|
هل
أغرق الحبيب الجفري وإخوانه الأمة في
الروحانيات التي تشغلها عن أولوياتها، أم
أنهم جاءوا في لحظة "جوع" من الروحانيات
و"فقر" في المشاعر فوجد عندهم الناس -خاصة
الشباب والمترفين- الملاذ؟.. يمكنك أن تتبنى
أيا من هذين التفسيرين، وستجد ما يدعمك؛ لكن
ما رأي الحبيب؟
*
لو تكلمنا في مضمون هذه الدعوة، فالبعض يرى
أنها ترفع عن هذه النخب الإحساس بالذنب دون أن
تلزمهم بشيء يشق على النفس؛ أي تقدم لهم الدين
بمواصفات خاصة، فما رأيك؟
-
أن يبسط الخطاب الإسلامي بحيث يشعر كل إنسان -مهما
كان بعده- أن الدين ليس بعيدا عنه، وهذا ليس
بعيب في الخطاب. على أن دعوى أن هذا الخطاب
يزيل عن كواهلهم الشعور بالمسئولية هي أيضا
غير صحيحة.. لأننا نراهم يبكون ولكن يغيرون
مسالكهم في تعاملاتهم مع الآخرين، فعلى سبيل
المثال: رجل أعمال معروف في بعض الدول العربية
حضر بعض المحاضرات وكان يبكي بحرقة وبألم
وكان عنده شعور بالندم.. ثم حضر مجلسا حول
الأدب والتواضع مع الخلق في التعامل وأن
المؤمن يلقى أخاه فيصافحه.. وغيره.
وبعد
أيام قابلته وقال: الله يسامحك يا شيخ، لأني
سمعت كلامك ثم نزلت من مكتبي و(جيت على نفسي)
وألقيت التحية على البواب -وهو ما لم أكن
معتادا عليه- فبُهت البواب وتردد في رد
السلام، ثم سمعته يضرب كفا على كف مستغربا، ثم
يقول: لا اله إلا الله.. هو جرى لعقله حاجة!! .. (وحكى
مواقف أخرى مشابهة)، ثم قال: إنكم دعوتمونا
ببساطة فتقبلنا هذا، وبسرعة اقتنعنا به
وشعرنا أنه هو الوضع المنطقي الصحيح الذي غاب
عنا سنوات طويلة، ولكنا وجدنا عند تطبيقه
صعوبة تحتاج إلى مجاهدة النفس.
إذن
ليس هناك تسطيح للخطاب الإسلامي، ولكن هناك
تبسيط بمعنى التجريب، فإذا أخذه الفرد شعر
بمسئوليته أمام نفسه، بدليل أنك ترى في خطاب
مثل خطاب الأستاذ عمرو خالد ثمرات واعدة ..
أعداد من النساء تحجبن، وأعداد من الرجال
تابوا عن الإساءة .. إذن هناك تغيير في حياة
الإنسان، وليست المسألة تسطيحا، إلا إذا كان
البعض يرى أنه ينبغي على الدعاة ألا يجربوا
معنى الالتزام في نفوس الناس؛ فهذا مبحث آخر!!.
*
البعض يرى أن هذا الخطاب ركز على جانب وأغفل
جوانب أخرى، فركز على الروحانيات والجانب
العاطفي في الدين وترك -بشكل صارخ- أشياء
أخرى؛ فبدا كأنه ناقص؟
-
قرأت هذا لأحد الصحفيين المرموقين وهو يهاجم
هذا النوع من "تسطيح الخطاب الديني وشغل
الناس بالبكاء والروحانيات كشيء من تغييب
الناس عن واقعهم وأدوارهم والتنفيس عن مآسيهم
المعاصرة.." هذا الكلام نحسن الظن في صاحبه،
ولن نناقشه، ولكن نقول: جزاكم الله خيرا ..
أنتم ربما لم تسمعوا بقية الخطابات.
أن
يكون الإنسان "سوبرمان" يضع كل المقاصد
الشرعية في خطاب واحد، هذا لا يعقل، لكن عندما
تتكلم مع أناس في المرحلة الأولى من إقبالهم
على الله فأنت لا شك في حاجة لإثارة عاطفتهم..
وإذا جلست مع أناس آخرين يغلب الجانب الفكري
على طريقة تفكيرهم فلا بد أن تخاطب الفكر أولا..
وإذا جلست مع آخرين يغلب الجانب البحثي
والعلمي على طريقة حياتهم فستطرح معهم
الجوانب الفقهية والجوانب العلمية.. وهكذا.
والمقصود
أن وجود خطاب يحمل صبغة معينة هو مدخل إلى من
تغلب عليه هذه الصبغة.. ثم يدخل منه إلى بقية
الخطابات الدينية، وليس من العيب أن يوجد من
يخاطب في جزئية ويوجد غيره يخاطب في جزئية
أخرى، أو من يخاطب هذا في جزئية ويخاطب غيره
في جزئية أخري..
وأريدك
أن توصل إلى من يقولون ذلك أن النقد سهل ولذيذ
على النفس، لكنه لا يبني أمة.. والذي يبني أمة
هو النقد الذي يقوّم.. ومن ينقد ليقوّم فأنا
خادم له، عليه أن يشير بيده وأنا آتيه فأستمع
له وأستفيد منه، بدلا من أن نجعل وسائل
الإعلام مشغلة للأمة.. هذا النقد هو الذي يشغل
الأمة الآن عن فهم واقعها وليس الخطاب الروحي..
فأقلامكم الرائعة وأساليبكم المؤثرة هذه إذا
وجّهتموها إلى جهة ربط القلوب بالله وإعانة
العقول على أن تقوم بدورها في الحياة
لالتقينا نحن وإياكم على البناء.
*
كثيرا ما يكون النقد للتصويب فالإغراق في
الخطاب الروحي غالبا ما يكون على حساب قضايا
الأمة؟
-هذا عجيب يا سيدي.. أين الإغراق؟ الأمة تعاني
أزمة روحية كبرى.. الأمة لم تتحول إلى
الرهبانية حتى أقول إني أغرقتها في الروحانية..
الأمة تعاني من ظلم المادية الذي طغى على
إنسانية كثير من أفرادها.. تعيش تفكك الأسر
وتعيش في الظلم والغش والكذب والافتئات
والسرقة والجبروت في تعامل الناس مع بعضها،
وتركها للصلاة وتركها للآداب.. يعيش الأفراد
في جفوة لأقرب من يتعامل معهم من البشر حتى
صرنا نسمع عن قضايا العقوق التي تصل إلى حد
قتل الآباء والأمهات.. الأمة تحتاج إلى رقي
روحي، فنحن لم نصل إلى حد التشبع الروحي الذي
يتكلمون عنه حتى نغلق هذا الكلام ونتحدث في
أشياء أخرى.
*
هذا الخطاب يمكن أن يتغير وفق العصر؟
-
لن يتغير، إنه لا منتهى له ولأن أمتنا في حاجة
إليه في كل العصور.
*
أقصد هل نبني عليه؟
-
بالطبع.. فهذا الخطاب مقدمة تنبني عليها باقي
الخطابات.. فمثلا من يرتكب كبيرة الزنا هل
يجهل أنها حرام؟ بالطبع لا.. إذن لا تنقصه
حيثية علم، وهو لا يغفل أن الزنا يمكن أن يسبب
له مرضا خطيرا، ويعلم أنه قد يفضح وتنزل
منزلته بين الناس و.. و..، إذن فهو لا ينقصه طرح
عقلي، ولكن ينقصه طرح روحي إيماني.. إن في
باطنه الخوف من الله عز وجل، وإذا وصل ذلك
لإنسانٍ تحول من ضعيف إلى قوي، ووجه القوة أنه
يملك زمام نفسه .. ولو تأملت جميع مصائب الأمم
لوجدت أن القاسم المشترك بينها هو ضعف الكثير
من أفراد هذه الأمم أمام نزغات أنفسهم، فإذا
أعان الله الإنسان على أن يملك زمام نفسه فهو
الإنسان القوي الذي بمجرد أن ترقيه عقلا أو
علما أعطيته.
على
أن القول بأن خطابنا روحي مجرد غير مسلم به
لأننا نعطي دروسا في الفقه للمبتدئين في فقه
العبادات مثلا.. نحن لا نفرد الخطاب الروحي،
وإذا أفردناه فليس بعيب.
تابع في هذا
الموضوع:
|