|

|
|
إعلان العرض |
"حييجي
يوم
مهما
يطول الانتظار
والحب
يقدر ع الجدار
ويطل
من طاقته الجميع
يتهد
سوق الانتظار
فوق
الوحوش الشرانية
تدبل
على الدم الشظية
ويولد
الحب انفجار.."
هذه
هي الأغنية الرئيسة في العرض المسرحي المصري "اللعب في الدماغ" والذي
لم أتحمس في بداية الأمر لدخوله ربما
بسبب التغطيات الإعلامية التي ركزت
على الشق السياسي في العمل وأزمة
الأنظمة العربية في ظل الاحتلال
الأمريكي للمنطقة، وكذا على تجسيد
شخصيات توم فرانكس وجورج بوش، وقد
تعودت أن تكون مثل هذه الأعمال إما
سطحية ومبتذلة وساذجة، أو تكون
خطابية مباشرة زاعقة. ولكن حين دخلت
العرض -استجابة لإلحاح أحد أصدقائي
الذي شاهده 3 مرات حتى الآن- أدركت خطأ
حكمي المسبق على العرض وعلى الحس
المسرحي لدى صديقي.
استمرارا
للمفارقات؛ حين قرأت دعاية العرض
فوجئت أن المؤلف والمخرج والبطل
ومؤلف الكلمات وملحن الأغاني هو شخص
واحد، هو خالد الصاوي. فتصوروا أي
إحباط أصابني حين أعرف أن عرضا يناقش
الديكتاتورية ويدعو إلى التخلص من
المستبدين يقوم بمعظم أدواره شخص
واحد!. لكن حين خرجت من العمل لم أجد ما
أقوله لأبطاله وهم يصافحون الجماهير
إلا: "كلكم أبطال.." فبالفعل كان
معظم فريق العمل مميزين في أدوارهم.
حس عال، وتشرب للعمل واتجاهاته. زاد
من ذلك قيام كل فرد بأكثر من دور.
وبعضها أدوار متناقضة بين الخير
والشر بدرجاتهما. مما أعطى لكل ممثل
مساحة لإبراز قدراته ومواهبه. وربما
يرجع ذلك إلى دأب فريق العمل الذي
تدور أعمار معظمهم حول الـ25 عاما،
والذين أكدوا لنا أنهم في تدريبات
متواصلة منذ 9 أشهر.
تجديد
الشكل والعرض
اعتمد
المخرج على كاميرا فيديو تنقل ما يدور
على خشبة المسرح على شاشة عرض كبيرة
في خلفية المسرح، مما سمح له بالتركيز
على لقطات قريبة للممثلين وأحيانا
المشاهدين، وبرصد الانفعالات
الدقيقة التي غالبا ما تتوه في زحمة
العمل المسرحي وتشكيلاته وعناصره.
كما نجحت هذه الحيلة الفنية في الطرق
على عقلية المشاهد من خلال التوتر
الذي تصنعه هذه الصور المتنوعة (المباشرة
والمصورة مسبقا).
ولطبيعة
النص السياسية فقد كان المؤلف موفقا
في اختيار الشكل أو القالب الملائم (review)
فاعتمد على عمل لوحات أو مشاهد أو
بالأحرى إسكتشات منفصلة متصلة، فلم
يعتمد النص على حدوتة وإنما خيط يربط
بين الأحداث التي قد تبدو متنافرة،
هذا الخيط هو الانهزامية والانبطاحية
التي يدعو إليها البعض منا تحت ستار
المفاهيم البراقة، مثل: الحوار،
التفاهم، السلام، الحب، التعايش،
والتي تمرر بالدعاية والإعلام وإن لم
تفلح فبالمسدس والقنبلة. ومن المفيد
أن نشير إلى أن هذا القالب المسرحي هو
المفضل لدى مسرحيي الشوارع أو المسرح
المستقل أو المسرح السياسي.
يقدم
العرض برنامج "وحشتوني" الذي
يذاع على فضائية مصرية ويستضيف توم
فرانكس بعد احتلاله للعالم العربي
كله باعتباره حبيب العرب الأول ومدخل
الديمقراطية إليهم، ويكرم البرنامج
شابا يقيم علاقة غير شرعية مع زوجة
صديقه، وبعد أن يتوعده الصديق من خلال
اتصال تليفوني بالويل والثبور يظهر
على الشاشة هذا الزوج ليعلن عن طيب
خاطر ورضا نفس أنه رأى أن الحوار هو
وسيلة التفاهم المثلى، وأنه رأى ألا
فائدة من المقاومة. ويثني عشيق زوجته
عليه لأن الحب تضحية ولأن الزوج قد
ضحى من أجل سعادة زوجته وعشيقها وفي
نفس الوقت فهو ما يزال يستطيع
الاستمتاع بزوجته والكسب من عملها
كراقصة.
الخروج
من الأفخاخ التقليدية
نجا
العرض من فخ المباشرة رغم أنه حسب وصف
بطله خالد الصاوي "صرخات راديكالية"
إلا أنني أعتقد أنه من الصعوبة على
المشاهد أن يلمح هذا الصراخ في ظل
تقنيات عالية غير مسرفة استخدمها
المخرج ساهمت في خفوت النبرة الزاعقة
التي قد توجد في النص المكتوب.
وربما
ساهم في خفوت نبرة الراديكالية أن
العرض لم يقع في فخ الحزن المتعمد
والتشنج بل على العكس، فأتصور أن
الجمهور قد استمتع بالكوميديا
الراقية التي غلفت العمل.
النص
ثري لكنه لم يقع في فخ التخمة التي قد
تغري مؤلفي المسرح عند التعرض لهذه
الأعمال، وقد كتب النص 5 مرات حسب
المؤلف وذلك لسببين: "ملاحقة
الأحداث اللاهثة وتطورات الأوضاع،
بالإضافة إلى تعميق الرؤية". وشارك
الجميع -وفيهم الممثلون حسب خالد
الصاوي أيضا- في صياغة العمل من خلال
المناقشات المطولة التي شملت السياسة
والمجتمع والدراما. وهو يؤكد أن "كثيرا
من الأفكار داخل المشاهد يعود الفضل
في تطويرها إلى الممثلين"، ويضيف:
"لقد كان التجريب طول الوقت هو
المعيار الحاكم للتجربة، وقد تأكدت
إيجابية ديمقراطية الإبداع وإدارته
كخطوة لتحرير الفن من قيود المؤسسات
وآليات السوق العمياء".
بقدر
كبير من التركيز حاول العمل التفاعل
مع الجمهور، محطما في نقاط كثيرة فكرة
"التمثيل" أو ما يطلق عليه
النقاد "كسر الإيهام"، محاولا
توسعة خشبة المسرح حتى تشمل قاعة
العرض بمتفرجيها، موحيا لهم أن ما
يدور حقيقي وليس تمثيلا أو عرضا
مسرحيا. وساهم في ذلك عدة مشاهد،
بداية من مشهد البداية الذي يبدأ في
حديقة المسرح لإرغام الجمهور على
الدخول إلى قاعة المسرح من قبل عسكر
أجانب ، إلى مشاركة أحد المتفرجين في
العرض بسؤاله في أحد المشاهد، إلى
مخاطبة فنيي الإضاءة في فترات مختلفة
من العمل، إلى إرغام الجمهور على
التصفيق لجورج بوش في مشهد آخر،
والطريف أن الجمهور قد رد على صراخ
توم فرانكس بعبارات غاضبة حقيقية، بل
وإشارات وألفاظ نابية أحيانا!، مما
يشير إلينا بحجم التفاعل الحاصل في
العرض.
الأعمق
من ذلك أن الأغاني والاستعراضات
الخفيفة في العمل لم يقم بها فريق من
المحترفين في مجال الغناء
والاستعراض، بل قام بها الممثلون
أنفسهم بأصوات بعضهم الجشة وأجساد
الآخرين المترهلة مما جعل الأمر يبدو
مشاركة وتفاعلية متبادلة.
استطاع
المخرج تقديم صورة بصرية ممتعة من
خلال الملابس التي جمعت بين البساطة
وبين الإبهار، وساعد على توصيل هذه
الصورة الإمكانات العالية لخشبة مسرح
الهناجر المعدة من حيث الإضاءة لتسمح
بتكوين تشكيل أقرب إلى التشكيل
السينمائي، وهو ما ظهر في أكثر من
لوحة استعراضية وغنائية.
بعيدا
عن الخطابة
من
النقاط الهامة أيضا أن المخرج لم
يُسَق إلى التأثير الشديد على مشاعر
الجماهير، ولم يعمد إلى استدرار
دموعهم، رغم أن نسيج العمل يسمح له
بذلك، ورغم أن هذه المنطقة شديدة
الإغراء، ظهر ذلك في أروع أغنيات
العمل التي كانت كفيلة بالتأثير
الشديد المباشر على الجماهير، مثل
أغنية استشهاديي فلسطين وأغنية
الجراح العربية النازفة وغيرهما،
والتي لم يكد مؤديها ينتهي من
الكوبليه الأول حتى تقتحم عليه
موسيقى أغنية سحراني ليل ونهار
لإيهاب توفيق هذا الجو الحزين، مبرزا
كيف تتم الشوشرة المتعمدة على القيم
النبيلة: تعزية الشهداء أو الاهتمام
بالأمة عن طريق الإيقاعات الراقصة
والموسيقى المسلوقة، هذه المقاطعات
المتعمدة رغم أنها تصيب المشاهد
بالغيظ هي أيضا لا تسهم في راحته عن
طريق الدموع التي يسكبها أو
التنهيدات التي يطلقها، بل على العكس
فهي تسهم في مزيد من التعبئة والحنق
ضد الأوضاع القيمية البئيسة التي
تمزق عالمنا.
وضح
ذلك بشدة في مشهد الختام الذي كان
يبشر بميلاد الشعوب من جديد في
انتفاضات شعبية معارضة للحرب على
العراق وقد سقط فرانكس في دمائه على
يد المقاومة الشريفة، ومشاهد سريعة
متتالية من السخط الشعبي تدور على
الشاشة الخلفية، لكن خالد الصاوي
يقوم من دماء فرانكس ويقول: خلاص يا
مروة -المخرج المنفذ- العرض انتهى..
ويتساءل الممثلون الذين جاءوا من
الكواليس بملابسهم العادية لم يا
خالد؟ ومشهد الختام؟ فيرد: خلاص بقى
نغني ونمشي. وبعد الأغنية التي أداها
الممثلون وهم يحاصرون المتفرجين،
يبدءون في مصافحة المتفرجين واستقبال
التهاني وسط سؤال البعض: العرض انتهى؟.
لنكتشف فجأة أن العرض انتهى وليست
خدعة ولا "مقلبا".
فالفنان
هنا لا يريد للفن أن يقوم بدور "أفيوني"
يساهم في تكريس الأوضاع التي
ينتقدها، بخلق انتصارات وهمية
للجماهير والمتفرجين؛ ليقوم كل منهم
إلى بيته بعد العرض منتشيا بدموعه
متكيفا مع الأوضاع السائدة!. بل على
العكس فقد قام العرض بدور "تحريضي"
وألقى الكرة في ملعب الجماهير وهو ما
أكده الصاوي في نهاية العمل حين سئل:
وما الحل؟ قال: الحل ليس هنا (مشيرا
إلى خشبة المسرح) وقال: الحل هنا وأشار
إلى الجماهير.
أبطال
في العرض والحقيقة
أتصور
أن خالد الصاوي أكثر الرابحين في هذا
العمل فرغم قيامه بأدوار متعددة فيه
فإن حضوره لم يكن طاغيا على باقي
عناصر العمل. بل على العكس فقد أخذ كل
منهم مساحة متسعة لموهبته، بالإضافة
إلى أنه قد حقق هدفه الأساسي الذي
وصفه بقوله: "كنت محظوظا لأني اخترت
طريق التمرد حتى لو شقيت به إذ كسبت
احترامي لوجودي ولفني". وأظن أنه
اكتسب أيضا احترامه لجمهوره الذي
تحول أداة إعلانية مجانية للعمل. فمن
أطرف اللقطات منظر أكثر من متفرج بعد
العمل وقد أخذوا يتصلون من هواتفهم
"لا بد تحضر العرض". المسرحية باق
لها يومان فقط .. عرض رائع... وهكذا، من
كلمات الإطراء والمديح..
بقي
القول بأن وراء هذا العمل فرقة "الحركة"
المسرحية المستقلة التي تأسست عام 1989
والتي تقول عن نفسها: "إنها تناصر
الإنسان البسيط على طول الخط، وتشارك
في بلورة تيار المسرح الحر".
اقرأ
أيضا:
**
محرر بموقع إسلام أون لاين.نت
|