|
"لم
يرد في ذهني مطلقا مجرد الاستمرار في تلك
الحفلات التي كنا نجهزها ونحن طالبات
بالجامعة لصديقتنا العروس؛ فلم تكن هذه
الحفلات أكثر من مجرد وقت جميل نقضيه سويا، ما
يجمعنا فيه هو الروح الجميلة التي تدفعنا إلى
محاولة إدخال البهجة والفرحة إلى قلب صاحبة
العرس، وكان إعجاب جميع الحضور بتلك الفقرات
البسيطة التي نؤديها ليس بالشيء الجديد؛ فقد
انهالت الطلبات من أقارب صديقتنا العروس
يطلبن إقامة استعراضات وحفلات مماثلة في
أفراحهن.
وكانت
إقامة أفراح أقارب العروس وغيرها شيئا حتميا،
إلى أن أخذت في الازدياد والإلحاح في تأديتها
حتى ولو بمقابل مادي.. وهنا بدأت فكرة
الاحتراف تفرض نفسها. وطرح السؤال نفسه: لماذا
لا تكون هناك أفراح إسلامية ذات إمكانيات
أفضل، تنافس هذه الأفراح التي يصرف فيها
مبالغ طائلة ترتكب فيها المحرمات وما يغضب
الله. فاجتمعت مع بعض صديقاتي، وقررنا تشكيل
فرقة غنائية إسلامية من البنات، وحددنا مبلغا
رمزيا مقابل شرائنا لأدوات أفضل، واستخدامها
بإمكانيات أعلى مما سبق. وفوجئنا بالإقبال
الشديد من الجمهور، وبدأ أصحاب الأفراح في
تقديم الاقتراحات للمساعدة في تطوير الفرقة؛
فقد اقترحوا زيا موحدا لعضوات الفرقة، وبعدها
وجدنا أنه لا بد أن يكون للفرقة اسم تعرف به.
ومن خلال استفتاء الناس حول أجمل اسم للفرقة،
اقترحوا اسم: سندس، وهكذا خرجت أول فرقة
إسلامية محترفة من البنات".
هذا
ملخص لحكاية أول فرقة بنات للأغاني
الإسلامية، ترويه رحاب سلامة مديرة فرقة "سندس"
لأغاني البنات التي أصدرت أول شريط، تصفه
بأنه "إسلامي" لأغاني البنات، والتي مهد
ظهورها الطريق لظهور فرق أخرى.
لماذا
الاحتراف؟
وكان
لا بد أن تثير تجربة "الاحتراف" لمجموعة
من البنات في فرقة إسلامية للأغاني عددا من
التساؤلات، أولها: هل كان هذا الاحتراف مجرد
طريق للكسب، أم أنها حاجة فرضها واقع إسلامي؟
وتجيب رحاب على الفور: بل هي حاجة فرضها واقع
إسلامي. ثم تتساءل بتعجب: لماذا دائما يكون
مطلوبا من أي مشروع إسلامي أن يكون مجانيا؟ هل
الإسلام ضد الكسب؟!
إن
الكسب لا يتعارض مطلقا مع الثواب، بل من حقنا
أن نحصل على حد الكفاف الضروري للمعيشة؛
فالسيدة زينب كانت تعمل وتتصدق من مالها
الخاص. ثم إن الفرقة التي تعمل مجانا لا
تستمر؟ فالأهل يجدون ابنتهم تبذل جهدا يوميا
ليس من ورائه أي عائد؛ فلا يتحملون استمرار
ابنتهم في الفرقة ومتاعبها.
لكن
في الوقت الذي لم تجد فيه "رحاب" غضاضة
للاعتراف باحتراف هذه المهنة وحدها، أبت
مديرات لفرق أخرى الاعتراف باحتراف مهنة
الغناء، وفسرن تقاضيهن مبالغ مالية على أنها
مجرد نفقات للمواصلات، وتجديد الآلات،
والحفاظ على المظهر، ولا تشمل أي أجور
للفتيات! بل وانتقدن فرقة سندس والفرق
المشابهة، واعتبرن أنها قد خرجت عن الهدف
المحدد لها وهو الدعوة، وليس الاحتراف.
يؤكد
هذا أن كثيرا من الفرق تنفي عن نفسها
الاحتراف، وتوضح أن معظم عضوات الفرق طبيبات
ومهندسات، وكلهن حاصلات على مؤهلات عليا،
وهذا يعطي فكرة أفضل عن العمل الإسلامي،
ويغير من نظرة الناس للفرق الإسلامية للفتيات.
ويرجع
الخلاف في وجهة النظر بين هذه الفرق حول
الاحتراف والكسب إلى أن بعضها نبع من الأوساط
الملتزمة؛ حيث إن الملتزمات يرين أن الفرقة
عمل لا يستحق تكريس كل هذا الوقت وكل هذه
المبالغ، ورغم شعورهن بمدى احتياجهن لفرق
إسلامية في الأعراس فإنهن يأبين أن تشارك
بناتهن في مثل هذا العمل حتى وإن كانت البنت
لديها من المواهب ما يؤهلها لهذه المشاركة،
بينما تقر الاحتراف كثير من عضوات الفرق
الإسلامية من العائلات العادية، وهن أكثر
جدية وتفاعلا في إقامة الأفراح، بينما بنات
العائلات الملتزمة يكثر اعتذارهن وعدم
حضورهن.
أجور
مرتفعة وأخرى رمزية
تتقارب
المبالغ التي تتقاضاها كل فرقة على حدة؛
ففرقة "اليشمك" -اسم تركي لنوع من غطاء
الوجه المزركش- معروفة بأسعارها الباهظة التي
تتحدد حسب المكان المقام فيه العرض وحسب
الاستعراضات، بينما تنخفض تكلفة حفل العرس
لفرقة "الشروق" إلى 400 جنيه (65 دولارا
تقريبا)، في حين أن المبلغ غير محدد لفرقة مثل
فرقة "الفجر الباسم"، إلا أن الحد الأدنى
لها هو 305 جنيهات، وهي مبالغ معقولة وفق
معدلات الدخل في مصر (المتوسط العام نحو 1300 دولار سنويًا.).
إلا
أن الأمر يختلف تماما بالنسبة لفرقة "سندس"
التي يتوقف فيها الأجر على الدور الذي تقوم به
كل عضوة على حدة؛ فقد كان أجر العضوة في
بدايات الفرقة لا يزيد عن 5 جنيهات (دولار
تقريبا).. ووصل الآن إلى 15 جنيها (2.5$) إذا لم
تشارك في أي استعراضات، أما إذا اشتركت في
استعراض واحد فإنها تحصل على 20 جنيها (3$)،
ويزيد كلما زاد مجهودها داخل الحفل.
وقد
وجهت الفرق الأخرى انتقادا حادا لفرقة سندس
بسبب تقاضي هذه المبالغ التي قد تصل إلى 2100
جنيه (330$)، وهو أعلى أجر تقاضته الفرقة إلى
الآن، وبررت مديرة الفرقة تقاضي هذا المبلغ
بأن صاحب هذا العرض كان يقيمه بفندق خمس نجوم،
ويريده متميزا، وبه كل فقرات الفرقة دون تقيد
بأي مبلغ، وكان المبلغ هو التكلفة الفعلية
لكل الإضافات التي طلبها.
الساحة
الإسلامية تتسع لكل الاختلافات
وهنا
يبرز سؤال آخر: هل الاعتراض على وجود الفرقة
في حد ذاته، أم الاعتراض على أدواتها مثل "الأورج"
ومكبرات الصوت وتصوير الفيديو... إلخ؟
يختلف
موقف الفرق بالنسبة لاستخدام الأدوات
الموسيقية؛ فمنهم من يستخدم الدف فقط، ويمنع
تصوير الفيديو ولو كان خاصا بالعروس؛ لأن
صوتهن سيظهر في التصوير، كما يرفضن
الاستعراضات حتى لا يقمن بتغيير الملابس،
ويبررن ذلك بأنهن لو تخففن لفقدن الالتزام،
وأصبحن مثل أي فرقة عادية.
في
حين أن وجهة النظر الأخرى ترى أن الساحة
الإسلامية تتسع لكل الاختلافات؛ إذ إن ظهور
الصوت في شريط الفيديو ليس فيه مخالفة للشرع؛
لأنه غناء جماعي، وكذلك أجاز البعض الموسيقى
بكل أدواتها، ما دام لا يصاحبها كلام فيه إثم
أو حرج شرعي.
تقول
رحاب: دائما لا مفر من مواجهة الانتقادات في
البداية؛ فاستخدام الأورج مثلا تم الاستفتاء
فيه، ورغم ذلك كان هناك تحفظ شديد في إظهاره،
وكان يخفى وسط الأدوات الأخرى للفرقة.. وبمرور
الوقت أصبح ضروريا للفرقة؛ للتخفيف من الجهد
المبذول يوميا؛ فقد تصل عدد الأفراح في شهري
يوليو وأغسطس إلى 4 حفلات في الأسبوع، وأحيانا
تكون يومية خلال الشهرين، أما في باقي الشهور
فالمتوسط 15 حفل عرس شهريا، وهذا العدد يحتم
استخدام مكبرات الصوت حتى يتم التواجد يوميا،
وهناك مشكلة أخرى؛ وهي أن الضرب على الدفوف
مجهد جدا؛ فكان استخدام الإيقاعات في الأورج
عمليا أكثر.
ولم
يقف هذا الاختلاف عائقا أمام الفرق التي
تستخدم هذه الأدوات؛ لأن الفرقة تلبي رغبة
العروس، سواء رفضت استخدام هذه الأدوات أم
قبلت؛ فالعروس تحدد كل ما يتعلق بالحفل. وعلى
هذا الأساس يتحدد عدد أفراد الفرقة حسب
الاستعراضات بما لا يقل عن 3 عضوات.
الحاجة
أُم الاختراع
ومن
الملاحظات الطريفة أن بعض الفرق مثل "سندس"
توسعت في نشاطها؛ فلم يقف عند حفلات الأفراح،
بل تعداه إلى إقامة حفلات الحجاب والنجاح
والخطوبة والحِنة.. إلخ، وبسبب تنوع الحفلات
قامت الفرق بتنويع في الفقرات والأغاني
والاستعراضات، وهنا تذكر رحاب (سندس) أنها
واجهت مشكلة كبيرة؛ لأن الساحة الإسلامية لا
يتوافر فيها ما يفي بهذا التعدد، ولا يمكن
للفرقة أن تكرر نفس الفقرات في كل حفل، وإلا
فقدت تميزها، وأصبحت مملة ورتيبة.. فكان لا بد
من التغيير والتنويع؛ لذلك اتجهنا لاستخدام
بعض الألحان القديمة، وتركيب كلمات عليها ليس
فيها خلاف، أو نأخذ الأغنية كما هي، ويتم
تغيير "الكوبليه" غير المناسب مثل: أغنية
"يا عشاق النبي"؛ فقد تم تغيير الكلمات
التي تدعو للتبذير واستبدل بها "إن شاء
الله تملي كريم أوي".
وتبرر
هذا الاتجاه بقولها: إن الأغنية الخاصة
بالعروس ليست موجودة في الشريط الإسلامي أو
في غيره؛ لذلك يتم تغيير كلمات الخطاب
للعريس، وتحويلها إلى كلمات موجهة للعروس.
وهو السبب الذي من أجله نشأت فكرة شريط "زى
البنات".. وهو ما يؤكد -في رأيها- أن واقع هذه
الفرق أفرز مزيدا من الاحتراف بإنتاج شرائط
إسلامية خاصة بالبنات. وتؤكد رحاب أن شريط "زي
البنات" كان محاولة لسد النقص الموجود في
أغاني العروس، كما جاء أيضا محاولة لإقناع
البيت المصري العادي بالأغاني الإسلامية،
وأنها ليست أقل من مستوى الأغاني الأخرى،
لكنها ما زالت ترى "أن الأداء في الفن
الإسلامي لم يرتفع لمستوى جذب الآخرين، بل إن
فيه قصورا وضعفا شديدين"؛ لذلك فقد "حاولت
تقوية هذا الضعف الذي استشعرته في هذا الشريط"،
وتقول: "وبناءً على سياسة التسويق قدمت كل
ما توقعت أن يساعد في نجاح الشريط؛ بداية من
الغلاف الذي ظهرت فيه صور الفتيات المؤديات
للأغاني لإقناع الناس بأنهن أطفال"؛ حيث إن
هناك رفضا إسلاميا لمبدأ غناء الفتاة إذا
بلغت سن التكليف.
في
الأوساط غير الملتزمة
وتصف
رحاب -مديرة الفرقة- التي أصدرت أول شريط بنات
للأغاني الإسلامية استقبال الشارع المصري
للتجربة؛ فتقول: "رغم كل ما حرصت عليه من
استكمال التميز الفني دون الخروج على الحدود
الشرعية (مثل قصر الغناء في الأشرطة
المتداولة على البنات الصغيرات) لم أسلم من
الانتقادات بسبب تأدية البنات لها، أو بسبب
تأدية الأغاني القديمة، وكذلك استخدام
الموسيقى". لكنها تصر على استمرار تجربتها
التي ثبت رغم ذلك نجاحها؛ فتقول: "كنت قد
طرحت نسخة من شريط: زي البنات بالإيقاع فقط،
ونسخة أخرى بالموسيقى، وكان توزيع نسخة
الموسيقى مرتفعا، والإلحاح بإصدار شريط ثان
بنفس المواصفات.. وسأكرر ما فعلته في الشريط
القادم رغم الانتقادات لعدم اقتناعي بها.. فهي
مجرد فقاعات لا أساس لها".
التجربة
جديدة فعلا، وتظل الاعتراضات الشرعية
والاجتماعية عليها قوية؛ فهي تشكل في رأي
البعض اعترافا ضمنيا بالانصهار في أخطاء
المجتمع كسماع الأغاني غير الإسلامية المركب
عليها كلمات أخرى. لكنها -كما ترى رحاب- تظل
مهمة في غياب شرائط أفراح تناسب أغراض الدعوة
الإسلامية؛ فتدعو العروس لطاعة زوجها، وحب
حماتها، وإقامة بيتها على الإسلام كما يدعو
شريط "زي البنات"، وتصبح هذه الاعتراضات
لا قيمة لها.
وهي
ترى أن المستقبل واعد لفرقتها والفرق المثيلة
التي تكتسب كل يوم تقديرا واحتراما من كافة
الاتجاهات حتى المتشددة جدا التي ترفض فرق
الرجال لأنهم يعتمدون على الرأي القائل بأن
الدف والغناء للنساء فقط!
شارك برأيك في ساحة الحوار:
استمع إلى:

اقرأ
أيضًا:
**
صحفية مصرية
|