بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

تراث وحضارة

مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة


تحف المزادات.. دوام الحال من المحال

2003/12/02

القاهرة- سهير متولي  **

محلات الأنتيكات شاهدة على أزمان ولت

"دوام الحال من المحال" مقولة نُطلقها بأسى ربما على حب أو ثروة أو جاهٍ أو صحة لم تدم. وهي مقولة تصح تماما على تلك المحلات التي تكتظ بلا نظام أو ترتيب بتفاصيل أزمان ولت ومضت. أنتيكات وأدوات أصيلة وأصلية، لم يستطع الإهمال والغبار و"الجنزرة" أن تُخفي لمعة تُطل على استحياء من بعض أجزائها. لمعة تشبه زفرة حزن أطلقها عجوز أنهكته الأيام على أيام صباه.

 الأنتيكات.. زمن وحكايات.. تفاصيل وشهود صامتون على أفراح وأحزان أو ربما فواجع! أنتيكات تثبت أن للجمادات روحا، نعم لها روح تثب ببريق الاهتمام، أو تنزوي مقهورة في ظلمة الإهمال. دعونا نتوقف على أبواب هذا العالم الآتي من زمن بعيد.

العاديات أنواع

العاديات هي التحف والأنتيكات، وهي إما أدوات وآلات عادية جدا كانت للاستخدام اليومي. لم يكن يُهتم سوى بدورها العملي كأداة أو آلة، ولكنها تتحول بمرور الزمن إلى تحفة. وهي تستمد قيمتها من انقراضها إنتاجا واستخداما، مثل المكواة الحديدية ومصابيح الكيروسين و"وابور الجاز"... إلخ.

أما النوع الثاني من التحف فيشمل الأدوات والآلات التي استخدمت قديما، ولكنها تتميز بجمال خاص، وارتقت فيها الناحية الجمالية والفنية؛ فخرجت من ضيق الاقتصار على دورها العملي في المنزل، وتحولت إلى قطعة فنية ديكورية، مثل الشمعدانات التي كانت تستخدم في الإنارة، ولكنها بدلا من أن تقتصر على كونها أسطوانة نحاسية يوضع الشمع بداخلها تحولت إلى تمثال لفتاة رائعة الجمال ترفع يدها بشعلة تستقر بداخلها الشمعة، فتحولت من مجرد مصباح إلى قطعة فنية.

كما أن هناك العديد من الأدوات التي حظيت باهتمام فني عالٍ رغم أنها للاستخدام اليومي كالمباخر والصواني النحاسية والأباريق والشكمجيات... إلخ.

أما النوع الثالث من التحف فهي التحف التي ولدت لتعيش وتبقى تحفا كالتماثيل والفازات والبراويز المُطعمة بالصَدَف... إلخ؛ تلك هي أنواع التحف التي كانت تجتمع في المنازل، وتجتمع الآن في محلات التحف.

عمي "رجب نجم" عاشق التحف

عمي رجب بائع التحف

عمي رجب نجم أحد تجار التحف الذين يعشقون عملهم؛ فهو لا يتعامل مع التحف بمنطق التاجر ولكن العاشق؛ فهو لا يكتفي بعرضها للمشترين، ولكنه يزين بيته ببعضها للاستمتاع الشخصي بها. كما أنه يمتلك حسًّا إنسانيا يجعله لا يستطيع التفريط مثلا في برواز مرآة كبيرة مزخرفة بدقة فائقة، ليس لأنه هو شخصيا يحبها، ولكن لأنها ببساطة "من ريحة والده"، وبالرغم من الإغراءات المادية لم يتنازل عم رجب عن البرواز الذي يعشقه ويضعه في مكان بارز في محله.

كما أنه لا يستطيع شراء تحفة يعاني صاحبها من أزمة مادية، ورغم علمه أن صاحبها سيذهب بها إلى تاجر آخر فإنه يقول: إنه لا يحب المتاجرة في تحفة اضطر صاحبها لبيعها "غصب عنه"!

أما حكايات عمي رجب فهي كثيرة، منها ما يخص سلوكه الإنساني مع تجارته، ومنها ما يخص رؤيته لأنواع زبائنه. أما ما يخص سلوكه فيحكي لنا -والعهدة على الراوي- عن تلك المرأة التي طلبوا منه رؤية ما لديها من التحف ليشتريها، وعندما ذهب إليها وجدها تقف بين الجنون والموت بسبب استشهاد ولديها، وأنهم يريدون بيع التحف للنفقة عليها، ولكن عمي رجب أعطاهم مبلغا كان معه، بل إنه كان كل ما يملك، ولم يأخذ التحف، وتحجج بأنه سيمر عليهم لاحقا، وخرج لا يدري ماذا يفعل، وهو لم يكن يملك إلا ما دفعه للمرأة، ولم يتراجع عن قراره: "لن آخذ تلك التحف ما دامت المرأة على قيد الحياة"، وبارك الله له، ولم يذهب لأخذ التحف إلا حينما جاء إليه من يخبره بموت المرأة.

أما الحكاية الثانية فكانت في "سمنود" (بمحافظة الغربية)، حينما كان يريد أن يشتري "تسريحة" قديمة، واتفق مع صاحبها على المبلغ، وذهب ليحضر له "الشاي.. تحيته"، فدخلت ابنته، وطلبت من عمي رجب أن يترك التسريحة، فسألها: لماذا؟ فقالت له: "دي آخر حاجة من ريحة أمي"، وأعطته سلسلة ذهبية كانت ترتديها، فوضع السلسة في درج التسريحة وتوكل على الله تاركا التسريحة والسلسلة. فعمي رجب ببساطة لا يستطيع شراء تحفة يشعر بأن صاحبها مرتبط بها عاطفيا!‍

هواة التحف

لم يستطع الإهمال والغبار إخفاء لمعة الأصالةُ التي تطل على استحياء

أما أنواع الهواة كما يراهم؛ فمنهم مُحبو التحف "بجد"، وهم الذين يستمتعون بالقطع الفنية ويقدرونها، وهم من يستطيعون بالزمن والخبرة معرفة القطع الأصلية من المقلدة. وهم من يكلفونه بالبحث عن قطع معينة؛ مثل راديو قديم جدًّا أو قطعة مفقودة في أحد الأطقم النحاسية، وهؤلاء لا يرهقونه في "الفصال".

وهناك الأثرياء الذين لا يشترون التحف لجمالها أو لقيمتها، ولكنهم يشترونها ليقال عنهم: إنهم يمتلكون "حاجة مش عند أي حد"‍. كما ينقسم الهواة إلى زبائن دائمين وزبائن لمرة أو مرتين فقط، وقديما كانت نسبة الهواة الدائمين أكثر من الآن، كما أصبح أغلب الزبائن الآن من السائحين لا المصريين!

ويقول عمي رجب: إن هواية جمع التحف هواية مُكلفة، ولكن من يقع في غرامها لا يستطيع الفكاك منها. ومن الهواة من يتبنى نظرية التغيير الدائم لتحفه؛ فهو يريد الاستمتاع بأكبر قدر من التحف، وقد لا يسعفه وضعه المالي لذلك؛ فيقوم ببيع تحفه واستبدال أخرى بها؛ فهو لا يستطيع أن يستغني عن هوايته، كما أنه لا يحتفظ بتحفة واحدة مدى الحياة، وهو اتجاه ينسحب على أشياء عديدة في الحياة لا على التحف فقط!

وهناك من يشتري التحف، ويحتفظ بها، وقد لا يتنازل عنها طيلة حياته، بل إنه قد يرتبط بها عاطفيا، ويصاب بالاكتئاب لو حدث أن باعها مثل الرجل الذي باع "شكمجية"، ثم عاد لاستردادها؛ لأنها تخص "أم العيال" الراحلة!

إنها إذن الهواية التي قد يستبدل الهواة معها بارتباطهم بالبشر ارتباطهم بالأشياء! وهي الهواية التي قد تدفع المحيطين بالهاوي إلى اتهامه ربما بالسفه، ولكنهم بعد رحيله يقومون ببيع تحفه؛ فيجنون ثمرة هذا السفه أموالا، وعندها يترحمون عليه!

شاهد على أفراح وأتراح

أما هذا الزحام غير المرتب في محلات التحف فهو يعيدنا إلى مقولة "دوام الحال من المحال"؛ فكل هذه الآلات والأدوات والتحف كان لها دور وحضور مختلفان في المنازل التي جاءت منها؛ فتلك الصينية النحاسية ربما كانت في بيت وكانت شاهدة على أحداثه من أفراح، وربما قُدم عليها "شربات" البنت "البكرية" عند زواجها، وربما قامت العروس نفسها بجلوها حتى تتلألأ ببريق الأمل في سعادتها القادمة، وربما قُدمت على نفس الصينية فناجين القهوة في عزاء أحد الأحبة الراحلين.. ربما.. وربما.. أما الآن فهي تقبع في المحلات في زمن متوقف تنتظر من ينتشلها من مواتها ويمنحها حياة جديدة في بيت جديد.

 اقرأ أيضا:


** كاتبة مصرية


مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع