بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

تراث وحضارة

مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة


الدُكسي.. وحفظ الإسلام في الصومال

2003/12/06

مقديشو- علي حلني**

أطفال من الجنسين يقرءون على معلمهم

اضغط لمشاهدة ملف الفلاش

"الدكسي" هو الاسم الذي تعرف به خلاوي أو كتاتيب تحفيظ القرآن الكريم عند الصوماليين، ويعد الدكسي المهد الأول للمعارف الإسلامية، وتبدأ منه الرحلة الطويلة مع العلم التي تمر بمراحل متعددة في الحياة الدينية التقليدية في الصومال ومناطق كثيرة من منطقة القرن الأفريقي، وتتمتع الخيام أو الأكواخ المتواضعة التي يدرس فيها الأطفال القرآن الكريم بمكانة ذات قدسية تأتي في المرتبة الثانية بعد المساجد، وحتى في وقت الحروب فإن الثارات القبلية لا تطال هذه الأماكن ومرتاديها؛ حيث إن معلم القرآن من فئة "البيريماجيدو" المحرم قتلها قبليا.

وإلى جانب الخلوة القرآنية أو "الدكسي" -ومعناها "المكان الآمن"- يعد معلم القرآن الدعامة الأساسية التي ترتكز عليها الثقافة الدينية والرائد الأول للعلوم الشرعية والعربية؛ وهو ما جعل إسناد لقب "المعلم" إلى الشخص عملية تكتنفها جملة من الشروط والمؤهلات المعرفية والأدبية ليحق للمعلم أن يتولى رعاية وتربية طلبة حفظ القرآن الكريم الذين يحظون بدورهم بمكانة أدبية رفيعة في الصومال.

وفي هذا المقال بعض معالم الرحلة الطويلة لأهل الصومال مع خلاوي القرآن، وهي رحلة رغم امتدادها -عند بعض الباحثين- إلى العصور البائدة فإن معالمها لم تختف حتى العصر الراهن مع تطور بسيط اقتضته المدنية والظروف الحياتية المتقلبة. وهو ما قد يساهم في فهم ظاهرة التدين العام السائدة لدى شعب الصومال الذي يقطن هذا الجزء الأقصى من جنوب الوطن العربي.

بداية المشوار

في المجتمع الصومالي الذي تعتمد حياته على الرعي والترحال فإن الحاجة إلى معلم القرآن تكون ملحة، عندما يكون لدى العائلة الممتدة أو المجموعة القبلية البدوية الصغيرة عدد كاف من الأطفال؛ فحين يصل العدد إلى ما بين 10 و20 طفلا يعقد آباء العائلات اجتماعا تنسيقيا لإقامة "الكُتّاب"، بعده يتم استدعاء عالم دين أو معلم من منطقة أخرى ليرشح معلما جديدا لهذه المجموعة الريفية؛ فيقدم إليهم بعض الأسماء؛ وذلك لأن المعلمين المخضرمين لا يغادرون قراهم أو مناطقهم إلى أخرى إلا في حالات نادرة.

ويجب أن يتمتع هذا الشاب إلى جانب معرفته العلمية بقدر من الأخلاق العالية والصبر والنشاط، ويكون قد مارس تعليم القرآن كمساعد قبل أن يتخرج، ويخضع بعد ذلك لامتحان معرفي صعب للتأكد من أهليته لممارسة مهمة "معلم القرآن".

وإلى جانب ذلك لا بد أن يكون هذه المعلم قد تعلم على يد معلم معروف في المنطقة أو في غيرها، أو على الأقل ينتمي إلى مدرسة معلم قديم تفرعت عنه مدارس كثيرة، وفي هذه الحالة تكون الثقة به كبرى.

"لامية الأفعال" و"لامية الشاطبي"

هاتان اللاميتان: "لامية الأفعال" لابن مالك الأندلسي و"لامية الشاطبي" للقراءات شرطان أساسيان لا بد أن يكون المعلم حافظا لهما وملما بتفاصيلهما؛ ليكون مؤهلا لأن يكون معلما للقرآن في المرحلة القادمة، وهذان الشرطان وضعا لتحقيق أمرين: الأول: أن يكون المعلم عارفا بعلم الصرف ليحسن تشكيل كلمات القرآن وتصريفاتها، وتلك مهمة علم الصرف الذي تعد لامية الأفعال لابن مالك الأندلسي (ت 1287م) وشروحها لب هذا العلم في الصومال منذ عصور بعيدة وحتى الآن.

أما الأمر الثاني فهو أن يكون عارفا بعلم القراءات ومواضع اختلاف القراءات المتواترة، وتعتبر منظومة "حرز الأماني" المعروفة في الصومال بـ"لامية الشاطبي" (ت 1194م) الدعامة الأساسية لهذا العلم في الصومال، وبحفظها ومعرفتها يتمكن المعلم من أن يستمر في قراءة واحدة في تعليمه للقرآن (القراءة السائدة في الصومال هي قراءة أبي عمر بن العلاء المازني البصري ت 154هـ= 771م برواية حفص بن عمر بن عبد العزيز الدوري ت 246هـ= 860م).

وسبب اللجوء إلى لامية الشاطبي هو الاحتياط في ضبط القراءات لعدم توفر مصاحف للقرآن الكريم في الصومال في القديم؛ فلم تكن توجد سوى نسخة واحدة أو اثنتين في منطقة بعيدة يتم التحاكم إليهما في حالة اختلاف الحفاظ أو المعلمين في ضبط القراءة، وسبب ندرة المصاحف هو عدم دخول المصاحف المطبوعة إلى الصومال؛ ولذلك يتم الاعتماد على المصاحف المخطوطة الباهظة التكاليف والتي لا تتوفر لأي قارئ، اللهم إلا معلما محظوظا أصبح أحد تلاميذه السابقين تاجرا كبيرا مثلا؛ فأكبر مكافأة مادية لمعلمه هي أن يشتري له مصحفا مخطوطا بأثمان خيالية (تعادل ثمن 5 من الإبل أحيانا).

الخلوة.. مكان مقدس

ويتمتع الدكسي أو الخلوة بمكانة أدبية كبيرة في وجدان الشعب الصومالي؛ فهو مكان مرادف لمسجد فيختار له أنظف الأماكن في المنطقة في مكان بعيد عن الضوضاء وحركة الناس والمواشي، ويحظر أن ترعى المواشي في محيطه، وتلحق به مغسلة الألواح وهي كومة من الحجر تغسل عليها الألواح (في المدن يوضع واحد أو اثنان من إطارات السيارات بجانب الخلوة)، ويحظر وضع الأقدام على المغسلة، ومن تعظيمها أن بعض المرضى يأخذون ماء غسل الألواح ويشربونها للاستشفاء.

ويخلو الكتّاب من أي نوع من الأفرش عدا سجادة المعلم، وهي عبارة عن حصير مزركش مصنوع من الألياف ومطرز بريش النعام تصنعه أمهات التلاميذ خصيصا للمعلم، وتوضع هذه السجادة فوق كومة من التربة وسط الكُتّاب يجلس عليها المعلم.

ويدرج كل من المعلم وتلاميذ الكتاب من فئة البيريماجيدو الممنوع قتلها تقليديا في أوقات الحروب، وفي حالة قتل المعلم فإن القبيلة القاتلة تدفع دية مضاعفة 200 من الإبل؛ 100 منها عن نفس المعلم، والمائة الأخرى عن انتهاك حرمة شخصية المعلم.

الجلسة الأولى

عندما يتم الحصول على معلم شاب تُعقد الجلسة الأولى التي تعرف بـ"فَطِيسِن"، وهي أن يدفع والد كل طفل شاة للمعلم، وتُحضر هذه الشياه في المكان ليراها المعلم، ثم يرعاها الدافع مع ما تلده فيما بعد لتضم إلى ثروة المعلم عندما يستقل؛ فالمعلم يجب أن يكون عزبا حتى تخريج الدفعة الأولى من الأطفال؛ ليكون متفرغا للتحفيظ، وعند تخريج الدفعة الأولى يكون حرا في اختيار الزوجة، ويكون له الحق في أن يتقدم إلى خطبة أي فتاة من القبيلة أو أهل الكتّاب، ويكون والدها محظوظا بل مجبرا على قبول الخطبة، فيما يقتسم باقي الأهالي دفع جميع تكاليف القران والزفاف (المهر، والتجهيز، والزفاف وجميع التكاليف التقليدية لحفل لعرس).

الرسوم والمكافآت السنوية

رسوم تحفيظ القرآن باهظة، لكنها محصورة في الريف الصومالي في شيء محدد، وهو دفع شاة عن كل طفل كل 6 أشهر (تتزامن مع موسمي المطر في الربيع والخريف)، وهذه الشاة عبارة عن عنزة لم تلد بعد، وتكون محفوظة للمعلم عند دافعها، وتُسلم هي ونتاجها عند طلب المعلم لذلك أو في حالة استقلاله بعد تكوين الأسرة. وإذا أكمل الطفل القرآن -ويتم ذلك عادة في 3 سنوات- يستحق المعلم ناقة لم تلد بعد، تُسلم هي أيضا للمعلم في حفل تخريج الطفل أو الأطفال حسب التقدم في الحفظ.

وعند تسلم أول ناقة التخرج يكون المعلم قد تكونت لدية ثروة من الماشية تكفي لإعاشة عائلة ويقدم على الزواج، ثم تجمع الشياه ونتاجها إلى المعلم لتستلم زوجته الجديدة رعيها.

وعند الزواج يكون المعلم قد استقل ويأوي إلى بيته مع زوجته ليواصل تخريج الدفعة الأولى من طلبته ويدرس للمتخرجين مبادئ العلم، مثل كتاب "الأربعين النووية" للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي (ت 676هـ= 1277م) في الحديث، و"سفينة الصلاة" لسالم بن سمير الحضرمي، و"سفينة النجاة" لعبد الله بن عمر الحضرمي، و"متن أبو شجاع" أحمد بن الحسين بن أحمد الأصفهاني في الفقه (ت 593هـ= 1197م)، و"بداية الهداية" لأبي حامد الغزالي (ت 505هـ= 1111م) في التصوف والسلوك، و"متن الآجرومية" لمحمد بن محمد بن داود الصنهاجي الفاسي (ت723هـ= 1323م) في النحو؛ ليتسلح الطالب بمبادئ العلم الشرعي وعلوم اللغة العربية والتصوف قبل أن يتوجه إلى حلقات العلم التي لها تقاليدها المختلفة أيضا ليصبح بعدها -وبعد مشاوير متعددة- طالب علم أو عالم دين أو شيخ طريقة أو شخصية اجتماعية محترمة.

تكريمات إضافية

وإلى جانب هذه المكافأة المادية فإن أهل الكتّاب يتحملون تكاليف إعاشة المعلم، ويقتسمونها بصفة شهرية؛ حيث يقيم مع كل عائلة شهرا بالتداول لتوثيق الصلة بين العائلات والمعلم من جهة، وبين المعلم والطفل من جهة أخرى حسب جدول ثابت، وأحيانا يتكفل أحد أثرياء الأهالي بكفالة المعلم في حالة أن الكتّاب مقام في قرية زراعية مستقرة.

أما إذا استقل المعلم وتزوج وأنجب أولادا فإن أهل الكتّاب يقومون بحرث مزرعته وزراعتها وحصدها وجمع المحصول له، وكذلك سقي مواشيه ونقلها إلى مواقع المطر في حالة الترحال، كما يقومون برعاية زوجته وأطفاله طول فترة الترحال في حال انتقال الكتّاب مع العائلات الرعوية، وفي بعض الحالات يترك التلاميذ والمعلم في مكانهم في أكواخ مؤقتة فيما تتولى بعض الجدات طبخ الطعام لهم وللمعلم، ويواصل الأطفال التعلم وتكون باقي العائلات تتتبع مواقع المطر والكلأ طول الموسم ثم ترجع عند هطول المطر في مناطقها الأصلية، وفي هذه الفترة يكون الطلاب قد قطعوا شوطا كبيرا في حفظ القرآن وتعود أسرة المعلم لتبدأ الإقامة الاعتيادية من جديد.

وليمتان: صغيرة وكبيرة

هاتان الوليمتان تعتبران تقليدا لا محيد عنه في مسيرة الطفل الذي يحفظ القرآن، وتتم الوليمة الأولى التي تعرف بـ"الصغرى" عند وصول الطفل إلى سورة "الفجر" وبالذات الآية 13 {فصب عليهم ربك سوط عذاب}، وهي عبارة عن قرب نهاية الحزب الأول في جزء عم، ويقيم والد الطفل وليمة للطلاب والمعلم والجيران احتفاء بطفله الذي بدأ يعرف الحزب الأول من القرآن وتعلم الكتّابة المتدرجة، ويكون ذلك اليوم عطلة احتفاء بهذا الطفل "الحافظ الواعد".

أما الوليمة الكبرى وتعرف أيضا بوليمة "كسر القلم" فهي تبدأ مع تباشير الانتهاء من حفظ القرآن عندما يبلغ الطفل الآية 171 من سورة آل عمران: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}، ويدعى لهذه الوليمة جميع أولياء الأمور؛ حيث يتلقى الطفل المديح والهدايا والتشجيع من الجميع ليشعر أنه أنجز شيئا كبيرا وأصبح جزءا مهما من المجتمع.

وتعرف هذه الوليمة أيضا بوليمة "كسر القلم"؛ لأن الطالب يقوم بكسر القلم الخشبي الذي يكتب به ويرميه ثم يبري قلما جديدا لإكمال الكتابة، وكل ذلك إيذانا بتجاوز المرحلة المهمة من الحفظ واستعدادا لإكمال البقية بنفس الحماس. ولا يبقى للطفل بعد كسر القلم إلا أسابيع محدودة لإكمال حفظ القرآن حيث يسجل حضورا مدويا في المجتمع، ويقيم والده حفلا كبيرا يدعى له أهالي القرية أو المجموعة القبلية، ويدفع للمعلم ناقة لم تلد بعدُ مشفوعة بهدايا ثمينة مثل الثياب والسبحة وزق من السمن وساعة يدوية..

وأول طفل يكمل القرآن من تلاميذ "الكتاب" يتم تعيينه مساعدا للمعلم أو ما يعرف محليا بـ"الكبير"؛ حيث يقوم بمهمة المعلم في حالة غيابه، ويتأكد من مستوى حفظ الأطفال الآخرين، كما أن المعلم يوفده إلى المناسبات التي يعتذر عن عدم حضورها بسبب انشغالاته في الكتّاب.

تعهد مستمر

ولا تختفي علاقة المعلم بتلميذه باختفاء الطفل من الكتّاب بعد حفظ القرآن، ولكن المعلم يسأله عن حالة حفظه في أي مناسبة تجمعهما بعد ذلك، وأحيانا يكون المعلم متشددا في ذلك؛ حيث يطلبه للجلوس والقراءة عليه ليعرف مدى تمسكه بحفظ ما علّمه في طفولته، ويقع الطفل الذي كبر في حرج إذا ما تساهل في متابعة ما حفظه فيجلب إلى نفسه العيب، وقد يكون ذلك عائقا أمامه في المستقبل لتولي مهنة المعلم؛ لأن الناس تشيع عنه أنه نسي القرآن ولم يقدر القراءة على المعلم في يوم كذا.

رحلة العلم الطويلة

وفي حالة ما إذا فرغ الطفل من حفظ القرآن كاملا ودفع والده الناقة وعقد وليمة التخرج وإكرام المعلم بالشال الأحمر والسبحة الجميلة يكون الطفل قد أصبح في حل من الكتّاب، ويكون حرا بعد تلقي مبادئ العلوم الفقهية والنحوية التي ذكرناها سابقا لأن يلتحق بحلقات العلم في منطقته أو يسافر بعيدا لمدن العلم الشهيرة ليدرس على كبار العلماء، والبعض يلتحق بالحياة العامة؛ لأن عائلته تحتاج إليه لسبب ما، ويجد المحظوظون طريقهم إلى الحرم المكي أو الأزهر الشريف ليصبحوا فيما بعد مراجع دينية تقود الحياة الدينية في البلاد عندما تضطلع بالعلم هناك.

هذه المصاعب الطويلة والشاقة التي تلاحق طالب العلم الصومالي من الصغر إلى الكبر هي التي جعلت للخلاوي وللمعلم وحفاظ القرآن الكريم المكانة الأدبية التي يتمتعون بها في الصومال، هذا البلد الذي يكاد الباحث يجزم أن أغلبية أبنائه ذكورا وإناثا مروا على هذه التجربة القاسية والغنية بالعلم والأدب والتربية لتصب في التمسك القوي بالدين الذي اشتهر به الشعب الصومالي قديما وحديثا، وهي التي ساهمت في تخريج أجيال من العلماء الفطاحل الذين أوصلوا شعاع الإسلام ونوره إلى مناطق مترامية الأطراف من شرق ووسط أفريقيا.

 اقرأ أيضا:


** مراسل شبكة "إسلام أون لاين.نت" في الصومال


مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع