|
يسعدك
القدر كثيرًا إذا زرت بلدًا جديدًا لم يسبق لك
رؤيته، وربما معرفته، لكن السعادة الكبرى حين
تكون الزيارة لهذا البلد في مرحلة مفصلية من
تاريخه يكون فيها على وشك الانتقال من حقبة
لأخرى ومن نظام لنقيضه؛ ففي مثل هذه المراحل
يعيش هذا البلد حالة هي أقرب ما يمكن إلى ما
نسميه بطقوس الإشارات والتحولات -بتعبير
الراحل سعد الله ونوس-، تحولات المرحلة التي
تشبه قِدرًا استحكم غليانها فلم يَعُد فيها
شيء في موضعه، وإشاراتها التي قد تدلك فيما
يشبه النبوءة ببعض ما ستكون عليه الأمور.
في
مثل هذه الظروف والأحوال كانت رحلتي الأولى
إلى ألبانيا، والأولى في حياتي أيضًا خارج
بلدي مصر.
ألبانيا
غداة الزيارة
في
تلك الفترة كان الشعب الألباني قد خرج لتوه من
عزلة طويلة فرضت عليه من قبل نظام الرئيس أنور
خوجة الذي أمضى 40 عامًا يتحكم في مقدرات شعبه،
كان الشعب الألباني كأنه قد وضع في وعاء من
أوعية الضغط.. عزلة تامة، واشتراكية في فقر،
وإلحاد في قهر، حتى هلك خوجة عام 1985، فتلاه
خلفه رامز عليا 6 سنوات أخرى، أمضى 5 منها على
سنة سلفه لا يحيد عنها.
ولما
هبت رياح التغيير على أوربا الشرقية كانت
ألبانيا آخر من تأثر بها؛ حيث اضطر عليا بداية
من عام 1991 لكشف الغطاء قليلا، ثم ما لبث أن زاد
الغطاء انكشافًا، ثم ما لبثت حمم البركان
الذي كان يغلي تحت الغطاء أن أطاحت به كما
أطاحت بتمثال خوجة من ميدان أدهم بك في
العاصمة تيرانا، وأتى البركان بصالح بريشا
رئيسًا جديدًا للبلاد عام 1992، وبدأت الرياح
تعبث بالشعب والمجتمع الألباني كما عبثت
بنظام حكمه. في تلك الفترة تحديدًا والرياح
تعبث بهم كانت زيارتي لألبانيا التي مكثت بها
أكثر من شهر؛ من أواخر ديسمبر 1992 إلى أواخر
يناير 1993.
وترى
الناس سكارى
ملامح
المجتمع الذي رأيته عقب خروجه من وعاء الضغط
كانت تشبه -مع الفارق- ما عبّر عنه القرآن من
أحوال الناس يوم القيامة "وَتَرَى
النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى"،
فالناس كانوا سكارى بالفعل مبنى ومعنى. 55
ألفًا كانوا قد استقلوا قوارب في موجتي هجرة
غير شرعية إلى إيطاليا التي أعادتهم أدراجهم،
لكن الكثير غيرهم تسلل لواذًا إلى دول
الجوار، بخاصة إيطاليا واليونان، بحثًا عن
عالم أفضل.
شاهدت
الناس هناك يهيمون على وجوههم في شوارع
العاصمة تيرانا يحتسون الخمر ويتسكعون؛ فما
أكثر البارات! وما أكثر ما يباع على الأرصفة
من الخمور حتى لتظن أنهم لا يطعمون غيره! لكن
السُّكر الحقيقي كان في نفوسهم التي كانت
خاوية على عروشها بلا هوية، كانت كالأرض
العطشى؛ فلم يكن ثمة دين، ولا معنى له يروي
ظمأ النفس الإنسانية الفطري إلى مثله. أما عن
الأسر الألبانية البائسة؛ فلم يكن هناك شيء
اسمه أسرة مسلمة، كانت هناك أسر ألبانية،
لكنها لم تكن ذات دين ما، ولم يكن الأمر
يشغلهم في الحقيقة. حياتهم كانت شديدة الفقر
والجفاف والعزلة، بالنظر إلى مباهج الحياة
الحديثة التي أتت بها ريح الغرب لتكشف الغطاء
فتتفتح عليها أعينهم.
"عروض"
الصلاة في مسجد أدهم بك
|

|
|
صورة لمسجد أدهم بك في الميدان الرئيسي بالعاصمة الألبانية تيرانا
|
لم
يكن هناك في ذلك الوقت في تيرانا دور مفتوحة
للعبادة (مسجد أو كنيسة)، الكل كان مهدمًا أو
مغلقًا، الوحيد الذي بقي كان مسجد أدهم بك
المقام في ميدان إسكندر بك وسط العاصمة
تيرانا، والذي كان أنور خوجة قد حوله إلى متحف.
وحتى بعد أن عاد مسجدا فإنه بقي في روع الكثير
من الألبان متحفًا "لعروض" الصلاة
الحية، كان الكثيرون يقفون في مؤخرة المسجد
للفرجة على العارضين "المصلين"، البعض
منهم كان الفضول يدفعه للدخول في حوار مع
هؤلاء العارضين، يستفسرون فيه بكل براءة عن
كنه الله وماهية الدين، وعن تلك الصلاة.
لكن
الأمر لم يعدم مشاركين في العرض من الألبان:
البعض من كبار السن ممن كان لا يزال في نفوسهم
ضوء مصباح صغير وقديم يتقد نوره وينطفئ، أو
بعض الرجال ممن اقتبسوا شيئا من نور ذلك
المصباح القديم من آبائهم، لكن بعضهم لم يكن
يرى مشكلة في أن يمزج ذلك باحتساء الخمر! كذا
بعض الفتيات ممن كن يتطلعن لنظرة عطف من شاب
عربي، قد تتطور للزواج.
الخروج
المفاجئ من "الجرة" إلى "برة"
الحياة
في ألبانيا كانت شديدة الجدب، القليل من
البضائع والسلع يباع في الأسواق، الشوارع
تخلو من المحال التجارية أو المطاعم، المنازل
تشبه عمارات الاتحاد الاشتراكي لمن يعرفها (وهي
عمارات بنيت في الحقبة الناصرية في بعض مناطق
مصر، ولا تحمل أي ملامح مميزة، ولا أي حس
جمالي على اعتبار أن ساكنيها من عامة الشعب)،
الناس في ألبانيا كان محرمًا عليهم استعمال
لاقط (إريال) لاستقبال المحطات التلفزيونية؛
فقد كان مقررًا عليهم فقط النظر إلى
التليفزيون الألباني البئيس، كما كان
محظورًا عليهم شراء السيارات الخاصة
وركوبها، كانت جميع الدول بالنسبة للنظام
الألباني إما أعداء متربصين أو أصدقاء
منحرفين.
وبالرغم
من قصر الفترة بين البركان وزيارتي؛ فإن
مظاهر التحول كانت قد بدأت في الظهور،
السيارات الحديثة تجوب الشوارع هنا وهناك،
محلات بيع الأجهزة الكهربائية الحديثة كانت
قد بدأت في الظهور، الشاحنات المحملة
بالبضائع من البلدان المجاورة، لواقط بث
التليفزيون الأوربي بدأت في الظهور على نوافذ
وأسطح المنازل.. وبصفة عامة بدأت مظاهر انفتاح
استهلاكي، والأخطر من كل تلك المظاهر هو
السعار الاستهلاكي الذي انتاب الناس؛ فدفعهم
للركض وراء نمط حياة نموذج، بدأت تتسرب إليهم
ملامحه عبر العائدين من أبنائهم المهاجرين،
أو القادمين من الزائرين العرب أو الغربيين،
أو عبر مشاهد الحياة الغربية التي يرونها في
الدراما والأفلام الغربية.
القادمون
من الشرق
|

|
|
منظر عام لمدينة بيرات إحدى أهم مدن ألبانيا التي تحتوي على عدد من الآثار
|
التواجد
العربي والإسلامي في ألبانيا لم يكن يتناسب
مع احتياجات الناس؛ فقد تمثل في 8 هيئات إغاثة
فقط، بينما ألبانيا كانت بحاجة أكثر إلى
برامج تنمية لتشغيل العاطلين فيها، واستثمار
ما تحمله الأراضي الألبانية من ثروات تغري
بالاستثمار.
أما
التواجد الثقافي فقد تمثل في لونين من
التواجد: الأول عدد من الكتب الدينية
المترجمة إلى الألبانية التي إما تتكلم عن
العبادات فقط بشكل جامد، وكانت قادمة من
الأزهر، أو تنقل أفكارا وخبرات حركية سابقة
لأوانها، أو سلفية بدوية تعتني بالهدي الظاهر
لأناس ليس عندهم هدي ظاهر ولا باطن إلا ما رحم
ربي، وقليل ما هم! بل هم في أغلبهم أناس فاقدون
لهويتهم الإسلامية بالكلية، وكانت تلك الكتب
قد ترجمتها بعض الهيئات الإغاثية العاملة
هناك. ومن عجائب الأمور زيارة قوافل من جماعة
"التبليغ والدعوة" لألبانيا تحمل معها
نفس الأسلوب وأجندات الاهتمام التي تحملها
لكل بلد تزوره مهما اختلفت ظروفه وظروف الناس
فيه.
اللون
الثاني: كان من خلال إقامة أسابيع للأفلام -المصرية
تحديدا- التي لا أعرف هل ساهمت في رسم صورة
إيجابية أم صورة كاريكاتورية مشوهة عن
البلدان العربية والإسلامية. ومن ثم فإن من
شأن الطرح الثقافي العربي والإسلامي هناك أن
يحدث تشوهات عقلية لدى الجمهور الألباني، ولا
يساهم في خلق تواصل ثقافي فعال ومؤثر؛ ذلك لأن
أحدا لم يفكر في دراسة أوضاع الناس وحياتهم
وبيان احتياجاتهم المختلفة الثقافية منها
وغير الثقافية قبل ترجمة كتب أو إرسال أفلام.
ولم يفكر أحد في أن الريح الثقافية القادمة من
الغرب أكثر إبهارا وكثافة، ومن ثم فإنه لا وجه
للمقارنة أمام الجمهور الذي تعامل بتجاهل
للمكون الثقافي الأول واستخفاف بالمكون
الثاني.
5
كتب في ربع قرن
ومما
يستحق الذكر هنا عن التحولات التي كانت تنتاب
المجتمع الألباني جانب آخر من العلاقات
الثقافية العربية الألبانية، تعكسه الكتابات
العربية عنها التي اطلعت على بعضها قبل
الزيارة وعلى بقيتها بعدها، وأنا بصدد إعداد
كتيب عن الزيارة. ويتمثل هذا الجانب في أنه
خلال 25 عاما لم يصدر عن ألبانيا إلا 5 كتب
عربية فقط؛ وهو ما يعكس حجم الاهتمام العربي
الضئيل بألبانيا. والغريب أن 3 من تلك الكتب
صدرت خلال عام واحد تقريبا (عام 1414 هجريا)،
وأظن ذلك ناتجا عن تفجر الملف الإسلامي في
البلقان؛ مما أعاد للأمة الإسلامية ذاكرتها
فيما يخص بلدان وشعوب المنطقة ممن كانوا يوما
يشكلون جزءا من كيان الأمة الإسلامية شبه
الموحد تحت راية الخلافة، ومن المفيد أن نطل
إطلالة سريعة على تلك الكتب:
-
الكتاب الأول: "ألبانيا
صديقة العرب وعدوة الصهيونية ومقاومة
الاستعمار وقدوة في الاشتراكية"، للدكتور
محمود نجيب أبو الليل، صادر في مصر عام 1969،
في ظل أوج الحكم الشيوعي القمعي لأنور خوجة،
ورغم ذلك يقدم تمجيدا أيديولوجيا لألبانيا
ونظام حكمها يجافي الحقيقة، واصفا إياها -ويا
عجبا- بأنها دولة ديمقراطية تمارس فيها حرية
الرأي والتعبير، والصحافة والدين!
-
الكتاب الثاني: "الثقافة
الألبانية في الأبجدية العربية"، د. محمد
موفاكو، صادر في الكويت عن سلسلة عالم
المعرفة برقم 68، عام 1983، ويتناول
الكتاب تاريخ ألبانيا القديم والحديث حتى
نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم يتناول
تاريخ الثقافة الألبانية المكتوبة بالأبجدية
العربية ونماذج تحليلية للآداب الألبانية
خلال عدة قرون، ومن ثم فإنه كتاب مرجع لا غنى
عنه للمهتمين والباحثين.
-
الكتاب الثالث: "كنت
في ألبانيا.. رحلة وحديث عن الإسلام بعد سقوط
الشيوعية"، للرحالة السعودي محمد بن ناصر
الدين العبودي، صادر عام 1993، والكتاب
عبارة عن استطلاع شامل لأحوال ألبانيا في شكل
يوميات رحلة قام بها المؤلف عام 1991، ويحتوي
الكتاب على قدر من التحليل لأوضاع المجتمع
وتصورات لاحتياجاته المستقبلية.
-
الكتاب الرابع: "الإسلام
والمسلمون في ألبانيا بين الماضي والحاضر"،
د.السيد محمد يونس، وهو صادر في مكة المكرمة،
سلسلة دعوة الحق برقم 153، عام 1414هـ،
ويتناول الكتاب بالأساس تاريخ ألبانيا
وتاريخ الإسلام بها، مع إشارة مقتضبة للتغير
الذي حدث بسقوط النظام الشيوعي بها.
-
الكتاب الخامس: "ألبانيا
بين الآمال والمخاطر"، وهو كتيب صغير
سجلت فيه مشاهداتي وانطباعاتي حال زيارتي،
وصدر عام 1994 عن مركز الإعلام العربي، ويتناول
الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
والحالة الإسلامية لألبانيا كما رأيتها،
واستعراضا لبعض أنماط الشخصيات التي قابلتها
هناك، ثم تصورا لأولويات التغيير في المجالات
السابقة. وأضفت إليه ملحقا به وثيقتان: الأولى
حديثة نسبيا، وهي عبارة عن أول تقرير لفريق
العمل المرسل من قبل لجنة الإغاثة الإنسانية
التابعة لنقابة الأطباء المصرية. أما الثانية
فهي وثيقة مهمة عثرت عليها بالمصادفة، وهي
عبارة عن رسالة صادرة عن حسن البنا المرشد
العام المؤسس للإخوان المسلمين، وموجهة
لوزير اليونان المفوض حول موقف بلاده من
استقلال كامل التراب الألباني دون انتقاص.
طالع:
اقرأ
أيضًا:
**
رئيس
القسم الثقافي والعلمي بموقع "إسلام
أون لاين.نت"
|