|
زلت أجتهد
في أن يستتر الرجال من النساء في السباحة فلم
يستو لي ذلك".
وفي
النهاية لا يخلو إدراكنا للرحلة من بعض
المفارقات؛ أهمها:
-
أن الرحلة لم تكن أول من قدم الإسلام إلى
بلغار الفولغا؛ فمن شأن ذلك أن يبخس حقوق
التجار الذين قدموا -بسلاسة متناهية- المبادئ
العامة للإسلام، وأهمها تلك القائمة على
التوحيد وحسن المعاملة، وقد خط هؤلاء التجار
الطريق الطويل بين بغداد وممالك آسيا الوسطى
من ناحية وبلاد البلغار والقبائل الروسية من
ناحية ثانية. وفضل الرحلة ماثل في الأساس في
توقيع "الاتفاق الرسمي" بين ملك البلغار
والخليفة العباسي في نقل الأفكار الإسلامية
إلى النخبة الحاكمة في بلاد البلغار.
ومع
اعتناق هذه النخبة للإسلام مارس البلغار
الشعائر الإسلامية مخلوطة بالأعراف
والتقاليد والعادات لعقود طويلة تالية، إلى
أن تسللت برشاقة الأفكار الجديدة الآتية من
مدرسة بخارى (المركز المنير في قلب آسيا)
لتصلح كثيرا من الأعطاب في الفهم.
-
أن الرحلة لم تقدم الإسلام إلى روسيا؛ ففي ذلك
التعبير المجازي مغالطة جغرافية؛ لأن ابن
فضلان قدم رسالة الإسلام إلى شعب البلغار.
وينتمي البلغار إلى أتراك آسيا الوسطى، ومنها
تحركوا نحو نهر الفولغا واستعمروا ضفافه.
وآخر حدود لروسيا في ذلك الزمان عند جبال
الأورال. وبالتالي كانت روسيا مجرد مملكة
مجاورة لمملكة بلغار الفولغا. واستمرت
العلاقة ندية بين بلغار الفولغا والروس الذين
طمعوا في ثرواتهم وأرضهم، وظلوا يتحينون
الفرصة من بداية القرن العاشر إلى منتصف
القرن السادس عشر (أكثر من 650 سنة)، إلى أن تمكن
القيصر الروسي إيفان الرهيب من إخضاع مسلمي
الفولجا؛ فأسقط عاصمتهم كازان في 1552م. بل إن
بعض الباحثين يرون في اعتناق روسيا للمسيحية
(988م) مجرد ردة فعل لاعتناق البلغار للإسلام
كنوع من التميز الديني أمام الأعداء المسلمين.
وهكذا
فإن الحديث عن تقديم رحلة ابن فضلان إلى روسيا
يتخطى 650 سنة من الاستقلال السياسي والحضاري
لمسلمي روسيا. ويهضم جزءا مهما من اعتزاز
مسلمي روسيا على ضفاف الفولغا بفصل مهم من
تميزهم الديني قبل الضم القسري لأراضيهم تحت
السيطرة الروسية.
-
في الوقت الذي ينقل إلينا الجزء المدون من
رحلة ابن فضلان إشارات مباشرة بالتفوق
الحضاري للمنبع الذي أتى منه ابن فضلان تؤدي
رواية كريشتون الدور العكسي. وفي ذلك يلاحظ
بعض النقاد (محمد الشوكاني 2001) أن القارئ
العربي سيقف متسائلا عن مدى براءة هذا الرحلة
-أو بالأحرى ترقيع الرحلة- من الشيغونية
الغربية. فالحوار في العمل الروائي حوار
تثقيفي يقوم فيه ابن فضلان بانتمائه
الأيدلوجي والعرقي المختلف بدور الشاهد على
نبل الإنسان الغربي الساعي إلى الخير والحرية.
وبدلا
من أن يكون إكمال النص عربيا ليتحقق أدب ما
بعد الكولونيالية فإن هذا النوع من الكتابة -الذي
يعاد فيه الاعتبار إلى تاريخ وثقافة الشعوب
التي ظلمها الاستعمار- أعاد الحياة إلى ملحمة
بيولف Beowulf الأنجلوساكسونية بمزجها مع رحلة
ابن فضلان بشكل قد يعتبرها البعض محاولة جادة
للحوار الحضاري، ويعتبرها البعض الآخر
تأكيدا لتفوق العالم الغربي على الإسلامي في
العصور الوسطى التي طالما قال التاريخ
بأنها كانت عصور ظلام أوربية.
وتبقى
الأسئلة كثيرة: كيف وأين فقدت باقي أجزاء رحلة
ابن فضلان؟ وهل امتدت يد ما لتحذف النصف
الثاني من الرحلة لما فيه من أفكار نظرت إلى
"الآخر" المختلف عقائديا نظرة تعاطف
وتفاهم حسبما يدعي البعض؟! ولماذا لم يقدم عمل
أدبي وفني بلسان عربي يسمح بتخيل الجزء
المفقود نقدم فيه رؤيتنا للعالم؟
الثابت
أن الرحلة حصلت على كمية معتبرة من الاهتمام
الغربي؛ وهو ما جعلنا نرجع إليها، فنعيد
قراءتها برؤية مختلفة نبهنا إليها "الآخر"،
وعلينا أن نشكره على ذلك!
تابع فى الموضوع:
اقرأ
أيضًا:
|