|

|
|
السينما الأفريقية تناقش قضايا مجتمعها |
تنسمت
مدينة "وجادوجو" عاصمة بوركينافاسو عبق
الإبداع الفني على مدار أسبوع كامل في الفترة
من 24 أغسطس إلى 3 سبتمبر الجاري عندما أبحرت
سفينة "المهرجان الأفريقي للأفلام
السينمائية" بحثا عن لؤلئها ومرجانها،
ويعتبر هذا العرس الثقافي ثاني تجمع للفنانين
الأفارقة في الألفية الجديدة، وهو الثامن عشر
من نوعه، ويقام مرة كل سنتين في بوركينافاسو.
وقد
امتلأ ميدان الإستاد الجمهوري حين تدفق أكثر
من عشرين ألف متفرج يوم الافتتاح في الرابع
والعشرين من أغسطس لمشاهدة الأفلام المعروضة
من مختلف البلاد الأفريقية الغنية بتعدد
الأعراق والاتجاهات الثقافية. العشرون ألف
متفرج ساقهم الشغف والنهم الشديد للفن
الأفريقي، وقد تعشوا على وجبة فنية متميزة من
دولة "الجابون" حيث افتتح المهرجان
بالفيلم الجابوني "الفيلة ولعبة الكرة"
الذي نال استحسانا منقطع النظير لدى جمهور
المتفرجين.
وقد
انعقد المهرجان الأفريقي للأفلام السينمائية
هذا العام تحت شعار "السينما الأفريقية
والتكنولوجيا الجديدة" حيث نوقشت من خلال
ندوات وجلسات عمل متعددة المشكلات والتحديات
التي تواجه صناعة الفيلم والأعمال الفنية في
القارة الأفريقية.
وقد
انصب التركيز هذا العام على مناقشة مشكلة
تحديث صناعة الأفلام والعقبات التي تواجهها،
والدور الذي يمكن أن تقوم به الاتجاهات
العالمية نحو الخصخصة ومدى استفادة أفريقيا
من ذلك.
أكثر
من مائة فيلم في المهرجان
وضم
المهرجان أكثر من مائة فيلم أفريقي شارك
عشرون منها في المنافسة الخاصة بالأفلام
الطويلة التي تتنافس على كبرى الجوائز
المقدمة في المهرجان، وهي جائزة "يانجاهورس"
والتي تقدر بخمسة آلاف يورو، إضافة لذلك هناك
أكثر من أربعين جائزة مخصصة للأعمال الفائزة
على مستويات مختلفة، وشاركت أفلام سينمائية
قصيرة في المهرجان وكذلك أفلام تسجيلية.
كما
أتيحت الفرصة للأعمال الفنية التلفزيونية،
حيث شارك في المهرجان حوالي عشرين عملا
تلفزيونيا متميزا، وقد أقيم على هامش
المهرجان معرض أفريقي لأعمال وصناعات فنية من
مختلف الفنون مثل (الزركشة- التشكيل- الرسم-
النحت) وغيرها، وبلغت هذه الأعمال
المعروضة خمسمائة عمل فني.
ملتقى
نجوم الفيلم الأفريقي
وشاركت
أكثر من 40 دولة أفريقية وغير أفريقية بوفودها
في المهرجان وقدمت أعمالا فنية في المنافسة،
كما ضم المهرجان كبار المحترفين الأفارقة
المختصين بصناعة الأفلام والأعمال الدرامية،
كما تميز مهرجان هذا العام بمشاركة كبار نجوم
الفن والأغنية الأفريقية ومن بينهم المغني
السنغالي الشهير "يوشع أندور" ونظراؤه
من الجابون وساحل العاج وبوركينافاسو
وزامبيا وغانا وغيرها، ويبلغ عدد المغنين
الأفارقة المشاركين هذا العام 20 مغنيا
أفريقيا.
معوقات
التبادل السينمائي الأفريقي
وقد
احتدمت المناقشات في ورش عمل أقيمت حول "معوقات
التبادل السينمائي بين الدول الأفريقية وسبل
تعزيز التعاون"، وقد اتسمت بالصراحة
والمكاشفة بين المدرستين السائدتين في هذا
المجال في القارة الأفريقية، وهما: المدرسة
الأنجليفونية المتمثلة في الدول الأفريقية
الناطقة بالإنجليزية، والمدرسة
الفرانكفونية المتمثلة في الدول الناطقة
بالفرنسية، كل مدرسة متمسكة بخطها ولا تريد
أن تقع في تبعية الآخر بدعوى أنها مستقلة
تماما عن الطرف الآخر.
وكانت
الإشكالية الرئيسية بين الطرفين تكمن في
تساؤل رئيسي مطروح وهو: من يأخذ ممن؟ وأي
نموذج جدير بالتقليد؟ هل تأخذ المدرسة ذات
الأقلية العددية من المدرسة ذات الأغلبية
العددية؟
إشكالات
وتساؤلات عديدة لم يجد المشاركون لها حلا
صريحا، ومن الموضوعات الساخنة التي ألهبت
مشاعر المداخلين والمتحدثين في النقاش سؤال
مهم هو: لماذا فشلت الأفلام الأفريقية؟
وكانت
ورقة السيد مارتن ماغو مدير المؤسسة الوطنية
للإنتاج السنيمائي في زيمبابوي، محاولة
جريئة للإجابة على هذا السؤال، وهي ترى أن
عقدة الأمركة أو الهيمنة الأمريكية على صناعة
الأفلام -متمثلة في "هوليوود"- هي العقبة
الرئيسية أمام الأفلام الأفريقية، وقد بررت
ذلك بالقول: تحظى الأفلام الأفريقية على
مستوى جمهورها المحليين وفي المهرجانات
الدولية في أوربا والولايات المتحدة
الأمريكية بالاحترام الكبير والقبول. لكنه
أشار إلى التحدي الذي يواجه صنّاع الأفلام
السنيمائية والتلفزيونية الأفريقية ويتلخص
في الدقة المتناهية التي تفحص بها أفلامهم في
هوليوود؟ وبررها بالنظرة الاستعلائية من
الأمريكيين تجاه الأفلام غير الأمريكية
والأفريقية على وجه الخصوص، حيث يتم مقابلة
الأعمال الأفريقية وصناع الأفلام الأفريقيين
بروح الانهزامية، كما يرى مارتن، وأشار كذلك
لمعيار الربح المادي الذي يقف حائلا للحكم
على نجاح الأفلام الأفريقية، ولم تغفل
المداخلات الأخرى التطرق للمشكلات الداخلية
المرتبطة بالإنتاج السينمائي وصناعة الأفلام.
وقد
صاحب فعاليات المهرجان أنشطة فنية متنوعة
استحوذت على اهتمامات الجماهير من بينها:
سباق المبارزة بين فرسان أفارقة، وعروض خاصة
للرقصات الشعبية الأفريقية والتي أثرت
المهرجان بتنوعه الكبير وحظيت باستحسان
الزوار الأجانب من الدول الأوربية، كما أقيمت
على هامش المهرجان معارض للعقاقير الشعبية
الأفريقية نالت رواجا وإقبالا كبيرين في
أوساط الجماهير، كما قدم وفد نسائي سوداني
عرضا خاصا للأزياء السودانية.
الأفلام
المعروضة في المهرجان
 |
|
الفيلم المغربي (وبعد) يشارك في المهرجانات الأفريقية |
عرضت
في المهرجان أفلام كثيرة من بينها:
الفيلم
الجابوني "الفيلة ولعبة الكرة" ويحكي
الفيلم الممارسات السرية الخاطئة التي تجري
خلف ستارة السياسة في عدد من الدول
الأفريقية، وينحو نهجا نقديا للأوضاع
الداخلية الزاخرة بالعديد من مظاهر الفساد
والمحسوبية.
الفيلم
البوركينى -بوركينافاسو- "رحلة إلى أووانعا"
وهو فيلم يجمع بين الكوميدية والجدية في
تناوله لقضية رجل فرنسي ومشكلاته في التأقلم
مع العيش في أجواء أفريقيا رغم طبيعتها
الجميلة، وقد أبرز الفيلم كيف احتفى
البوركينيون وأحسنوا ضيافته وصحبته، حتى
تأقلم واستوعب الأوضاع ونسي موطنه الأصلي.
كما
فازت ثلاثة أفلام من ساحل العاج بجوائز قيمة
في المهرجان وهي: أدنغامان، وسوار ثلاثة،
والطموح "كناوغو". ويحكي فيلم "أدنغامان"
عن قضية تجارة الرقيق وكيف تراها عيون
أفريقية ذات حس بمسئوليتها تجاه الوطن، في
حين تدور فكرة فيلم "سوار ثلاثة" حول
أطفال ثلاثة تربوا مع بعضهم وسرعان ما فرقتهم
المصائب والشدائد بعد أن أصبحوا أيتاما، ثم
شاءت الأقدار أن يلتئم شملهم بعد حقبة من
التفرق والشتات، ويرجع الفضل في ذلك -كما يروي
الفيلم- إلى الأسورة الثلاثة التي يلبسها كل
من التوائم منذ الصغر في معصمه.
وأما
فيلم "الطموح كناوغو" فيحكي عن قبائل "بولو"
القاطنين في شمال ساحل العاج ومغامرات
أبطالها في الأدغال والغابات الوعرة في
أفريقيا.
ومن
الأعمال التلفزيونية المميزة فيلم "آه
امرأة" ويدور العمل حول قصة امرأة جشعة
تلهث بنهم شديد وراء الرجال الأثرياء، وبلغت
بها الحال إلى أن طلبت الطلاق من زوجها... وهو
من الأعمال الفنية التي تنتقد الممارسات
السلبية في أوساط النساء في المجتمع.
تاريخ
المهرجان
 |
|
لماذا فشلت الأفلام الأفريقية؟ |
وتجدر
الإشارة إلى أن أول مهرجان أفريقي للأفلام
السينمائية بدأ في عام 1969 في مدينة وجادوجو في
بوركينافاسو، ثم تتابعت وتواصلت إقامته كل
سنتين، وقد تبنى فكرة إنشاء مهرجان أفريقي
خالص لأفلام الاتحاد العام للسينمائيين
الأفريقيين.
وقد
كانت الأوساط الفنية تشهد قبل ميلاد فكرة
المهرجان، أسابيع خاصة للسينما الأفريقية،
وكثيرا ما تقام معارض للسينما الأفريقية على
هامش المناسبات الفنية الدولية المختلفة،
فعلى سبيل المثال أقيم على هامش مهرجان كان
الفرنسي أسبوع السينما الأفريقية عرضت فيه
أكثر من عشرة أفلام طويلة.
وقد
شهدت مهرجانات الأفلام الأفريقية تطورات
ودفعة قوية خلال فترة السبعينيات عندما
تلاحمت الحركة الفنية الأفريقية والعربية
وألقت الأفلام العربية بظلالها الكثيفة على
أوضاع وفعاليات المهرجان، ففي مهرجان
الأفلام الأفريقية المقام سنة 1974 في مدينة
وجادوجو، شاركت الجزائر بفيلم "لتحيا
الجزائر" إخراج أحمد راشدي، وفيلم "سنعود"
إخراج محمد سليم رياض، الذي تناول القضية
الفلسطينية، وشاركت تونس بعدد من الأفلام
منها "صراخ" إخراج عمار، و"في بلاد
الطرني" إخراج حمودة حليمة، ومن المغرب
فيلم "غدا" إخراج باباي، وفيلم "ألف يد
ويد" لسهيل بركة.
ومن
الأفلام الأفريقية غير العربية المشاركة
فيلم "رحلة الضبع" بلغة الولوف، إخراج
جبريل ديوب من السنغال، وفيلم "سكتت الطبول"
إخراج فيليب موري من الغابون، وفيلم "هذا
ما يسمونه الحب" إخراج كينج أمباو من غانا،
وفيلم "نيجيريا واحدة" إخراج هنري هارفي
من نيجيريا، وفيلم "يضيء الليل" من غينيا.
ويمكن
القول إن المهرجان الأفريقي للأفلام
السنيمائية والتلفزيونية هذا العام قد حقق
واحداً من أكبر أهدافه، وهو إيجاد حلقة تواصل
ومنبر إعلامي حر للمبدعين والفنانين
والخبراء في مجال الإنتاج السينمائي
والتلفزيوني الأفريقي.
|