بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

مساحات ثقافية

مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة


المستشرق الفرنسي فرانسوا بورجا يتحدث:

الإسلام والحجاب وحوار الثقافات في فرنسا

2003/01/07

الدوحة- معتز الخطيب**

فرانسوا بورجا

طغت أزمة الحجاب في فرنسا على هذا الحوار الذي كان موضوعه الرئيس: حوار الثقافات، فتحول إلى قراءة للمنطق الفرنسي في التعامل مع الإسلام وما يتعلق به من قضايا على رأسها قضية الساعة: الحجاب.

حاول الحوار في بدايته أن يجيب على سؤال حول ما إذا كان تحليل ومعالجة التوترات والنزاعات العالمية عبر منهج ثقافي يساعد على التقارب الثقافي والإسهام في بلوغ الحل السياسي لهذه النزاعات؟ أم أن حوار الثقافات يُتَّخذ ستارًا للتغطية على المشاكل السياسية؟ وكيف يمكن التمييز بين السياسي والثقافي في حوار الثقافات؟ وماذا عن دور المثقف؟ وما حدود التنوع الثقافي؟ ثم تطرق إلى أسئلة أخرى تتعلق به: أين يقع منها الجدل حول مشكلة الحجاب الدائر في فرنسا حاليًّا؟ وكيف يمكن النظر إلى الفرانكفونية والمقاطعة والمناسبات "العالمية" في سياق الحديث عن "حوار الثقافات" وتنوعها؟ وكيف يمكن فهم أسباب حساسية الفرنسيين تجاه الإسلام؟

الحوار كان مع أحد أضلاع المربع الأكبر في مدرسة الاستشراق الفرنسية التي اهتمت عبر ثلاثة عقود بدراسة الظاهرة الإسلامية الحديثة: أوليفييه روا، وآلان روسيون، وجيل كيبيل، وضيف الحوار فرانسوا بورجا الباحث الفرنسي المتخصص في دراسة الحركات الإسلامية. صاحب المؤلفات المهمة في الظاهرة الإسلامية بدءاً من كتابه "الإسلام السياسي صوت الجنوب" الذي أصدره في الثمانينيات، ثم الحركة الإسلامية في شمال أفريقيا (1994)، وتحديث الإسلام: الدين في الميادين العامة الشرق أوسطية والأوربية (2003 - بالاشتراك مع جون إسبوزيتو)، ووجهًا لوجه مع الإسلام السياسي (2003) وكان هذا الحوار.

- بداية دعنا نتساءل: كيف يمكن أن يكون هنالك حوار ثقافي (حوار بين الثقافات)، في ظل هذا الذي يحدث في العلاقات الدولية، والممارسات السياسية؟ بمعنى كيف يكون هناك حوار في ظل الهيمنة؟ وما حدود مفهوم "حوار الثقافات"؟

** إن تحليل ومعالجة التوترات والنزاعات العالمية عبر منهج ثقافي، أو ديني، أو بالأحرى حضاري، غالبًا ما يُخفي رفضًا أو عدم قدرة على استكناه هذه النزاعات جوهرها السياسي البسيط. يحتاج العالم اليوم إلى آليات من شأنها ضمان توزيع أفضل للموارد السياسية أكثر من احتياجه إلى مجهودات للتقارب الثقافي والديني، كائنة ما كانت أهمية هذه الأخيرة. يعني ذلك الوصول إلى درجة أعلى من العدالة العالمية، بل الوصول فقط إلى درجة أقل سفورًا من اللاعدالة. فلا ريب أن التقارب الثقافي جدير بالإسهام في بلوغ الحل السياسي لهذه النزاعات، لكنه ليس بمقدوره أن يكون بديلاً عنه.

ضمن هذه الحدود الدقيقة، يبقى دور "حوار الحضارات"، رغم كل شيء، مهمًّا. بيد أنه يتوجب تحديد ميدان عمل هذا الحوار: أولاً، لا يجب الخلط بينه وبين حوار الأديان، الذي أظهر التاريخ القريب حدوده الضيقة. فالرغبة في ردم الهوَّة بين العقائد لا تقدِّم في الواقع إلا القليل من عوامل التطابق التي يسمح بها الانتماء الديني، كما أنها تشكل صعوبة في أن يقدّم "شخصٌ مؤمنٌ" -دون أن ينفي نفسه- تنازلات تتخطى الشكليات إلى "شخص مؤمن" آخر.

- لكننا نجد أن البعد السياسي يطغى على حوار الحضارات، أو حوار الثقافات، ما يسبّب تعقيدات بين المتحاورين، أو بين الشرق والغرب، وكثيرًا ما يتم النظر إلى "الغرب" في الشرق على أنه مفهوم كلي، واحد، بسيط، لا يتم فيه التمييز بين السياسي والمعرفي والثقافي.

** أحيانًا يتم اتخاذ حوار الحضارات أو الثقافات كستار للتغطية على المشاكل السياسية. لكن إذا اقتنعنا بأهمية الحوار الثقافي فلا بد من تحديد ما هو المطلوب من هذا الحوار. المشكلة أننا حين نتناول قضية اختلاف الثقافات، كثيرًا ما تتم الإشارة إلى أن الاختلاف ليس في الثقافات فقط؛ بل في الحضارات، وعلى مستوى القيم، فنلعب لعبة خطرة؛ إذ نضفي -بهذا- شرعية على فكرة صدام الحضارات. إن علينا ألا نخلط بين الجانب الإيجابي لتعدد الثقافات وبين الجانب السلبي، فليس من الممكن عولمة الثقافات والاندماج في ثقافة واحدة. نحن بحاجة إلى خصوصياتنا، لكن هذه الخصوصيات لا تعني أن هناك تناقضًا جوهريًّا بين القيم. وأنا أدرك أن فكرتي هذه ليست مقبولة على مستوى كبير لدى الطرفين.

- سنعود لاحقًا إلى مناقشة تطبيقات مفهوم حوار الثقافات، لكن فيما يتعلق بالبعد السياسي لهذا الحوار -وأعتذر إليك ابتداء عما سأقول- ألا يمكن قراءة "حوار الثقافات" من زاوية أنه "موقف المستضعفين" بغض النظر عن كونه قيمة؟ فنحن لا نجد بين دعاته المسيطرين سياسيًّا أو ثقافيًّا، حتى في فرنسا حين تتحدثون عما تسمونه "لذة الاستثناء الثقافي" يمكن التقاط دلائل التخوف الكبير لدى الفرنسيين من طغيان التنميط الأمريكي على الحياة الفرنسية، كما أن هنالك تخوفًا سياسيًّا؛ ففرنسا هي الحلقة الأضعف في الاتحاد الأوربي، ومواجهتها مع أمريكا معروفة، مع أن فرنسا نفسها تستنسخ الأحادية الأمريكية في الاتحاد الأوربي حين تمارس تعاليًا على الديمقراطيات الأوربية الأخرى، وفرنسا نفسها هي التي تسعى -محمومة- لإعادة إمبراطوريتها عبر حلف الفرانكفونية!

** أنا أعارض هذا بكل وضوح، والمثقفون يعارضون بوضوح ويكتبون، ولا يمكنني فعل أكثر من هذا. أنا أحيانًا أريد أن أقول لمن ينتقد ضعف المثقف الغربي وعدم قدرته على تغيير أساليب الغرب السياسية: لماذا لم تنجحوا أنتم في حل تناقضات الأنظمة الحاكمة العربية التي تمول وتساعد الهيمنة الأمريكية! إن إمكانيتنا للتأثير على الوضع السياسي محدودة جدًّا.

- أنا لا أتحدث عن موقفك أنت، لكن أريد أن نفهم هذا الجدل الثقافي داخل فرنسا، ويحضر في هذا الجدل الموقف من الإسلام.

** مشكلة الفرنسيين مع الإسلام واضحة، فالإسلام بالنسبة لهم هو ثقافة الآخر، وهذا الآخر ليس أيّ آخر، إنه الجار. والزمان ليس أي زمان. في الثلاثينيات من القرن الماضي لم يكن هناك أي حساسية، حيث كان الغرب يسيطر على ثقافة الآخر، ولم نكن نخاف منه. وأسباب حساسية الفرنسيين تجاه الإسلام تفسر في إطار فقد الهيمنة الأيديولوجية على ثقافة الآخر التي كنا نتمتع بها منذ قرن. لا شك في ذلك، فيوجد نوع من الرفض أن تلعب ثقافة غير الثقافة الغربية دورًا مساويًا لها.

كما أن هنالك خصوصية فرنسية لنشأة المدرسة الحكومية، فقد تم تأسيس المدارس العلمانية نتيجة الانتصار على رجال الدين، فتجد أن المبرر المعلن هنا هو: لقد تخلصنا من ديننا فكيف نستقبل دينًا آخر؟! وهذا هو البعد العقلاني لهذا الخطاب، فهو يرفض وجود ثقافة ينظر إليها على أنها "دخيل" على نسيج العالم الدلالي للنسيج الوطني.

- يصعب الفصل بين السياسي والثقافي في قضية "حوار الثقافات". لكن كيف يمكن مواجهة المنطق التبسيطي إزاء المنشقين والآخرين، هذا المنطق الذي يتصور أن التاريخ مثل لوح أسود نمحو ما نشاء منه ونُثبت، لنستطيع "نحن" (أي هم) أن ندون عليه ما نشاء؟ ويتصل بهذا المنطق ما يتم الحديث عنه من "إعادة رسم الحدود" والخرائط، وما شابه ذلك من تجليات هذا المنطق في تداخل السياسي مع الثقافي، وكأن هذا الآخر لا وجود له!

** من داخل الغرب علينا أن نرفع صوتنا ضد غياب العدالة الدولية، وغياب الصيغة السياسية الدولية، فهذا هو العدو الحقيقي. فالنظام العالمي غير عادل من جانب، ويعتمد كذلك كثيرًا على أنظمة غير شرعية تُفرض على بلدان هذه المنطقة.

هذا الغياب للعدالة يغذي التصورات العنصرية تجاه الآخر، كثيرًا ما نجد في العالم الإسلامي أناسًا يحمّلون الثقافة الغربية مسئولية عدم احترام الغربيين لقيمهم، فهذه عملية خطيرة، لكنها منطقية بقدر ما يفعل الغرب الشيء نفسه حين يُحمّل المناضل الإسلامي مسئولية عنف حركات المقاومة الفلسطينية، ويسميه "أصوليًّا"، وأن سبب لجوئه إلى العنف هو دينه وثقافته. إنها مشكلة بين الجانبين. لكن لا بد من التفريق بين الجانبين بقدر سيطرة أحدهما على الآخر.

- الغريب أن هذا المنطق التبسيطي نفسه يغرق في "الشعاراتية"، فتكال حملات الهجوم بالتخلف وانعدام الديمقراطية واللامبالاة بحقوق المرأة في مقابل الحداثة ومفاهيمها، كأن هذه المفاهيم مفاهيم بسيطة أحادية، كونية، ومتفق عليها لدى الجميع!

** أنا أوافق على هذا إلى حدٍّ ما، لكن أنا أعتقد بوجود قاسم مشترك بين القيم، فأرفض فكرة أن حقوق المرأة تختلف جوهريًّا بين ثقافة وثقافة أخرى. فأنظر إلى القاسم المشترك على أنه موجود، لكن المصطلحات والمرجعيات لإضفاء شرعية على هذه القيم تختلف، فلو سقط شخص أمامك فستساعده وكذلك أنا. إن المساعدة هنا تستمد مرجعيتها عند كل واحد من مرجعية ثقافية وربما دينية مختلفة، لكن الاتفاق هو في فعل المساعدة بغض النظر عن مرجعيتها.

- أنا لا أتحدث على هذا المستوى العام الذي نتفق فيه كبشر، لكن حين نأتي إلى تفصيلات ثقافية سنختلف.

فرانسوا بورجا مع ياسر عرفات

** الجانب الإسلامي والغربي لا يفرق بين لب القيم ومرجعيات القيم. نحن ندافع عن فكرة مفادُها أن التنوع الثقافي يقتصر في الحقيقة على ميدان المواد الرمزية (المرجعيات التاريخية أو الأسطورية، العلمانية أو الدينية) للمجموعة التي تستنفرها الثقافات لتبرير القيم، لكن هذا التنوع لا يستوعب هذه القيم نفسها. يتعرَّض هذا التنوع الرمزي في الممارسات، والطقوس، والمرجعيات، للتعميم والاستقراء باستمرار، دون وجه حق، بغرض التأسيس لوجود خلافات أهم هي التي تحدد الحضارات المتمايزة ليس فقط من حيث ممارساتها بل أيضا -وفوق ذلك- من حيث قيمها.

هذا الخلط ليس جديدًا، بل له نتائج متعددة الأشكال. فمنذ أتاتورك، الذي اشترط لبلوغ الحداثة ارتداء قبعة ذات شكل معين، إلى التحفظات الحالية لبعض الأوساط على لبس الحجاب في المدارس الأوربية، مرورًا بالنزوع المتكرر لدى أتباع الأديان لنفي وجود أي قاسم مشترك إنساني يتجاوز الانتماءات الدينية، تتعدد العوائق، التحليلية والسياسية، التي ينتهي عندها هذا الخلط بين "جوهر القيم" و"المرجعيات الرمزية المُسْتَنْفَرة لتبرير هذه القيم".

من أجل التصدي لهذه المهمة الطموحة، المتمثلة في فضح وإدانة هذه العوائق، وتبيان الوسائل المتعددة التي تنتهجها العقائد والمذاهب لنفي قدرة ثقافة الآخر على التعبير عن مرجعية كونية، يمكن لـ"حوار ثقافات" فعلاً أن يُسرج فرسه.

- بمناسبة ذكر عدم التمييز بين الرموز المعبرة عن القيم والتي تختلف أشكالها، وبين لب القيم وجوهرها الذي تقولون إنه واحد، كيف تنظرون إلى قضية الحجاب في فرنسا الآن؟

** موقفي كان واضحًا منذ سنة 1995. قلت: أنا ضد الحجاب إذا كان هنالك دليل على أن الحجاب يمنع البنات من القراءة والاستماع والتحرك. فأنا ضد أي ممارسة تؤثر على لب القيم.

لكن الموقف السائد في فرنسا الآن -مع الأسف- أنظر إليه على أنه مثال نموذجي على هذا الخلط بين لب القيم وشكلها، مثلما فعل أتاتورك بالضبط.

- هل يمكن اعتبار مشكلة الحجاب في فرنسا انعكاسًا لراديكالية المشروع الثوري في فرنسا الذي بدأ سنة 1789 وسعى لتأسيس الحرية على قطيعة مع الدين -أو التقاليد- وإقصاء تام له، ثم جاء قانون 1905 القاضي بفصل الدين عن الدولة؟

** بالضبط، وحين تقرأ لمعارضي الحجاب تجد شيئًا من هذا ويقولون، مثلما ذكرنا: تخلصنا من ديننا فكيف نرحب بدين آخر؟ ولكن السؤال هنا: لماذا لم يفعلوا الشيء نفسه مع الدين الكاثوليكي والدولة تشارك حتى الآن في تمويل المدارس الكاثوليكية!

في الحقيقة أنا أنظر إلى هذا الكلام -رغم أنه لا يخلو من شيء من العقلانية- بوصفه تعبيرًا عن رفض أن تلعب الثقافة (غير السائدة) دورًا معلنًا في النسيج الأيديولوجي الوطني. هذا موقفي كمحلل.

أما إذا كنت رجلاً سياسيًّا، لو كنت رئيسًا للجمهورية، هل أسمح بارتداء الحجاب أم لا؟ هذا شيء آخر، فإذا تبين أن 75% من المعلمين في المدارس الفرنسية ينظرون إلى الحجاب على أنه نوع من إنكار القيم العلمانية التي يدافعون عنها، فوفقًا لمتطلبات العمل السياسي، ربما لا أعارض 75% من المعلمين. وفيما يخص موقف اللجنة التي قدمت تقريرًا لرئيس الجمهورية فإنها لا تعبر إلا عن موقف مَن شكَّلها.

- لماذا لم نجد في الشعب الفرنسي -وليس في النخبة المثقفة- رفضًا لمثل هذه الممارسات على أنها تخالف مفهوم الحرية أصلاً؟

** هنالك في وسائل الإعلام من يمثل الجانبين وبالتأكيد هناك تدور معركة فكرية ومعركة سياسية وإعلامية، لكن الجانب الذي يدافع عن حرية ارتداء الحجاب يمثل حتى الآن الأقلية فقط، والقضية ليست في صالحنا، وأنا التقيت مع أناس من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية من المسيحيين ومن اليهود ومن العلمانيين أو من الملحدين، وكلهم موافقون على أن الجو في فرنسا هذه الأيام ليس سليمًا، وفيه شيء من العنصرية، ويفكرون في حلول سياسية لمعالجته، مثلما تفكرون أنتم الآن.

وإذا عدت مثلا إلى آخر نشرة ليموند ديبلوماتك، تجد عنف المعركة ضد النظام السائد في وسائل الإعلام، وانتقادات بأن وسائل الإعلام اليومية والأسبوعية يسيطر عليها عدد قليل من المفكرين، وأن ذلك قائم منذ 25 سنة!

- في مقال نشرته ليموند ديبلوماتك مؤخرًا بعنوان "من فوبيا العرب إلى فوبيا الإسلام" افتتح الحديث بالإشارة إلى دعوة المستشرق الشهير ماسينيون سنة 1926 التي تقول: لماذا لا نحتضن المسلمين كما احتضنا اليهود؟ ما يعني أن المشكلة عميقة الجذور.

** أنا قلت بشكل أكثر تفاؤلاً: إن ردود أفعال الفرنسيين هذه الأيام تشبه رد فعل فرنسا أيام الجيل السابق من حركة القوميين الاستقلاليين. عندما بدءوا يعارضون وجود فرنسا في الجزائر، كان الرد غير عقلاني، ثم سنة فسنة تم قبول جيل القوميين، والخوف العرقي من العرب الذي كان موجودًا قديمًا انتهى الآن، لكن تحول الخوف من العرق إلى الدين، ثم بدأنا نقبل المسلمين بشرط ألا يكون المسلم متدينًا؛ فالمسلم المقبول الآن في فرنسا هو الذي لا يرفض -في وقت الصلاة- الدعوة إلى الذهاب للحانة، ومن يرفض نقول عنه: لا شك إن هذا.. أصوليّ، أو متزمت! فانتقل الموقف من الرفض العرقي إلى الرفض الديني، ثم تم قبول المسلم سوسيولوجيًّا، ورفض المسلم المتدين، ولكن هذا يعني -بنظرة متفائلة- أن عملية الاندماج والقبول مستمرة. هذه العملية تأخذ وقتًا والدليل على هذا أن تلك الصعوبات موجودة كذلك في البلدان الإسلامية والحالة المثالية حالة المملكة السعودية مثلاً التي ترفض أي وجود شرعي للمسيحية.

- هذا الكلام ألا يعيدنا إلى فكرة "الصراع" بمعنى "الصدام" التي كانت بدايةً لدى الفكر الألماني أيام النازية، والتي تتسم بالنظرة العرقية، ثم سادت النظريات التي جعلت الصراع محور بنائها النظري في الأربعينيات والخمسينيات كصراع الطبقات، وصراع الأمم، حتى إن أرنولد توينبي عام 1947م ألقى سلسلة محاضرات بعنوان "الصراع بين الحضارات"، ثم جاء هنتنغتون ليبني على هذا، وإن كان البعض يقول إنه بنى نظريته على كلام سابق لبرنارد لويس. المهم أن توينبي ينظر إلى التاريخ على أنه "صراع"، وفي جوهر الصراع: الدين.

** نظرية صدام الحضارات تعني أن نحمِّل مسئولية الخلافات السياسية لثقافة أو لدين الآخر، وهذه النظرية منتشرة في العالم كله، وليست من خصوصيات الغرب، بل إنك تجدها عند المسلمين! أنا أرفض أن تجعل هذه النظرة خَصِيصة غربية فقط.

- ما قصدته أننا نلحظ أن ثمة انتقالاً لفكرة الصراع من "العرق" إلى "الدين" في هذه الإشارة التاريخية المذكورة؟

** أنا أركز على تاريخ فرنسا، وأقول: إن العنصرية الفرنسية تجاه جنوب البحر المتوسط كانت عرقية في البداية ثم أصبحت دينية، ثم انتقلت من الدين إلى المتدينين. فأنا أنظر إلى هذا الاتجاه السائد وأقول: لست متشائمًا بقدر ما يؤدي هذا الحراك إلى زيادة الاندماج وقبول الآخر.

- حسنًا، دعنا نركز على بعض الأمثلة، بما يتيح فهمًا أعمق لقضية حوار الثقافات تحديدًا. فلو جئنا إلى ما يتعلق بنسق القيم، فلنأخذ مثالا عيد الحب، واليوم العالمي للمرأة، ويوم العمل العالمي، وغيرها من المناسبات. الكثيرون في العالم العربي ينظرون إلى هذه المناسبات على أنها "غزو ثقافي" -كما يسمونه- يمارس التنميط الغربي والتحيز السافر لنموذجه، ويدعِّم فكرة المركزية الغربية ليجعل من هذه المناسبات (الخاصة) قيمًا عالمية لكل إنسان. كيف ترون ذلك؟

** أنا أؤيد هذا تمامًا. لكن دعني أميز هنا في قضية المرأة، أنا أقول: إن من حق المرأة أن تمارس الألعاب الرياضية، فلو جاء من يقول: إن هذه خصوصية ثقافية، أقول له: لا. لكن شكل اللباس يدخل في الخصوصيات الثقافية.

- نعم، لنأخذ مثالاً آخر مما يتصل بنمط الحياة اليومية. في سياق حملة المقاطعة التي نشطت في العالم الإسلامي، تمت مقاطعة الهامبرجر مثلاً، ولا أتحدث هنا عن البعد الاقتصادي للمقاطعة، بل الثقافي، فهناك من يقول: إن الهامبرجر تجب مقاطعته؛ لأنه يجسد الطريقة التي تستحوذ بها الولايات المتحدة على حياة الناس العاديين في بقية أنحاء العالم، وتضيق المساحة المتاحة لثقافاتهم الخاصة، فهو خطير؛ لأنه يمثل الهيمنة الثقافية والناس يعتبرونه شيئًا متفوقًا وحديثًا!

** أنا أؤيد هذا تمامًا؛ فأنا فيما يخص الطعام.. أصولي متشدد وأدافع عن خصوصيتي الثقافية، وأرفض عولمة الطعام، وأنا مع من ينتقد هيمنة ماكدونالدز، غير أنني أنظر كذلك إلى موقفي على أنه موقف غير عقلاني مائة بالمائة، فما هو الهامبرجر غير الخبز واللحم؟!

الذي حدث أن أصبح هذا الهامبرجر رمزًا للهيمنة الأمريكية. حتى بعض الأطراف الإسرائيلية ترفض هيمنة ماكدونالدز وهم يقولون إن رمز الشركة يشبه رمزًا من رموز دينهم.

- مثال آخر أيضًا، هو ظاهرة الحديث المختلط التي انتشرت في عالمنا العربي؛ ففي المغرب العربي يتم تركيب الكلام من العربية والعديد من الألفاظ الفرنسية، وفي بعض دول المشرق من العربية والإنجليزية، كيف تنظرون إلى هذا، هل هو من قبيل تعدد الثقافات؟!

** أنا معك إلى حدٍّ ما، صحيح أننا نحتاج إلى كل خصوصياتنا الثقافية وإن كانت المبالغة في هذا الأمر تؤدي إلى نوع من الانغلاق الثقافي، وفي هذا الانغلاق فأنا لا أتفق معك. أما فيما يخص الحفاظ على الهوية اللغوية فإنه عمل شرعي جدًّا، فنحن نتفهم جدًّا موقف العربي الذي يدافع عن لغته تجاه الغرب مثلما نحاول نحن الفرنسيين الدفاع عن لغتنا.

- لا أتكلم على إدخال المصطلحات بالتأكيد. لكن دعنا نشر هنا -ما دمنا نتحدث عن المسألة اللغوية- إلى الجدل حول الفرانكفونية والفرانكفيلية حسب تفريق بعض المغاربة، فكيف يمكن النظر إلى هذه المسألة في هذا السياق؟

** أنا معك. وأقول إن أفضل مؤيدي الفرانكفونية بالنسبة لي من يتجاوز البعد اللغوي في مفهوم التبادل بين الثقافات ويحسن اللغة العربية، وأضرب لك مثلاً بسيطًا؛ ففي بعض المراكز الثقافية الفرنسية الموجودة في العالم العربي لا يوجد كتب بالعربية حتى لو تُرجمت من الفرنسية! أنا أنتقد هذا، في الحقيقة أشعر أنه من الضروري للجميع معرفة لغة أخرى غير لغتنا. ولا شك أن أغلبية المثقفين العرب يعرفون لغة أخرى غير لغتهم الأصلية، بخلاف الغربيين الذين لا يستطيعون لذلك التعامل فكريًّا مع عالمين رمزيين مثلما يفعل عدد من المثقفين العرب. وأنا أنتقد المفهوم الجامد للفرانكفونية كلما أشعر أنه يستعمل كمبرر لعدم معرفة أو عدم دراسة لغة الآخر. فإن الذي يحترم الآخر هو الذي يعرفه، ومن يرفض لغة الآخر مسكين، وذلك لا يتناقض مع رفض سيطرة لغة الآخر ولهذا الرفض الأخير شرعيته في تقديري.

دعني أشر هنا إلى مثال غريب، فما جعل الإسرائيليين قادرين على بسط نفوذهم بالشكل الحالي؟ لا شك أنه قدرتهم على الاتصال بكل ثقافات العالم نتيجة ما عانوه من القمع على أيدي أغلب شعوب أوربا، غير أنك الآن تجد كثيرا من شباب الإسرائيليين لا يعرفون إلا لغتهم العبرية بينما تجد الفلسطينيين الذين طُردوا من فلسطين في كل أنحاء العالم بدءوا يأخذون من كل ثقافات هذا العالم كما فعل الإسرائيليون من قبل. وأنا أنظر إلى هذا على أنه من الأشياء التي تجعلني أكثر تفاؤلاً في تطور ميزان القوى في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.


** باحث وكاتب سوري 


مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع