|

|
|
أزمة الحجاب ..إعلان نهاية العلمانية كمدافعة عن
الحريات
|
عاشت
فرنسا منذ نهاية الصيف حملة كبيرة وتجاذبا
للأفكار وأخذا للمواقف تجاه ما اصطلح على
تسميته بقضية الحجاب في المدارس، ورغم الإطار
الجامع الذي وُضعت فيه هذه المسألة من حديث
حول تحديد اللائكية (العلمانية) اصطلاحا
وتعاملا، ورغم محاولة استبعاد حصر الحديث حول
الحجاب الإسلامي أو الخمار وتوسعته ودفعه إلى
الحديث عن غزو الرموز الدينية في المعاهد،
فإن الدافع الأساسي ولعله الوحيد وراء كل هذا
الزخم من المقالات والمواقف والرؤى
والإحصاءات المتوالية في المقروءات
والسمعيات والمرئيات، وراء كل هذا دون مواربة
ولا إخفاء هو الحجاب الإسلامي.
لقد حملت هذه الظاهرة حوارا ونقاشا طال كل
الأطراف والمواقع، بين قابل ورافض، وبين
مساند ومعاند، بين متشدد وميسر، بين ظاهر
وباطن، وظهرت المواقف والرؤى والأطروحات
متناقضة ومختلفة اختلاف النسيج السكاني
الفرنسي. أسـئلة كثيرة وكبيرة طـرحت
وأصبحت الجمهورية نفسها في خطـر، وأصبح
الحجاب رمز رايات في معركة غاب فرسانها وكثر
لغطها، وكان ضحاياها فرقة وطائفة وجنس.
وبعيدا عن النقاشات البيزنطية والجدال
العقيم الذي حفل بعض ثنايا هذه الحملة، فإن
مفارقات عجيبة ولحظات وعي ومحطات لا وعي، قد
اصطحبتها والتي جعلت الأسئلة المطروحة تفتح
على مزيد من الأسئلة، وتؤدي غالبا إلى أجوبة
غير منتظرة، أو تزيد الأمر تعقيدا وغرابة،
وتقلص مراحل الوعي والمعقول، وتزيد درجات
اللاوعي والعاطفة والشعور.
المفارقة
الأولي: لحظة الوعي المغشوشة
لما
انطلقت الحملة، كان للمجتمع المدني بكل
أصنافه ورواده مساهمة ودور أساسي في اندلاعها
وتواصلها، وشهدت الصحف الفرنسية مقالات يصب
أغلبها حول غزو الحجاب للمدارس والخوف
والريبة من انتشاره، ولعل أطرافا وتجمعات
سياسية وغيرها ساهمت في الدفع في هذا الاتجاه،
بأغراض سياسوية أو انتخابية أو عقدية. كانت
هذه المحطة هامة في المسار الذي سوف تأخذه
القضية، ففي هذه المرحلة من المراكمة للأفكار
والأطروحات، ظهر دور المجتمع المدني ولو في
بعض الأحيان تحت ضغوطات مشبوهة وتوجيهات
مبطونة كما عنيناه سابقا، إلا أنه مثل تكريسا
لمكانة هذا الطرف في ولادة حوار وتزاوج
للأفكار في داخله، وعدم استبطان كل ما يمسه عن
قريب أو من بعيد في تاريخه أو في ثقافته أو في
يومه وغده.
ظهر الحوار علنيا رغم حساسيته، وظهرت
الجمهورية في أحلي زينتها. تلت هذه المحطة
انتقال فوري لهذا النقاش إلى ميدان أكثر
رسمية وعلته الصبغة الجدية والقانونية، إذ
أخذت الدولة على عاتقها تحويل هذا الحوار من
تجاذب بريء وشبه طبيعي، إلى حوار ضيق بين
مختصين ومعنيين مباشرة بالحجاب في تنظيراتهم
وأعمالهم الفكرية، أو من يمسهم من خلال
تواجدهم على عين الواقع، وكانت لجنة ستازي
للحكماء التعبير الرسمي والقانوني لهذا
المسار في مرحلته الثانية. التقت هذه اللجنة
حسب الساهرين عليها بما يقارب المائة من
المدعوين واستمعت إلى مرافعاتهم وتشكل على
إثرها رأي حملته الأغلبية الساحقة (19 من 20
حكيما ) حول ضرورة إصدار قانون ضد منع تواجد
الرموز الدينية داخل المدارس العامة، وتم
تسليم كتاب أبيض لرئيس الجمهورية حمل رؤى
اللجنة وتوجيهاتها ونصائحها. انتهي دور
المجتمع المدني في هذه المرحلة بكل إيجابياته
وسلبياته، وكانت المرحلة الموالية إصباغ
الرداء الرسمي والجمهوري للموقف في أعلى
مستويات الدولة، فأخذ اقتراح التقنين مساره
الطبيعي نحو مجلس النواب الذي سوف يؤكد هذا
الاتجاه، نظرا لالتقاء الحكومة والمعارضة
حول ضرورة منع الرموز الدينية الظاهرة أو
البارزة في المدارس العمومية، وهي المحطة
الأخيرة في هذا المسار الديمقراطي في أخذ
القرار.
كانت هذه المراحل تأكيدا لجدوى وفعالية
مشاركة الجمهور في أخذ قراراته، وهو رمز
إيجابي لدور الديمقراطية، رغم بعض عللها، في
إنشاء صرح وفاقي حول مواضيع ومواقف تهم
الشعوب في ذاكرتها وفي معاشها. كان درسا موجها
إلى كل مجتمعات الاحتضار والظلم، كان درسا
لمن غيب المجتمع وأعلن جمهوريات الوراثة
والتعيين والسكون، كان لفتة إلى من كبل
المجتمع المدني أو احتواه أو قزمه أو همشه أو
محاه، كان كل هذا درسا في الوعي والتحضر،
وغلبة مسارات المشاركة الجماهيرية، وهيمنة
دولة القانون والمؤسسات على من سواها...ولكن...
كان هذا المسار الديمقراطي في دولة القانون
وحقوق الإنسان لحظة وعي ولا شك، غير أن حقائق
مفزعة، وألوان غير زاهية، ومنعطفات غير واضحة،
ومنطلقات غير سليمة، ومرجعيات واهية، وأهداف
غامضة، وأعمال جانبية مناقضة، خيمت على هذا
اللبوس المثالي، وعلى هذه المسارات المغشوشة،
وهنا بيت القصيد وهنا مربط الفرس. فغابت حقيقة
الديمقراطية وظهرت قشورها، وغابت اللائكية
وظهرت أنيابها، وغاب الوعي والعقل، وهيمنت
العاطفة في بعض الثنايا والأوحال، وغابت
جمهورية الجميع على حساب فرقة وأقلية وجماعة.
فقبل أيام قليلة من هذا المشوار الحقوقي
والديمقراطي الخلاب، وقبل لحظات الوعي الذي
اصطحبته، أطل علينا الرئيس الفرنسي وهو في
بلد غير بلده، وأمام جمهور غير جمهوره، ليعلن
للجميع بأن حقوق الإنسان وأي إنسان، تتمثل في
الأكل والشرب والسكن! ورغم التراجع الذي تلاه،
ورغم الأصوات المنددة والمندهشة لدي الرأي
العام الداخلي والخارجي، فإن زلة اللسان أو
لذة اللسان هذه، تنبئ ولا شك عن التعامل
بميزانين في مثل هذه القضايا الحساسة، وأن
لغة المبادئ قد تندثر أمام المصلحة والمكسب،
وأن للداخل خطابه وللخارج لهجته ومظاهره.
لحظة اللاوعي هذه تجاه المجتمعات الأخرى تسحب
البساط من جدية المواقف الداخلية وتجعلها غير
مبدئية في حقيقتها، وأنها ترتبط أكثر بالأنا
الثقافي أو الوجداني أو الديني، وتقوقع
الموقف وتجعله وليد مصلحة القوم أو الفرقة أو
القبيلة الجديدة، وترمي به في أحضان التبجيل
والمحاباة لعنصر دون آخر. وهو ما يرج عديد
القناعات في موضوعية هذه المواقف ونزاهتها،
رغم الصيغة الديمقراطية لإصدارها.
المفارقة
الثانية :الوعي المنقوص
لم
تكن الصيغة التي عملت بها الجمهورية في صياغة
هذا المسار سليمة إلى حد ما في محطة عمل لجنة
الحكماء . فعديد التساؤلات تطرح في مستوي
تمثيلية هذه اللجنة في تكونها أولا من أفراد
قد يقترب بعضهم من ملامسة محتشمة للمعرفة
الإسلامية الأكاديمية لمسألة الحجاب، غير أن
الكثير منهم وخاصة أصحاب الجذور العربية أو
الإسلامية لا تجتمع لديهم الثقافة الوافرة
لبلورة رؤية قبلية ومسبقة، تجعلهم يحملون هذه
المرآة العاكسة التي تلطف عديد المواقف،
وتغلّب لغة العقل على لغة العاطفة، وتجعل من
محك التفكير العقلاني والرصين آلية للتأثير
وتجنب التأثر العاطفي، الذي غلب على أفراد
اللجنة. هذه المصداقية المهزوزة بعض الشيء
تظهر أيضا في المرجعيات الأيديولوجية التي
كان عليها أصحاب الجذور الإسلامية، فلن تجد
من بينها امرأة تلبس الحجاب، أو تتبني الدفاع
عنه، فالجميع يحمل منذ البداية منطلقا رافضا
وحتى عدائيا تجاه الرمز الديني عموما والحجاب
خاصة.
كما تطرح التساؤلات لاحقا في مستوي الجمهور
المستمع إليه. فمن بين مائة فرد تداولوا على
المنصة، وقع الاستماع إلى امرأتين متحجبتين
فقط، وكأن الأمر لا يعني هذه الطائفة، فكيف
يمكن بلورة فكرة واضحة وتكوين رأي سليم إذا
كان المعنيون مباشرة لا يمثلون أكثر من 2% من
الجمهور المعني، وهذا حسب ظني إحدى المنزلقات
التي وقعت فيها اللجنة عن وعي أو غير وعي. كان
الأسلم أن يستمع أعضاؤها إلى العديد من
الفتيات اللاتي يلبسن الحجاب ويتبينوا
الأسباب الكامنة وراءه، عوض أن يكثر الجدل
البيزنطي حوله ويغلب طابع الهمز واللمز
والتشويه والرأي المسبق والحكم النهائي، في
ظل غياب المتهم. كان الأجدى أن تعرف اللجنة
وأن يعرف المجتمع من ورائها لماذا قررت فتيات
فرنسيات المنشأ والمسقط وفي واقع متمدن
ومتحضر وفي ظل علمانية مهيمنة على كل أوصال
المجتمع، وأمام هيمنة الموضة واستفحال
النموذج الأمريكي الزاحف على الأكل والشرب
والملبس، وفي وسط إطار داخلي وخارجي ينظر
بعين الريبة والشك والعداء لكل مظهر إسلامي،
لماذا لم تستمع اللجنة إليهن حتى نعرف
الأسباب فتكون الرؤية واضحة وأكثر صلابة،
فلعل منهن من أرغمت على لباسه تحت وطأة أب أو
أخ أو جماعة، وللقانون حقه وواجبه أن يتدخل
لحماية حريتهن. ولعل منهن من لبسته كموضة
تنتهي بانتهاء أجلها وتنحي رموزها، ولعل منهن
من لبسته حشمة وحياء وهو موقف يبتعد عن
السياسة والأيديولوجيا والإثنية ويلامس
الأخلاق والسلوك المرهف، ولعل منهن من ارتدته
حتى تتجنب المضايقات والهمز في أحياء مهمشة
يغلب عليها التقوقع والانعزال ولغة القوة
والعصابة، فيكون الحجاب تعبيرا عن أزمة مجتمع
وتهميش مجموعات وطوائف وجهات وبقاع، وليس هو
الأزمة، بل لعله يساهم في طرق الأبواب
الحقيقية ووضع الإصبع على الموقع الجريح.
ولعل منهن من اختارته عن وعي ولبسته عن علم،
فكان خيارا لا اضطرارا وكان عقلا وليس نقلا،
وهو بالتالي تعبير عن حرية مفقودة، ورمز
للتحرر من براثن تقاليد بالية وتصورات واهية
حملها الآباء والأمهات من بلدان الأصل
وحسبوها دينا والدين منها براء.
المفارقة
الثالثة :حجاب وقلادة
هذا
العلم النسبي بأبجديات الحجاب، تاريخا وحكما
وشرعية، تجلي في محاولة التمييز بين الرموز
الدينية الظاهرة مثل الحجاب الإسلامي أو
القلنسوة اليهودية، أو الصليب الكبير الحجم (رغم
أننا نستبعد أن نري أحدهم يجر صليبا معه داخل
المدرسة أو خارجها) وبين الرموز الخفية مثل
نجمة داوود أو الصليب الصغير أو قلادة فاطمة!
فما هي هذه القلادة التي حشرت حشرا كرمز
إسلامي يمكن قبوله وتجاوزه. الحديث عن هذه
القلادة هو تعبير في الحقيقة بوعي أو غير وعي
عن إفلاس في فهم الحجاب، عن وظيفته، عن دوره،
هو إفلاس في فهم هذا الدين، وفهم تاريخه
وقواعده، وأسسه. لقد ظن الكثير إلى يومنا هذا
أن قرآن المسلمين هو تصوير لحياة الرسول
الكريم (ص) كما هو الشأن للسيد المسيح (ص)
والإنجيل. وهو إفلاس في فهم ثقافة هذه الأقلية
وعلاقتها بدينها وبحضارتها، وعدم تفهم
للعلاقة العضوية التي تربطها بأمتها، دون
الإخلال بحبها وأمانتها لأوطانها الجديدة.
هذا الخلط الواضح بين قلادة لا يعرف أصلها
وفصلها، تعود إلى العادة والتقاليد عند بعض
الأفراد من بلاد المغرب، حتى أن أهل الشرق
الإسلامي لم يفقهوا معناها ولا عرفوا رسمها،
والتجأ أحد المواقع على الإنترنت إلى نشر
صورة لها لتقريب صورتها إلى أذهان المسلمين
المشارقة. زيادة على أن مثل هذه الطلاسم
والتعاويذ السحرية، هي أقرب للشعوذة من عالم
الدين والعلم، والإسلام منها براء، وهذا ما
خفي عن لجنة الحكماء والعارفين، وهو تأكيد
على غياب مجحف لأصحاب الشأن في هذا المجال.
هذه النسبية في معرفة الإسلام لم تكن حبيسة
اللجنة فقط بل عمّت الجميع، ولعل الغريب أن
الكثير من المفكرين وأنصاف المثقفين
والسياسيين دخلوا حلبة التناظر بمعرفة قاصرة،
أو حتى جهل مدقع بالإسلام كدين، وبالحجاب
كظاهرة ووظيفة، وأكثر هؤلاء غرابة رئيس بلدية
مونبولي، الاشتراكي السيد فراش حين أعلن في
اجتماع مجلس البلدية وبحضور الكاميرا عن علمه
بأبجديات الإسلام ومنها أن زوجات الرسول محمد
الثمانية (وليس تسعة) لم يلبسن الحجاب قط!.
المفارقة
الرابعة : تكريس الطائفية
لما
انتهي الرئيس الفرنسي من إلقاء خطابه الذي
أعلن فيه دعوته إلى تقنين منع الحجاب في
المدارس، كانت تعليقات ممثلي الأديان
متضاربة، ورغم القبول المتلكئ والغالب عليه
الرضا بالأمر الواقع لدي رئيس مجلس المسلمين
في فرنسا، فإن الامتعاض والرفض قد غاب لدى
الأطراف الأخرى، بل إن مجلس الطائفة اليهودية
أبدي في بيان صدر في باريس الأربعاء 17-12-2003
قبوله للقانون وعلى كل من يريد أن يعيش في
فرنسا أن يخضع لقوانينها وعاداتها وأيد
المجلس قرار عدم منح طلبة المدارس إجازة في
عيد الكيبور اليهودي وعيد الأضحى، معللا ذلك
أن منح مثل هذه الإجازة سيؤدي إلى مشاكل أكثر
مما يؤدي إلى حلول.
هذه الرؤية المختلفة والمتناقضة سهل فهمها
وهي تعبر في الحقيقة عن أن المعنيين والضحايا
في هذا الأمر هم المسلمون. فزيادة على أن
مظاهر التدين الغالب عند الأطراف الأخرى ليس
إلزاميا، فإن وجود مدارس حرة كاثوليكية
ويهودية تمول من طرف الدولة وتكاد تماثل
المدارس العمومية عددا وعدة، تجعل من القانون
غير ذي اعتبار عند الطائفتين. فأكثر من مليوني
وستمائة ألف تلميذ يرتادون المدارس
الكاثوليكية، وأكثر من 26 ألفا يدرسون في
المدارس اليهودية، في حين أن سبعين تلميذا
مسلما يرتادون مدرستين مسلمتين بتمويل ذاتي،
تأسستا منذ سنة أو سنتين. ولو أرجعنا هذه
الكتل إلى نسبها المئوية في مقابل عدد
المنتسبين إلى هذه الأديان لوجدنا الإجحاف
أكبر وأخطر. المفارقة التي سوف يتعرض لها
القرار لا محالة وهو إما أن يؤدي إلى طرد
العشرات أو المئات من الفتيات اللاتي يرفضن
نزع خمارهن، وهو ما سيدفع لاحقا إلى ضرورة
إيجاد بدائل إسلامية، مما يعمق الانكفاء
والتقوقع على الذات وعلى الطائفة، وهو عكس ما
أراده المشرع الفرنسي.
وإما أن تبقي الفتيات
سافرات الشعر داخل المدارس وهو ما سوف يعمق
الإذلال لهذه الأقلية وشعورها بأنها مظلومة،
وأن الوطن الذي حملها وحملته في قلوبها، قد
هضم حقها في العزة والكرامة، وأن عليها أن
تبحث عن ذلك الدفء المعنوي والحاسم عند بني
طائفتها. إن سياسة الخوف كما عبرت عنها
افتتاحية صحيفة لوموند في 17/12/03 تظهر أنه
بعيدا على أنه سيكون وسيلة للاندماج والتهدئة
كما يريده الرئيس الفرنسي، فإن القانون
المرتقب سوف يكون إشارة عكسية إلى مزيد من
الانكفاء على الذات والطائفية، فهذه
اللائكية الخائفة والمنغلقة والمدافعة ستؤدي
لاحقا إلى تهميش قطاع هام من سكان البلاد
وتشويه صورته ورفت جانب منه.
المفارقة
الخامسة: اللائكية المغشوشة
ليست
اللائكية مطروحة للنقاش هذه الكلمات التي
رددها الرئيس الفرنسي مكررا، تنبئ بالمكانة
التي حفرتها اللائكية في ثقافة هذا البلد
وعقلية أفراده وتركت بصماتها في عقلها الجمعي
والفردي، والتي بنت وجدان مجتمعه وأسست كيانه
وحددت سلوكه، فاللائكية الفرنسية هي لغة
وتاريخ وثقافة ومصير. إن القول بهذه المبدئية
الصارمة والرافضة للغة الحوار والتجاذب،
يحمل في حد ذاته تناقضا جوهريا مع ما حملته
اللائكية في دعوتها من أنها تشكل إطارا سليما
للقاء بين الأضداد وعدم الإقصاء والاستثناء،
رغم أنها تأسست على أنقاض معركة شاحنة بين
الجمهورية والكنيسة، بل إن علاقتها التي
بنتها مع الأديان كان فيه من المرونة ولو كانت
محتشمة ما جعلها تحدد أطر التفاعل رغم تضييق
منابر العمل.
فالفصل بين الدين والدولة، وطرد
الكنيسة من الفضاء العام، وخاصة القطاع
التعليمي العمومي، تولد عنه نشأة قطاع تعليمي
خاص ضخم، تسهر عليه الكنيسة وتموله الدولة
بضرائب المواطنين. المفارقة الجديدة التي
تطرحها هذه الكلمات الحازمة للرئيس الفرنسي
وهو إذا كانت اللائكية غير قابلة للنقاش، فهل
حرية المعتقد وحرية الملبس قابلتان للجدال؟
وهذا ما جعل عديد الأطراف الخارجية تعبر عن
قلقها من هذا الموقف المناهض لحرية المعتقد،
فالبيت الأبيض اعتبر عن طريق مسئول الحريات
الدينية في الخارجية أن الحجاب وما سواه من
المظاهر الدينية يجب أن يكون متاحا، كما عبر
التقرير السنوي للوزارة حول الحريات الدينية
عن قلقه وانشغاله بالعقبات التي تضعها فرنسا
لحرية المعتقد. كما أشارت الوزيرة البريطانية
القائمة على الشؤون العرقية، أن المرأة
المسلمة في بريطانيا تستطيع ارتداء الحجاب
بكل راحة، سواء في الأماكن العامة أو في
المدارس.
فالسؤال المطروح إذا كانت أطراف تجمعها
بفرنسا وحدة الثقافة وتقارب العقلية وتناسق
المواقف والتصورات الفلسفية وأحادية النسق
الحضاري، لم تفهم الموقف الفرنسي، فكيف
سيفهمه أبناء البلد وبناته؟ كيف ستفهم الفتاة
الفرنسية التي تربت في بلد حقوق الإنسان،
والتي سمعت آباءها قبل أن تري بأم عينيها مدي
انعدام الحرية والاعتداء على حقوق الإنسان في
وطن الأجداد، كيف لها وهي التي تغنت وشكرت
الأقدار التي جعلتها تري الدنيا بالألوان، في
هذه البلاد المفعمة بأشعة الحرية ونسيمها
وأشواقها، كيف لها أن تقبل مهما كانت
المبررات والدوافع، فلسفية كانت أو حضارية أو
سياسية ضيقة، أن يُعتدي على حق ظنته مكسبا لا
رجعة فيه، ولا يقبل المزايدة، وليس مطروحا
للنقاش؟ كيف لهذا الأقلية الجديدة أن تعقل أن
هذه الحرية في المعتقد والملبس التي رعتها
اللائكية يوما في مواجهة الكنيسة، تأتي اليوم
هذه اللائكية نفسها لتنزعه عن فريق تربي في
أحضانها، وشرب من ألبانها على مقاعد الدراسة
وأمام شاشات التلفاز؟
المفارقة
السادسة: الإسلام كتهمة
لقد
أنتجت الحملة حول الحجاب، والقانون الذي سوف
تثمره حالة ارتياب وتوجس داخل المجتمع
الفرنسي تعبر عنها كلمة الإسلاموفوبيا وهي
الخوف من الإسلام فكرا وممارسة، حتى أصبح
الحجاب عنوانا لهذه الأقلية ولثقافتها ورمزا
لدينها، وتحولت المعاداة والريبة من قطعة
القماش إلى النسيج الاجتماعي نفسه، ومن
الحجاب إلى الديانة الإسلامية. وأصبحت مناطق
الحظر تتوسع وأخذ إطار الحرية لهذه الأقلية
يتقلص شيئا فشيئا. فمن المدرسة أصبح الحديث عن
المستشفيات، وطالب البعض بأن تحترم اللائكية
من طرف الطبيب والمريض، حيث تبين أن البعض من
الطاقم الطبي النسائي يلبسن الحجاب، فقبل أن
تكون طبيبا أو مريضا عليك أن تكون لائكيا! ثم
تم غلق مسبح كان يسمح فيه لسويعات معدودة في
الأسبوع، للنساء المسلمات بالترفيه عن
أنفسهن بعيدا عن أعين الغرباء، حتى لا يتناقض
مع مياه اللائكية التي ترفض الفصل بين
المواطنين! ثم قام رئيس بلدية إحدى الضواحي
الباريسية (Nogent sur marne) برفض الإشراف وقبول
الزواج المدني لعروس لأنها رفضت نزع الخمار،
بدعوى عدم احترام القيم العلمانية للدولة!
لأن مقر البلدية رمز ومكان مبجل للجمهورية! ثم
تلاه رفض أحد مديري المدارس دخول أولياء
متحجبات إلى المدرسة لحضور حوار داخلي دعت
إليه الدولة لمناقشة دور المدرسة، بدعوى
لائكية المكان!
هذه المظاهر الجديدة في المجتمع الفرنسي ليست
شواذا، ولكنها تعبير خطير عن عقلية جديدة
بدأت تُنسج خيوطها في البيت السياسي أولا، ثم
تفشت في النسيج الاجتماعي، وهي الخوف والتوجس
من هذا الدين ومن أصحابه، واعتبار أن جزء من
هذا الوطن غير مرغوب فيه. وبالرغم من أن
الرئيس الفرنسي قد حذر من هذا المنعطف ، فإننا
لا نخال إلا أن هذه الحملة والمتبوعة
بالقانون، ستؤدي إلى هذه النتيجة الخطيرة على
علاقة الطوائف ببعضها، وإلى التدرجات
الاجتماعية داخل الوطن الواحد، وسيشعر جزء
منه أنه مضطهد، وأنه مواطن من الدرجة الثانية
لاختلافه في المعتقد والدين. فهل هو عجز
المجتمع الفرنسي عن استيعاب هذا الدين وتفهم
ثقافة حامليه والقبول بالظاهرة الإسلامية؟
أم أن الخوف من الاحتواء الإسلامي للثقافة
الأوروبية ولتاريخها يبرر مثل هذه القوانين
ويبشر بالمزيد منها؟
الحالة
الإسلامية على مفترق طرق
إن
الحملة الفرنسية وما سوف ينجر عنها من قوانين
وأحوال تؤكد على ثلاث استنتاجات هامة ومصيرية
وفريدة تتجاوز الواقع الفرنسي، لتلمس حالة
الأقليات المسلمة في الغرب فقها وممارسة، و
دور المرأة كإنسان وكمسلمة، والعلمانية
كإطار مستقبلي مهتز كان ينشد حلولا لأطر
متخلفة :
- يحمل المظهر الإسلامي خاصية ذات بعدين،
وظيفي ورمزي. وهي حالة يلتقي فيها مع بعض
الأديان ولكن يفوقها حجما ودلالة، وهي توحي
بفرادته وتجعله يعبر عن ثقافة وعقلية ومنهج
حياة يتجاوز الحدود والثقافات.فهل تسبق
قوانين الإطار الذي يتنزل فيه تصوراته أم
يعلو عليها وينبذها؟ هل يعلو الحجاب على
الجمهورية أم يتأقلم مع المعطيات الجديدة
ويحترم قانون الأغلبية على مرارته؟ هذه
اللحظة التي تعيشها الأقلية المسلمة في فرنسا
خاصة وفي بلاد الغرب عامة، تظهر مدي ما يحمله
هذا الواقع الجديد من خاصيات ومميزات تدفع
إلى الإسراع بإنشاء فقه للأقليات لا يكتفي
بدور النصيحة والإفتاء ودعها حتى تقع، ولكن
يفرض الجرأة على خوض هذه التجربة المصيرية
والهامة في مستوي الفروع، فإذا كان هذا الفقه
جزء من الفقه العام، فإنه يجب أن يتميز عليه
بواقعه الذي يتنزل فيه وبخصوصية أوضاع طالبيه.
إن بروز فقه جديد بقواعد جديدة يعبر عن حالة
جديدة لم يعرفها الإسلام سابقا، حيث أصبح قلة
في كثير، يعتبر أمرا ضروريا وحاسما لاندماج
هذه الأقليات في أوطانها الجديدة مع احترام
قوانين بلدانها دون تفسخ أو اندثار أو انعزال.
-
أصبحت المرأة رمزا للإسلام وهي حقيقة جديدة
ومكسبا لم يكن يحلم به أصحاب المشروع نفسه،
فحقوق المرأة ودورها الاجتماعي كان الثلمة
التي يجب رتقها، وحلقة الضعف الرئيسية في
الخطاب الإسلامي وممارساته. كانت دونية
المرأة وحقوقها المهضومة عنوانا سلبيا
للإسلام عند الضفة الأخرى، وببروز الحجاب
ودخوله معترك المطالب النسوية والحقوق
الشخصية، وتبنيه كوسيلة تحرير للمرأة من
تقاليد العزلة والانسحاب، و من خطاب الإبعاد
والإقصاء، وممارسات الدونية والاستخفاف،
وتأويلات قرون الانحطاط والسقوط، لتصبح
المرأة المتحجبة صورة حية للمرأة الحرة التي
لها رأيها في الشأن الخاص والعام. وتصبح
المرأة عنوانا إيجابيا للإسلام إذا روعيت
القراءة الواعية والمتحضرة والسليمة للأقوال
والأفعال. هذه الحالة الجديدة للمرأة لا
تعتبر إفرازا فريدا وحالة لم يشهدها التاريخ
الإسلامي، ولكن عودة على بدء وارتباطا طبيعيا
بعد قوسين من ضلال التقاليد والجور الفقهي،
بالروح التحريرية التي حملها النص الإسلامي
وتجربته التاريخية أيام مجده الحضاري. ألم
تُعرّف النساء المتحجبات بالحرائر وغيرهن من
الإماء والعبيد اللاتي ليس لهن أدني دور في
الحياة العامة!
-
انهيار العلمانية في مفهومها العام كراعية
للحريات ومدافعة عن حقوق الإنسان، وتلوثها
بلغة المصالح الإثنية والقومية وبالمكاسب
الانتخابية على حساب المبدأ والنموذج. هذه
الرجات المتوالية التي ما فتئت تهز ديار
العلمانية حينا واللبرالية حينا آخر، من مثل
قوانين الهجرة في أميركا وانتهاكها لأبسط
الحقوق والحريات العامة، إلى مسجونين بدون
حساب ولا عقاب ولا يحملون أي صفة قانونية، ومن
مثل ما يقع من مضايقات وتهديدات لوسائل
إعلامية لا تمشي وراء الركب وفضلت التغريد
خارج السرب. كل هذه النقاط السوداء التي بدأت
تنهمر ويكثر وقعها على أرض متعطشة لزرع آخر
وزارع جديد، جعلت من العلمانية والليبرالية
قصور رمل واهية لأي موجة قادمة مهما ضعف زبدها.
ولهذه الترهلات وقع شديد في البلدان العربية
والإسلامية التي شهدت وما زالت تشهد تعاظم
العودة للإسلام الفطري، وانهيار المقولات
والشعارات العلمانية والليبرالية التي ساهم
آباؤها في الضفة الأخرى في اهتزاز صورتها،
مما جعلتها تفقد مصداقيتها وتستعد لمغادرة
المشهد السياسي والاجتماعي وهي في حيرة من
أمرها.
تابع في الملف:
*
نقلا عن صحيفة القدس العربي تاريخ 24/12/2003
**
مدير
تحرير مجلة مرايا باريس
|