|

|
|
الحاج خلف يستعيد ذكرياته
|
عرفت
فلسطين صناعة الخيزران من داخل فصول دار
الأيتام التي تعلم فيها الحاج خلف أول
خيزراني فلسطيني -الذي يكمل هذا العام عامه
المائة- وهو الشاهد الوحيد على هذه الصناعة
منذ مولدها في القدس وما ألمّ بها بعد النكبة،
حيث لم يعد فيها مكان لعيدان الخيزران؛
فارتحل هو وخيزرانه إلى غزة بعدما فقد ستة من
أبنائه بسبب المرض، ومنها إلى السعودية التي
استكمل فيها مسيرته، ثم عاد للغالية فلسطين
لِيُدخل الخيزران إلى كل منزل في الكراسي
والموائد والعكاكيز، وليورث صناعة الخيزران
لأبنائه وأحفاده.
مائة
عام من الخيزران
ولد
الحاج رجب عبد الله خلف عام 1903 إبان الحكم
التركي لبلاد الشام، وبعد انتهاء الحرب
العالمية عام 1918 أدخل معهد دار الأيتام
الإسلامية بالقدس في ظل ظروف سياسية صعبة
فرضت على العائلات المرموقة في فلسطين، والتي
كانت تتولى شئون المؤسسات الأهلية آنذاك
كمعهد دار الأيتام الإسلامية الذي تولى
مسئوليته أمين الحسيني.
بدأت
مسيرة الحاج خلف -100 عام- مع الخيزران عندما
انتقل من الفصول التعليمية في المعهد بدار
الأيتام إلى المهنية، وكان ذلك عام 1927 حيث
قامت إدارة المعهد على تعليم الطلبة بعض
الصناعات اليدوية كالنجارة والحدادة
والطباعة وصناعة النسيج، وكان نصيبه
الخيزران ليكون من أوائل طلبة الدفعة الأولى
لصناعة الخيزران الجديدة.
يقول
الحاج أبو هشام: "كانت خطة تعليم أبناء
المعهد جيدة رغم الظروف الصعبة التي كانت
تعيشها فلسطين في ذلك الوقت؛ لذا بدأ المعهد
بتعليم أبنائه الصناعات والحرف المتنوعة
كحياكة السجاد والبسط العربية والأحذية
والنجارة العربية والإفرنجية وتجليد الكتب
وصناعة الخيزران".
بداية
الخيزران الفلسطيني
|

|
|
الحاج أبو هشام أول خيزراني فلسطيني
|
أما
كيف أتت فكرة صناعة الخيزران إلى فلسطين فقال
الحاج خلف: "في عام 1927 ضرب الأراضي
الفلسطينية زلزال شديد تضررت منه مدن
فلسطينية كثيرة على رأسها الرملة واللد
ونابلس؛ ونظرًا للأضرار الكبيرة التي لحقت
بكافة سكان تلك المدن فقد ارتأى القائمون على
معهد الأيتام، وكنوع من الأنشطة الاجتماعية،
افتتاح معرض لجمع تبرعات للمنكوبين من آثار
الزلازل، وقد خلق هذا المعرض فكرة التميز في
صناعة جديدة لم تكن متواجدة في فلسطين وهي
صناعة الخيزران".
يقول
الحاج أبو هشام: "أرادوا التميز في تلك
الصناعة وتعلمها من دولة متقنة لها وكانت تلك
الدولة مصر، وبالفعل سارع المعهد لاختيار ما
يقارب 15 شخصا ليتعلموا هذه الصنعة على يد
حرفيي الخيزران المستقطبين من مصر حيث ربطتها
علاقات صناعية وتجارية قوية مع فلسطين بحكم
الجوار"، ويضيف الحاج أبو هشام الذي أخذ
يبدي حماسة شديدة في سرد المزيد من ذكريات
البداية لاحتراف صناعة الخيزران: "كان من
ضمن هؤلاء الطلبة أنا وأخي سلام، خضعنا لفترة
تدريب وتأهيل بلغت 3 سنوات حيث استطعنا
إتقانها بشكل جيد وبشهادات تقدير مرتفعة".
البداية
من المدينة المقدسة
وبعد
تخرج الحاج أبو هشام مباشرة عام 1930، سارع
المعهد لافتتاح محل خيزران في القدس تحمَّل
تكاليفه المادية كافة وشغله الحاج وأخوه،
وبدأت مسيرة العمل بحماس شديد، وساعد أبو
هشام وجوده بالقدس حيث المدينة المقدسة التي
يؤمها الكثير، كما كان لدى أهالي القدس إقبال
شديد على منتجات الخيزران التي صنع منها
الكثير من الأدوات المنزلية الأساسية
كالكراسي والموائد والعكاكيز.
يقول
الحاج أبو هشام وقد بدت السعادة على وجهه
لتذكر أيام النجاح الأولى في حياته: "كنا
نعمل بإتقان ومهارة وجودة عالية عملت على
شهرة صناعتنا بسرعة، خاصة أن الصناعة كانت
جديدة على البلاد لم يسبقنا إليها أحد، وهذا
ما دفعني بعد عدة شهور لافتتاح فرع آخر لمحل
الخيزران المقدسي في يافا، موطني الأول، وكان
هذا الفرع خاصا بي أنا وأخي سلام حيث دبت بنا
روح الطموح، خصوصا بعد النجاح الذي حققناه".
الخيزران
بعد النكبة وفي غزة
|

|
|
ورشة الحاج خلف حيث يعمل هو وأبناؤه
|
استمرت
مسيرة النجاح والتوسع في صناعة وجدها
الفلسطينيون مقبولة لديهم واعتمدوا عليها في
الأثاث المنزلي خاصة الطبقات الغنية
والمتوسطة منه، ولم تكن تخلو بيوت الفقراء من
منتجات خيزرانية بسيطة، إلى أن حدث ما غيّر كل
شيء في فلسطين وهي النكبة التي غيرت خارطة
العالم.
في
1948 طرد أهالي القدس ويافا من أرضهم، واستطاع
من نجا من قذائف ورصاص اليهود الهجرة إلى
البلاد العربية أو غزة، وكان نصيب الحاج أبو
هشام -وقد بلغ الخامسة والأربعين- أن هاجر إلى
غزة مع زوجته وأبنائه وعائلة أخيه سلام، يقول
الحاج أبو هشام: "قبل الهجرة بأيام انتشر في
البلاد أنه سيتم تغير العملة السائدة، وهذا
ما دفع أصحاب المحال إلى شراء مواد خام برأس
مالهم خوفا من تغير العملة وكنت أنا من بينهم"..
صمت الحاج أبو هشام قليلا قبل أن يكمل: "لقد
تركت كل ما أملك: بيتي ومحلي وذهب زوجتي، ولم
نأخذ معنا ولو عود خيزران.. لقد كان الوضع
قاسيا لا نأمن به على حياتنا".
قبل
الوصول لغزة كان الحاج خلف قد فقد ستة من
أبنائه بسبب المرض وعاد لغزة مع ابنين
وابنتين، وفي غزة ترحل بين بيوت أقاربه إلى أن
تمكن بمساعدة ذويه من شراء بيت وهو ذات الموقع
الحالي الذي يتواجد به الآن. في غزة لم يكن
يتوفر سوى القليل من الطعام لآلاف اللاجئين
وبالطبع لم يكن لعيدان الخيزران مكان، يقول
الحاج أبو هشام: "عندما طردنا إلى غزة مكثنا
ما يقارب 4-5 سنوات دون عمل؛ وهو ما جعلنا نعيش
في ظروف صعبة آلمتنا كثيرا، غير أن حلم
التواصل مع صناعة الخيزران كان يعيش معنا في
كل لحظة".
أنام
وأحلم بالخيزران!
ويضيف
الحاج هشام: "الحمد لله.. لقد تمكنت من السفر
للسعودية وهناك افتتحت محل الخيزران الأول في
السعودية ولم يكن أحد قد سبقني"، وهنا يقطع
الحديث الحاج أبو هشام ليؤكد حبه الشديد لتلك
الصناعة فيقول: "الخيزران هو حياتي، أنام
وأحلم به وأصحو عليه، لقد كان بالنسبة لي
مصيرا يجب أن أسيره". هناك في المملكة
السعودية لاقت تلك الحرفة قبولا ممتازا على
حد وصف الحاج أبو هشام، كما أنه تلقى طلبا
بتعليم تلك المهنة في أحد المعاهد السعودية.
ويحكي الحاج أبو هشام عن كرم الملك عبد العزيز
فيقول بأنه كان يدعو لشراء المنتجات
الخيزرانية بأغلى الأثمان ويشجعنا باستمرار
على تعليمها لسعوديين.
ولم
تكن مسيرة الغربة لتنتهي إلا بالعودة
لفلسطين، وكانت الظروف قد سمحت لسلام أخي
الحاج أبو هشام بافتتاح محل صغير، وبدأ العمل
فيه وتقبل أهالي غزة أدوات الخيزرانية،
واستمرت الصناعة تتطور شيئا فشيئا حيث لم
تقتصر الصنعة على الأغراض الأساسية بل أصبحت
تستخدم في الأطقم والخزانات والدواليب
والنجف والكثير من الإكسسوارات المستخدمة في
المنازل، بالإضافة إلى تنوع الموديلات
وتشكيلها على أكثر من شكل حسب اختلاف الأزمنة
والعصور.
استمرت
مسيرة التطور بإصرار الحاج أبو هشام الذي
اعتمد على أبنائه وأبناء أخيه في تطوير
المهنة فحدثت نقلة نوعية في صناعة الخيزران
في فلسطين؛ حيث استخدم الخيزران في صناعة
الأثاث المنزلي على أحدث طراز.
تطور
الخيزران
|

|
|
أثاث خيزراني
|
يقول
الحاج أبو هشام: "بالطبع صناعة الخيزران
أصبحت مهمة، ونحن الآن نعتمد أحدث الطرق في
صناعة المنتجات الخيزرانية؛ فبعد أن كنا
نستخدم في صناعته الأساسية الأدوات البسيطة
كالشاكوش والكماشة أصبحت الأداة الأساسية
لهذه الصنعة الآن هي البخار؛ فمن المعروف أن
الخيزران يحتوي على الألياف وهي تحتاج إلى
ليونة فيتم استخدام البخار لنستطيع تشكيل
عيدان الخيزران حسب الأشكال التي نريدها"،
ويشير الحاج أبو هشام إلى أنهم يستوردون أفضل
أنواع الخيزران العريض والرفيع وغيرها من
دولتي ماليزيا وإندونيسيا حيث تشتهران
بزراعة الخيزران منذ القدم، وميناء التصدير
لهذه الحرفة هو سنغافورة.
الانتفاضة
والخيزران
قبل
بدء الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 كانت
مصانع الخيزران في غزة تتجاوز 60 مصنعا، لكن
الظروف الاحتلالية قلصت هذا العدد ليصل مع
بدء الانتفاضة الثانية إلى 10، تعتمد الصنع
الشخصي لصاحب المحل. أما عن تصدير تلك
المنتجات قبل الانتفاضة الثانية فيقول الحاج
أبو هشام: "كنا نصدر إلى الأراضي المحتلة
عام 48، وكان الطلب عليها كثيرا بشكل غير
طبيعي، كما كنا نورد إلى أمريكا إلا أن القيود
التي وضعتها قوات الاحتلال من إغلاق وحصار
منعت التصدير، والآن نقتصر على البيع في غزة
ومحافظاتها فقط".
بعد
أن أنهى الحاج أبو هشام خلف حديثه عن صنعته
المعتز بها بابتسامة عريضة ملأت وجهه المجعد
تمنى من شباب اليوم التمسك بالصناعات
القديمة؛ لأنها هي أساس الحضارة، ودعا لأن
يقوموا بتطويرها، قائلا: لقد قمت بتعليم تلك
الحرفة للمئات الذين ما زالوا يحفظون الجميل،
وأنا سعيد جدا بالإنجاز الذي قمت به بوجود
أكبر مصنع للخيزران في فلسطين.
اقرأ
أيضا:
|