|
التديّن..
كلمة كثر النطق بها على ألسنة العامة من
العرب في العقود الأخيرة من هذا القرن، وقد
اختلفت مقاصد الناس ومراميهم حول ما تشير
إليه هذه الكلمة، غير أنها على أي حال قد
صارت تستخدم من قبل سواد عظيم من الناس
قاصدين بها معاني تتراوح بين الالتزام
بتعاليم الدين والتقوى والورع وربما تتعدى
ذلك إلى كل خُلُق حسن يتحلى به المرء
اتباعًا لدين والتزامًا بمنهج.
وتستوقف
هذه الكلمة على بدهيتها كل من يمعن النظر في
المشهد الثقافي والفكري المعاصر لعامة
العرب، خاصة أنها -على الأغلب- لم تشع على
الألسنة قبل بضعة عقود من اليوم أو تزيد.
فالصلاح
والتقوى والورع واتباع أوامر الله وما
إليها من الأوصاف التي تدور حول هذا
المضمار، كانت قد ذكرت في كتاب الله تعالى،
وفي سنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم
ومن بعد ذلك وردت على ألسنة الصحابة
والتابعين، ثم في كتب علماء الأمة على
اختلاف ما عُنُوا به من فروع العلم حتى عهد
قريب، أما كلمة الـ"تدين" أو وصف المرء
أنه "متدين"، فكلمة نستطيع القول إنها
حديثة الظهور في الوجدان العربي، لم يرد
لها أصل في وحي السماء أو أمهات كتب العلم،
على النحو الذي شاعت به على ألسن اليوم.
"التدين"..
ماذا تعني؟
فدعونا
نتوقف هنيهة مع الخلفية اللغوية لهذه
الكلمة، ماذا تعني كلمة "تديّن"؟
مما
يستلفت الانتباه، أننا حين التمسنا معاني
هذه الكلمة وما وراءها عن طريق الكشف عن
جذورها في معاجم اللغة العربية، رأينا أنها
قد وردت في "لسان العرب" لابن الإفريقي
على النحو التالي: "يقال: دَانَ بكذا
ديانة وتَدَيَّنَ به فهو دَيِّنٌ
ومُتَدَيَّنٌ ودَيَّنْتُ الرجلَ
تَدْينياً إذا وكلته إلى دينه. والدِّين:
الإسلامُ وقد دنتُ به".
وفي
القاموس المحيط للفيروز آبادي لم يرد لهذه
الكلمة بحد ذاتها معنى، وإنما دارت الأوزان
الواردة في هذه المادة حول معاني الدّين
الذي هو اقتراض مؤجل، وما يدور حوله من
أوصاف الفاعل والمفعول على اختلاف الأوزان
والمعاني.
وأما
في المراجع اللغوية الحديثة، مثل "المحيط"،
و"محيط المحيط"، و"الوسيط"، و"الغني"
والتي أُعدت جميعًا فيما بين النصف الثاني
من القرن التاسع عشر والنصف الثاني من
القرن العشرين، فقد ورد في "محيط المحيط":
"وتديَّن بالإسلام اتَّخذهُ دِينًا،..
الدَّيّن صاحب الدِّين والمتمسّك به".
وفي
"المحيط": "تَدَيَّنَ يَتَدَيَّنُ
تَدَيُّناً: اتخذ دِينا؛ تَدَيَّنَ
بالإسلام/ تَديَّن بالنصرانية.-: تشدَّد في
أمر دِينه"...
وفي
"الغني": "تَدَيَّنَ بِدِيـنٍ:
اِتَّخَذَهُ دِيناً".
ويبدو
مما أوردته المراجع الأصيلة للسان العربي
أن التديّن بمعناه المألوف اليوم لم يكن
لفظاً مطروقاً وقت إنشاء تلك المراجع، إلا
إذا استخدم على الوجه اللغوي المحض لوزن
تلك الكلمة: "متفعِّل"، والمرء حين
يتفعل الشيء إنما يتخذه أو يتحلى به أو
يتكلفه.. وهو ما أورده لسان العرب في "دان
بكذا ديانةً وتديّن به فهو ديّن ومتديّن"؛
فالمرء -إذا فُهمت الكلمة على هذا الوجه-
حين يتدين، إنما يتخذ لنفسه ديناً وكفى.
وقد
نراه جليًّا كذلك على نحو ما قدمته لنا
المعاجم حديثاً فإن كلاًّ من "محيط
المحيط" و"الغني" و"المحيط" قد
قدم ذات المعنى "اتخذ ديناً"، غير أن
المحيط زاد عليها: "تشدَّد في أمر دِينه"
وهو مقتضى الوزن: "تفعّل" والذي ينصرف
إلى ألفاظ توازي هذه الكلمة في المعنى مثل:
"تكلّف"، و"تشدّد"، ونحن كذلك في
حياتنا اليومية نستخدم ألفاظا مساوية لهذا
اللفظ في الوزن ينصرف جلها إلى معان أدق من
تلك الأولى في مقصودها، كـ"تزوج"، و"تأهل"
و"تعنت"، فتزوج يراد بها "اتخذ
زوجاً"، وتأهل يراد بها "اتخذ أهلاً"،
وتعنت يراد بها "قصد أو ابتغى العنت".
ونستنبط
من كل ما سبق أن لفظة "التدين" تتسم
بقدر بالغ من العمومية وتفتقر إلى نصيب
كبير من الدقة حين يستخدمها المتحدث العربي
اللسان على الوجه الذي تقدم الحديث حوله.
هكذا
فهموا التدين
وهنا
يبقى السؤال: هل يُعَدّ هذا اللفظ مجرد خطأ
لغوي شائع ككل الأخطاء التي شاعت على ألسنة
الناس فأنتجت اللهجات العامية المعروفة
اليوم...؟ أم أنه إفراز لحالة سياسية
وثقافية سادت الكيان العربي زمنًا من
الأزمنة...؟
حتى
يتيسر لنا أن نجيب على هذا السؤال، رأينا أن
نعرض لآراء بعض الناطقين بالعربية من أنحاء
المنطقة على مستويات وأقدار ثقافية وفكرية
متباينة.. فضلاً عن آراء زمرة من غير العرب،
لننظر في ما تستند إليه تلك اللفظة في وجدان
الناطقين بها.
سألنا
"شيرين مجدي" -صحفية مصرية، تتحدث
العربية وتجيد الفرنسية- عما تراه مقصودًا
بتلك الكلمة فقالت: "في اعتقادي أن
التدين في الإسلام هو إيمان بالفكرة
الإسلامية نفسها، ثم العمل من أجلها. هذا
بالإضافة طبعًا إلى الروحانيات والعبادات
التي يفترض أن تكون مزاولتها من قبيل
الاستمتاع بالقرب من الله، دون الاعتقاد
بأنها تكفي لإرضائه عنا" انتهى.
وقالت
"حنان براي" -صحفية تعمل في وكالة
أنباء المغرب العربي، من الرباط-: "تصوري
للشخص المتدين، هو أنه ذلك الإنسان
المستقيم الملتزم بتعاليم الدين الإسلامي
الحنيف والمواظب على أداء شعائره وفرائضه.
كما أعتقد أن الأمر لا يقتصر على ذلك بل
يتجاوزه ليشمل جانب السلوك والمعاملات
اليومية والذي يتجلى في تحليه بصفات
الأمانة والصدق والوفاء وحسن الجوار... إلخ"
انتهى.
بينما
أجابتنا "ميساء شجاع الدين" -من اليمن-:
"باختصار التدين هو عبارة عن أسلوب حياة
فيه محاولة جادة لمراعاة والتزام الضوابط
الدينية على الأقل تلك الواضحة والكبيرة،
لكنها كلمة فضفاضة تحتمل الكثير من شخص
يراعي الدين في أبسط صوره مثل الصلاة
والصيام فقط وآخر يجند حياته بشكل كامل
للدين وما بينهما الكثير" انتهى.
ليس
بالعسير أن نستقرئ من آراء هذه الزمرة من
الشباب في أنحاء المنطقة العربية، أن هذه
الكلمة قد انصرفت في عرف العامة فعلاً إلى
معانٍ كالتقوى والصلاح واتباع منهج السماء
في سائر مآرب الحياة.
بين
العربية ولغات أخرى
ومما
يستلفت انتباه الناظر في شأن النقل
والترجمة بين اللغات المختلفة، أن هذه
الكلمة التي نحن بصددها هي الكلمة الوحيدة
في هذا المضمار التي يوجد لها مقابل حرفي في
بضعة لغات أوربية شائعة على النطاق العالمي!
فنجد
أن المقابل الحرفي في القاموس الإنجليزي
"Religious" هو صيغة الوصف من كلمة
"Religion"، وهي تعني "دين" والوصف
يعني: "ديني، متدين، زاهد، ناسك"، ونجد
أن ذات الكلمة في الإسبانية: " religioso"،
وفي الفرنسية: " religieux"، وفي الألمانية:
"Religiös"، وفي الإيطالية: "
religioso"، وفي الروسية: "
религиозный"
وتنطق: "رِليغيوزنيِه" على وجه قريب من
نطقها في قريناتها من اللغات الأوربية،
وتتمايز أصول هذه اللغات ما بين اللاتينية
والأنجلوساكسونية والسلافية.. غير أن
الكلمة في جل هذه اللغات ترمي إلى مقصد
واحدٍ يكاد يتطابق مع المقصد الذي قدمنا له
في ما ورد على لسان زمرة الشباب العربي
الذين أوردنا آراءهم سلفاً.
من
أجل ذلك فقد رأينا أن نورد هنا أقوال زمرة
من غير العرب، فيما يرونه مقصوداً بلفظة
"متديّن" في لغاتهم..
تقول
"نايلة عقدة" -دكتوراة في الاقتصاد
السياسي، كازاخستان-:
"كلمة
(متدين) بالنسبة لي ترتبط ابتداء بأولئك
الذين يزورون المساجد والكنائس، ويقومون
بممارسات دينية يومية (الصلوات، وما إلى
ذلك)، وفي الوقت الحالي تنصرف كلمة (المتدين)
بالنسبة لي إلى العادات والتقاليد الخاصة
بالشعوب والمجتمعات التي توجهها المعتقدات
والمبادئ الدينية"... انتهى.
وقال
زميلها "غزيز شوتانوف" الذي يعمل معها
في برامج التعاون التقني:
"أول
ما يتبادر إلى ذهني، صورة شخص مؤمن بالله،
أفكر كذلك بالحركات الدينية. كما أن هذه
الكلمة مرتبطة بتوجهات مختلفة (خاصة في
الدين المسيحي)."... انتهى.
وعندما
توجهنا بالسؤال إلى "نايلة عقدة" عما
إذا كانت تعتقد أن هذه الكلمة تعكس المعنى
الصحيح في الإطار الذي تستخدم فيه..؟ أم
أنها تمثل خطأ شائعاً..؟
أجابت
قائلةً: "يعتمد معنى الكلمة على طريقة
ترجمتها. حقيقة إن كلمة (متدين) لا تعني فقط
أداء الصلوات اليومية... إلخ، بل ينبغي أن
تنطوي هذه الكلمة على معنى أوسع، كلمة (متدين)
لا تستخدم على الوجه الصحيح، خاصة عندما
تتعلق هذه الكلمة بالإسلام"... انتهى.
كما
سألنا "منير حسن" -مطور برامج، من
الهنـد- فأجاب:
"شخصياً،
عندما أسمع هذه الكلمة، ترد إلى ذهني صورة
رجل ورِع بلحية طويلة. مفهوم الشخص المتدين
لدي هو ذلك الشخص الذي يتبع مبادئ دينه
بصورة حازمة دونما تهاون"... انتهى.
ما
دلالة ظهور كلمة التدين؟
إن
كل ما عرضنا له من مراجع للغة العربية في
شأن هذه اللفظة وما يراد من ورائها، وما
لاحظناه عند اطلاعنا على مقابلها في مختلف
اللغات الأوربية، ومن استقرائنا لآراء
البعض من غير العرب المتحدثين ببعض تلك
اللغات، فضلاً عن آراء زمرة من المتحدثين
بالعربية، يهيئ لنا أن هذه الكلمة على هذا
الوجه الذي درجت به على ألسن العرب لم تكن
إلا كلمة دخيلة على ثقافة العرب وذاكرتهم.
فإننا
إذ نمعن النظر في طبيعة هذه الكلمة بعد ذلك،
نجد أن وجودها في قاموس اللسان العربي لهذا
الزمان أمر مثير بحق، فالأصل أن التدين، في
مجتمع إسلامي، ليس بالصفة التي تطلق على
الفرد إذا عمل على اتباع مبادئ دينه وانتهج
نهجه في الحياة؛ إذ إن هذه الحال هي الحال
الأصيلة في المجتمع، الأصل أن الناس
يلتزمون بمنهج ونظام الحياة وفقًا لمبادئ
الإسلام، أما أن ينصرف الناس عن ذلك فهو أمر
لا يرد إلا من فئة حديثة العهد بالدين أو
فئة أصيلة من أهل الملة على قدر من الانحلال
عن المبدأ أو الانحراف عن العقيدة.
حين
نقارن هذه الصورة بما هو كائن في واقع
اليوم، وما بصُرنا به معًا على ألسن بعض
العرب نرى أن هذه الكلمة على بساطتها تجسد
لنا بقوة الصورة الواقعة للمنطقة الناطقة
بالعربية من العالم الإسلامي، لقد صار
الالتزام بمنهج الحياة ومبادئ العقيدة
الإسلامية أمرًا يقتضي أن يوصف المرء إذ
يتحلى به بوصف خاص... أنه.. "متدين".
إن
ما تعرضت له شعوب المنطقة العربية في
القرنين المنصرمين من محاولات لطمس الهوية
الثقافية وإعادة تعريف للشخصية والانتماء
العربيين، وما أفضى إليه ذلك من سيادة
أنظمة قومية علمانية الظاهر أو المضمون، قد
أدى كل ذلك إلى نوع من التكريس لعزل الدين
عن الدولة حينًا، وعزله عن الحياة ذاتها
أحيانًا أخرى؛ ما أدى بطريق أو بأخرى إلى
هذا الواقع الذي لمسناه بأيدينا ونحن نقرأ
هذه السطور، ونستقرئ ما علق في أذهاننا،
نحن العرب من ناحية، وفي أذهان زمرة من غير
العرب من ناحية أخرى، حول طبيعة الدين
وعلاقته بالحياة.
أجل،
إن لفظة "التدين"، ووصف "متدين"،
يوحيان إلى السامع حين يتلقاهما على
البداهة دون تأثر بالمعنى الشائع لهما، أن
الشخص المتدين أو الزمرة التي توصف بالتدين
في مجتمع ما، حالة خاصة في هذا المجتمع الذي
نتحدث بشأنه، وليست طبيعة الأمر في
المجتمع، أن يحيا الناس وفقًا لمنهج الدين
ومبادئه، فنحن إن كنا نصف هذا الشخص الذي
يحيا وفقًا لمنهج الإسلام أنه "متدين"،
فمن البديهي أن الشخص الطبيعي أو المعتاد
الذي ينتمي إلى ذات المجتمع يكون غير ذلك!
ولقد
بدت هذه الفكرة واضحة جلية في أقوال ذوي
الألسن الأعجمية، وهي فكرة مألوفة غير
مستهجنة في المجتمعات الأوربية التي تنصلت
من الانتماء الديني أو العقدي منذ قرن من
الزمان على الأقل، إلا أن يكون على النطاق
الشخصي الذي لا يتعداه إلى منهج جامع أو
قانون ملزم.
وعليه
فإننا نخلص من كل هذا إلى أن فكرة التدين
ومقصودها على اللسان العربي ما هي إلا
إفراز لواقع الهوية والاعتقاد في المنطقة
العربية اليوم، وإنا لنحسب أن شيوع استخدام
هذه الكلمة على ما ينطوي عليه من معان قدمنا
لها، إنما يوحي بأن العوامل التي أبرزت
كلمة كهذه في الوجدان العربي آخذة عما قريب
في الانكماش والتراجع مفسحة لبعث جديد
للذاكرة العربية والإسلامية في المنطقة،
أي أن انتشار الكلمة وذيوعها ينبئ المطلع
والمستقرئ بتراجعها واندثارها مع اندثار
العوامل والمسببات التي أوجدتها في العصر
الحديث.
اقرأ
أيضًا:
المراجع:
1-
لسان العرب، لابن منظور محمد بن مُكرَّم بن
عليّ بن أحمد بن حبقة الأنصاري الإفريقي.
2- القاموس المحيط، للفيروز آبادي أبو طاهر
مجد الدين محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم
بن عمر الشيرازي الإمام اللغوي الشهير.
3- محيط المحيط، المعلم بطرس البستاني.
4- المحيط، أديب اللجمـي -شحادة الخوري-
البشير بن سلامة- نبيلة الرزاز.
5- الوسيط، مجمع اللغة العربية بجمهورية مصر
العربية.
6- الغني، الدكتور عبد الغني أبو العزم
أستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن
الثاني، كلية الآداب والعلوم الإنسانية،
عين الشف الدار البيضاء.
7- مراجع
للترجمة بين الإنجليزية والفرنسية
والإيطالية والأسبانية والألمانية
والروسية، عبر شبكة المعلومات.
**
من أسرة "إسلام
أون لاين.نت".
|