|

|
|
مسلمو كوبا محرومون من المكان الوحيد للصلاة
|
في
غمرة إعجابنا بالصمود الكوبي أمام الحصار
الأمريكي الظالم تغيب عنا أشياء عظيمة
الأهمية. ومنها وضع الأقلية المسلمة في كوبا
التي يبدو أنها سقطت تماما من حسابات الدول
والهيئات والمنظمات الإسلامية التي ربما غلب
بعضها التعاطف مع كوبا على الاهتمام
بمسلميها، أو أغرى بعضها قلة عدد مسلمي كوبا
فتجاهل أوضاعهم، أما البعض الآخر فربما غاب
عنه أن هناك مسلمين في كوبا من الأصل!.
وحسب
تقدير المنظمة الإسلامية لأمريكا اللاتينية
يبلغ عدد مسلمي كوبا نحو ألف نسمة من إجمالي 11
مليون كوبي.
ويمكن
تقسيم علاقة كوبا بالإسلام إلى 3 مراحل:
الأولى
تعود إلى ما قبل اكتشاف الرحالة
كريستوفر كولومبس للأمريكتين، وتبدأ
الثانية بعد استكمال السيطرة
الأسبانية البرتغالية على الأمريكتين، أما
المرحلة الثالثة فيؤرخ لها ببداية الهجرات
العربية لكوبا في العصر الحديث انتهاء بوضع
المسلمين في ظل الحكم الشيوعي الذي بدأه فيدل
كاسترو والتطورات الأخيرة بعد سقوط الشيوعية.
قبل
اكتشاف كولومبس
للأمريكتين
|

|
|
كاسترو يتسلم وسام الاستقلال من الأمير حمد بن خليفه آل ثان
|
رغم
أن المؤرخين يعدون البحار الإيطالي كريستوفر
كولومبس -الذي عمل تحت العلم الأسباني- مكتشف
العالم الجديد، فإن هناك من المؤرخين من يؤكد
وصول جماعات بشرية من العالم القديم -أفريقيا
وآسيا وأوربا- إلى العالم الجديد قبل
كولومبس، معتمدين في ذلك على العديد من
الشواهد الأثرية في الأمريكتين، بل وما كتبه
كولومبس في مذكراته. غير أن أمر هذه الرحلات
السابقة على كولومبس أصبح طي النسيان لأنها
لم تجد من يؤرخ لها، إضافة إلى أن المهاجرين
للعالم الجديد لم يتمكنوا من التواصل مع
العالم القديم، وربما لم يدركوا طبيعة الأرض
التي وصلوا إليها.
واستنادا
إلى ما ذكره "بارتولو ميه دي لاس كاساس"
نقلا عن مذكرات كولومبس الضائعة "يوميات
الرحلة الأولى"؛ فإن كولومبس عندما وصل
بسفينته إلى كوبا في أكتوبر 1492م شاهد أثرا
لمسجد على قمة أحد الجبال وله مآذن ونقوش
ومكتوب على جدرانه بعض الكتابات العربية،
وعندما وصل إلى هاييتي في رحلته الثانية قدم
له الهنود رماحا تشبه رماح المسلمين
الأفريقيين كما شاهد زنوجا أفريقيين.
وحين
أسس أول مستعمرة له في كوبا وجد كولومبس أن
طعام الهنود الحمر مشابه لطعام المسلمين وهو
ما أثار دهشته ظنا منه أنهم "محمديون"،
على نحو ما سجله في يومياته. كما وجد الأسبان
مخطوطات أثرية إسلامية في كوبا وغيرها من
بلدان الأمريكتين.
ونشرت
مجلة المقتطف في عددي أغسطس 1926 وفبراير 1945
مقالين عن مجلة العالم اليوم لبرتن كلين أشار
فيهما إلى وجود كلمات عربية في لغة الهنود
تعود إلى عام 1290م أي قبل اكتشاف كولومبس لكوبا
والأمريكتين بمائتي عام.
ومن
غير الواضح كيف وصل هؤلاء المسلمون إلى كوبا
والعالم الجديد؛ فهناك آراء تشير إلى احتمال
أن تكون هناك رحلات عربية ضلت طريقها في بحر
الظلمات (المحيط الهادي) والمحيط الأطلنطي في
العصور الوسطى واستقر بها المقام في
الأمريكتين، والبعض يشير في ذلك إلى أن مؤسس
الأسطول العثماني خير الدين بارباروسا كان قد
بعث ببعض السفن لاكتشاف ما وراء البحر (المحيط
الأطلنطي)، وهناك أيضا رواية الأسطولين
اللذين بعث بهما الملك منسا موسى (بين 1307-1322م)
ملك مملكة ملي (أو مالي) الإسلامية في غرب
أفريقيا إلى المحيط الأطلنطي لتعرف ما وراءه،
ولم يرجع أي منهما.
ولكن
على كل حال يبدو أن أوضاع المسلمين في هذه
المنطقة تدهورت، وضعفت ثقافة وعقيدة أبنائهم
فيما بعد فذابوا في مجتمع الهنود الحمر.
في
ظل السيطرة الأسبانية
|

|
|
قلعة كوبا
|
وبعد
نجاح رحلات كولومبس سرعان ما استطاع الأسبان
السيطرة على ما يعرف بأمريكا اللاتينية
حاليا، فيما سيطرت البرتغال على المنطقة
المعروفة حاليا باسم البرازيل. وكان كولومبس
قد أقام عقب وصوله إلى كوبا أول مستعمرة
أوربية في الأمريكتين، ثم رجع إلى أوربا
وسرعان ما عاد إلى كوبا مرة ثانية في مايو 1493
بحملة كان هدفها الأول تنفيذ أوامر ملك
أسبانيا بنشر المسيحية بين السكان الأصليين،
وهو ما دفعه لاصطحاب 6 قساوسة لهذه المهمة.
وحين
وصل كولومبس جزر الكاريبي أخذ يطلق أسماء
القديسين على الجزر التي اكتشفها، ولكن
السكان الأصليين قضوا على رجاله؛ فأقام
مستعمرة ثانية سرعان ما واجهت نفس المصير،
إلى أن جاء الأسبان بعدتهم وعتادهم فاستقروا
في كوبا وأخذوا في إبادة السكان الأصليين،
وساعدهم في ذلك الخيول والأسلحة النارية، ولم
يكن الهنود يعرفون الخيول وكانت آلاتهم
الحربية عبارة عن الرماح فقط؛ لذا أثارت
الخيول الرعب في قلوبهم حتى يروى أنهم كانوا
يعتقدون أن الفارس وفرسه قطعة واحدة فكانوا
يقطعون رأس الفرس ويتركون صاحبه.
واستمرت
حملات الإبادة، وبعد 50 عاما لم يتبق من نصف
مليون هندي كانوا يقطنون كوبا وقت اكتشافها
عام 1492 سوى 4 آلاف يسكنون الأودية الجبلية. هذا
غير ما يقرب من 30 مليون هندي أبيدوا في جزر
أمريكا الوسطى.
وسرعان
ما جلب الأوربيون ما يقرب من 10 ملايين من
العبيد السود من أفريقيا -منهم 3 ملايين مسلم-
لإعمار أمريكا الشمالية والوسطى، ويقدر أن
هناك نحو 1.5 مليون نسمة من سكان كوبا من الزنوج
والمولدين من البيض والسود.
غير
أن الأسبان غيروا أسماء الزنوج بمن فيهم
المسلمون وخلعوا عليهم أسماء مسيحية
وعمدوهم، وقد قاوم بعض المسلمين عمليات
التنصير الجبرية وكان أبرز محاولات المقاومة
عندما قاد الأفريقي المسلم ماكندال الثورة
عام 1758 في أمريكا الجنوبية، لكن تم القضاء
عليها.
وأدت
الوحشية الأسبانية إلى القضاء على الإسلام في
قلوب الزنوج بمنعهم من الصلاة وإجبارهم على
اعتناق المسيحية وارتياد الكنائس ولم تقتصر
على السكان المسلمين وإنما امتدت لتشمل
السكان الهنود أيضا فكانت موجهة ضد كل من
يقاوم الدخول في المسيحية.
الهجرة
العربية إلى كوبا
|

|
|
امرأة كوبية ترتدي الزي التقليدى -هافانا
|
وفي
النصف الثاني من القرن التاسع عشر 1850 – 1900
شهدت كوبا هجرة عربية ضمن الهجرات العربية
إلى العالم الجديد كان رافدها الأساسي من
سوريا ولبنان، وكان غالبية المهاجرين العرب
مسيحيين وإن ضمت أقلية مسلمة، ونظرا لظروف
المجتمع الكوبي آنذاك أخذ العديد منهم في
التسمي بأسماء مسيحية ربما لظروف التأقلم أو
لأن السلطات كانت تفرض عليهم ذلك وبعضهم
تعرضت أسماؤهم للتشويه فمثلا عبد الله صارت
"أبديلا" ونعمة الله أصبحت "نأمتللو"
وهكذا.. وهو ما أدى إلى ذوبان المسلمين مرة
أخرى داخل المجتمع الكوبي وإن ظل هناك مسلمون
لا يعرفون عن دينهم إلا القليل جدا.
وفي
النصف الثاني من القرن العشرين نالت الكثير
من الدول الإسلامية استقلالها وأخذت تتشكل
العديد من الهيئات والمنظمات الإسلامية التي
تمد يد العون لمسلمي أمريكا اللاتينية وهو ما
ساهم في إعادة الروح للوجود الإسلامي فيها.
مسلمو
كوبا وكاسترو الشيوعي
وبقيام
الثورة الشيوعية في كوبا عام 1959 بزعامة فيدل
كاسترو حُرم المسلمون في كوبا من أي اتصال
بالعالم الإسلامي وأصبحوا لا يعرفون أي شيء
عن دينهم في ظل نظام شيوعي يدرّس الإلحاد في
المدارس.
فلم
يسمح كاسترو بإنشاء أي مسجد للكوبيين على
الإطلاق، واستثنى فقط البيت العربي في هافانا
القديمة والذي ظل المكان الوحيد في كوبا الذي
تسمح الحكومة بفتحه مدة 3 ساعات كل يوم جمعة
لأداء صلاة الجمعة بإحدى قاعاته
للدبلوماسيين العرب والمسلمين في كوبا،
بينما مُنع المسلمون الكوبيون من أداء باقي
الفرائض فيه ولم يعد بإمكانهم أداء صلواتهم
إلا في المنازل بعيدا عن رقابة واعتراضات
الحكومة.
وفي
عام 1982 اعتبرت اليونسكو البيت العربي من
الآثار الإنسانية حيث جرى بناؤه بواسطة أحد
التجار العرب في القرن السابع عشر وتبرعت قطر
بمبلغ 40 ألف دولار لتطويره ليضم مكتبة تحوي 1200
كتاب، ومعرضا للتراث العربي ووثائق عربية من
لبنان وصالة للمعارض وأخرى للمؤتمرات.
الوضع الحالي لمسلمي كوبا
على
الرغم من أن الرئيس الكوبي كاسترو بدأ في
التحول الطفيف عن الشيوعية عام 1991 وسمح
لأعضاء الحزب الشيوعي ببعض الممارسات
الدينية مثل ارتياد الكنائس، فإن هذا لم يعد
بأدنى فائدة على المسلمين حيث منعوا من بناء
أي مسجد لهم ولم يسمح لهم حتى بالصلاة في
البيت العربي، كما لم تسمح الحكومة بإجراء أي
تعداد لهم أو تعترف بهم كأقلية، ورفضت الطلب
الذي تقدم به محمد يوسف مهاجر الأمين العام
للمنظمة الإسلامية لأمريكا اللاتينية
بالسماح بتمثيل مسلمي كوبا في اجتماعات
المنظمة؛ في الوقت الذي اعترفت بالأقلية
اليهودية البالغ عددها 1300 نسمة وسمحت لهم
ببناء 11 معبدا تركت لهم فيها الحرية التامة
لممارسة شعائرهم، كما سمحت لهم بإنشاء العديد
من المنظمات والهيئات الخاصة بهم.
وفي
الوقت الذي قام الرئيس الكوبي كاسترو بزيارة
الفاتيكان عام 1996 ثم استقبل البابا في هافانا
عام 1997 وما صاحبه من الموافقة على فتح كثير من
الكنائس الكاثوليكية في كوبا كان الموقف من
الإسلام على النقيض، فحين استقبلت الحكومة في
مايو 2002 الأمين المساعد لمنظمة اتحاد العالم
الإسلامي بمكة الشيخ محمد بن ناصر العبودي،
رفضت طلبه السماح ببناء مسجد لمسلمي كوبا أو
بتحويل بيت لكوبية اعتنقت الإسلام حديثا إلى
مكان الصلاة بل واعتبرت الطلب "غريبا"
لأن مواطنيها "شيوعيون" واقترحت على
الشيخ العبودي أن يتقدم بهذا الطلب للحزب
الشيوعي للنظر فيه!.
والأمل
معقود حاليا على الدول الإسلامية لبذل مزيد
من الجهود لإقناع حكومة كاسترو بالعدول عن
موقفها من بناء المساجد، خاصة أن هناك العديد
من جمعيات الصداقة بين كوبا والدول الإسلامية
وهي كثيرة أهمها جمعيات الصداقة مع لبنان
وسوريا ومصر وتونس واليمن والعراق وإيران
والأردن وليبيا، كما توجد جمعية الاتحاد
العربي في كوبا للمهاجرين من لبنان وفلسطين
وسوريا منذ عام 1979، وتصدر مجلة العربي مرتين
في السنة بالعربية والأسبانية ويمكن لهذه
الجمعية أن تلعب دورا في تخفيف حدة المواقف
الحكومية تجاه المسلمين هناك.
مصادر الدراسة
-
كتاب
"أول رحلة شرقية إلى أمريكا" إلياس
الموصلي
-
كتاب
"ثقافة وحضارة أمريكا اللاتينية"
لأوخينو تشانج وورود ريجيث ترجمة عبد الحميد
غلاب وأحمد رشاد، المجلس الأعلى للثقافة
-
كتاب
تاريخ اكتشاف أمريكا اللاتينية، أيوف
بتروفيتش، ترجمة د/ حسنين أبو عرابي - الدار
العربية - مصر
-
كتاب
الإسلام والثقافة العربية في أفريقيا، د/ حسن
أحمد محمود – دار الفكر العربي
-
كتاب
"تاريخ الدول العثمانية" يلماز أوزوتنا
-
ملحق
الاغتراب اللبناني بجريدة النهار اللبنانية
تشرين الثاني 2000
-
الموقع
الإلكتروني للمنظمة الإسلامية لأمريكا
اللاتينية
اقرأ
أيضا:
|