآنية بأخذ الأجرة
على تدريسه، وعادة ما تكون عبارة عن شاة أو
جذعة من الإبل أو البقر، وما يجود به ذوو
الطلاب من منح وعطايا متنوعة. وإذا كان
الشيخ فقيرا أو يعيش في غير حيه فإن على
أولياء الأمور الإنفاق عليه والاهتمام
بمصالحه.
وبعد البلوغ يبدأ الطالب في الانتقال من
مرحلة التلقي الإجباري للقرآن الكريم
والتي قد يصحبها التهديد والوعيد والضرب
أحيانا إلى مرحلة تلقي العلم، وله شيوخه
المختصون، ولا يأخذون أي أجر مقابل
تعليمهم، والغالب أن يكون الشيخ عالما في
كل الفنون، وإن كان له قصب سبق في فن من
الفنون؛ يؤمه الطلاب للتوسع والتخصص في ذلك
الفن.
ويحظى شيخ المحظرة بإجلال كبير من لدن
الطلاب، ويتهلل أحدهم فرحا إذا كلفه الشيخ
بمهمة ما، وكلما كانت أكثر صعوبة كانت
الفرحة والبشارة أكبر، ويتداولون في
يومياتهم حكايات أولئك الطلاب الذين (فتح
الله عليهم) بسبب خدمة قدموها للشيخ أو أداء
مهمة شاقة كلفهم بها، ولهذا يسعون جميعا في
خدمة الشيخ طواعية والسهر على مصالحه
ورعايتها دون كلل أو ملل؛ علهم يحظون بذلك
"الفتح" أو يحظون بدعاء صالح من الشيخ.
وتتأكد أهمية شيخ المحظرة إذا ما وضعنا في
عين الاعتبار أن الموريتانيين يجنحون إلى
مقولة "العلم من أفواه الرجال لا من بطون
الكتب".
ولا تعتمد المحظرة على نظام المقاعد
الدراسية، ولا تراعي في الطالب أي سن، ولا
تراعى كذلك في الدراسة فترة زمنية معينة
فالجميع حر في أن يلج تلك المؤسسة
التعليمية في أي سن وفي أي وقت حسب الجهد
والإمكان.
اقرأ
في الموضوع:
اقرأ
أيضا:
** كاتب
وشاعر موريتاني مقيم بالإمارات
وبريده:
ahmad_aboualmaaly@hotmail.com
|