|
"الإصلاح"..
تكفي الكلمة في أي جملة لتثير أسئلة عديدة
تبدأ بكل أدوات الاستفهام: ما، ماذا، أين، متى،
كيف... لكنها بعد ما يشهده عالمنا العربي
والإسلامي صارت تجبر السائل على البدء بـ"كيف"،
يتبعها بكثير من الأسئلة القلقة والمقلقة
التي تبدأ غالبا بـ"هل" و"ما" في
المقابل!!
هل
يمكن أن تلتقي إرادة الخارج في التغيير مع
إرادة الداخل في الإصلاح؟
كيف
يلتقيان؟ وإن كان ذلك ممكنًا فبأي شروط؟
كالسائل
المجبر طرحنا أسئلتنا السابقة على المستشار
طارق البشري لتتوالى الأسئلة حول علاقتنا
بالآخر:
هل
بإمكاننا صياغة خطاب إسلامي إنساني يتجاوب مع
المشكلات والمشتركات الإنسانية؟
ما
الأجندة المتوقعة لمثل هذا الخطاب؟
وكيف
يرى ملامح النخب الجديدة وأجندتها ومعايير
التصنيف وشكل العلاقات بينها واحتمالات
التقارب والتباعد بينها؟..
**هل يمكن أن تصادف الضغوط الخارجية الرغبات
الداخلية، ويلتقي الاثنان في محاولة للإصلاح
الداخلي؛ فتتفق آمال الداخل في الإصلاح مع
رغبات أمريكا في تغيير المنطقة باتجاه
الديمقراطية؟
-
يجب ألا نقع في هذا الوهم؛ فأمريكا لا تريد
إصلاحًا داخليًّا، ولا تريد ديمقراطية في
البلاد؛ فالمفهوم الأمريكي للديمقراطية
والحرية غير مفهومنا تمامًا؛ فدخول أمريكا
العراق باسم التحرير ومع كلمة تحرير تقرن
كلمة احتلال، واللفظان يجري استخدامهما في
السياسة الأمريكية في هذه الآونة، فهم
يستغلون لغة الديمقراطية والتحرير بقصد
تحقيق مصالحهم.
**وماذا ترى في تجربة تركيا الديمقراطية ودعم أمريكا لها بإجبار العسكر على قبول الخيار الديمقراطي الذي أتى بالإسلاميين؟
-لم يتبين آثارها بعد، هي تجربة يقوم بها حزب
العدالة، ولا أعلم إذا كانت ستنجح أم لا.
**ألا يمكن أن تتلاقى القوة الإسلامية التي تعد
الأساس في القوة الشعبية والمصادرة دائمًا في
عالمنا العربي مع الرغبات الأمريكية في
التغيير؟
-
هذا أول طريق الضلال؛ فالسياسة الأمريكية
سياسة عدوانية استعمارية، أتكلم عن السياسة
الأمريكية وليس الأمريكان، ولن تقبل هذه
السياسة إلا أن تكون تابعًا سواء لسياسة مثل
سياسة بوش أو سياسة كلينتون؛ فكان الرئيس
السادات يفكر دائمًا في أن يثبت لأمريكا أننا
قادرون على حماية المصالح الأمريكية
بالمنطقة؛ فيستغنون عن الإسرائيليين؛ فماذا
كانت النتيجة؟ ازدياد دعم إسرائيل عما سبق.
**هناك مقولة بأن أمريكا هي المسيطرة على
الأمور في المنطقة.. فلماذا لا يتم التفاهم مع
أمريكا من جانب القوة المقهورة الوطنية
المحجوبة عن الشرعية والتي نالت من تعسف
الحكم والسلطة؟
-
لم تسمح أمريكا لأحد أن يتفاهم معها منذ 30
عاما، حتى السعودية التي ارتبطت معها بعلاقات
منذ 50 عاما، وهناك تجربة شاه إيران الذي كان
رجلها في المنطقة، ورغم ذلك لم تسمح له أمريكا
بدخولها لاجئًا بعد الثورة عليه وخروجه من
إيران. وهذا هو وضع الحركات الإسلامية في
أفغانستان التي تحالفت مع أمريكا فلم تستفد
بشيء؛ فمن يتحالف مع أمريكا تضربه بعد انتهاء
التحالف مباشرة، أو فور انتهاء الهدف من
تحالفها معه، قبل أن يستقل عنها تضربه مباشرة
تمامًا مثل السياسة الصهيونية: اضرب الأجير
قبل أن يجف عرقه! وكلما أعطيت تنازلا في
الناحية الوطنية أخذوه بلا مقابل؛ فخريطة
الطريق توجب الموافقة بلا قيد ولا شرط، ولكن
شارون لم يوافق؛ لأنه في ثاني يوم من مبادرة
ولي عهد السعودية مباشرة ضرب الفلسطينيين
مباشرة؛ فكان في 29 مارس الاجتياح للضفة؛ فهل
هؤلاء من سيتم التفاهم معهم وسيفهمون النوايا
الحسنة؟! لقد حاولنا بالفعل إيجاد صيغة تفاهم
ولكنهم لم يقبلوا.
**وهل ترى أن هناك قدرًا من الأرضية المشتركة
بين قوى المجتمع المدني في بلادنا والمجتمع
المدني الغربي حتى داخل الولايات المتحدة
نفسها؟
-
نعم، ويجب أن نضع في اعتبارنا أن هناك قوى
أخرى في أمريكا غير النظام الحاكم يجب أن
نلتفت إليها، كذلك الالتفات إلى أوروبا
وشعوبها. وفي الحقيقة أن الحملة العالمية
التي تمت للضغط على الولايات المتحدة لعدم شن
حرب ضد العراق في أوروبا وأمريكا يجب أن نلتفت
لها ونشيد بها ونستجيب لها. فالحملة
الأمريكية على العراق كانت من أجل مصالح نخب
ودوائر استعمارية هناك، ولا علاقة لها
بالضرورة بالشعوب.
**فما هي انعكاسات ذلك على حركات التحرر لدينا،
خاصة أن هناك توجهًا عالميًّا لتحركات
المجتمع المدني في مناطق مختلفة يمكن أن تنشأ
معها أرضية مشتركة؟
-هذا كان موجودًا من قبل، مثلما كان موقف حزب
العمال في بريطانيا في أوائل القرن العشرين
من قضية الجلاء الإنجليزي عن مصر بعد
احتلالها سنة 1882؛ فكان هناك الكثيرون ضد هذا
الاحتلال؛ بمعنى أنه يوجد في الحضارة الغربية
والتكوينات السياسية والاجتماعية الغربية من
يستطيع أن يتفهم قضيتك ضد الاستعمار الغربي
لك.
وقد
تلاحظ هذه الظاهرة اليوم بشكل أكبر مما مضى،
ولكن نستطيع القول بأنها كانت موجودة على
الدوام، وذلك في القرن الـ19 والقرن الـ20؛ لأن
الذي يحسمها في النهاية ضد حكوماتهم هو موقفك
أنت من قضيتك ومدى قدرتك على أن تقاوم، وهذا
يزيد من تأثيرك ومدى احترامك هناك ومدى قدرتك
على التعامل مع هؤلاء المؤيدين.
**فما هي متطلبات التعامل مع هؤلاء؟
-لا تستطيع أن تضع منهجًا معينًا، ولكن هناك
مبدأ أن تستجيب لوجود توجهات من هذا النوع في
الرأي العام الأوروبي والأمريكي وتلقي الضوء
عليه، أما وسائلها وأساليبها فينظر إليها في
وضعها المناسب؛ فلا نستطيع أن نضع قاعدة،
ولكن يجب أن يكون واضحًا في أذهاننا أثر
أفعالنا على هؤلاء من غير أن يكون هذا الأثر
هو الحاكم للموضوع.
**هل ترى أن على القوى الوطنية وبالذات
الإسلامية المعارضة التي تسعى أمريكا
للتفاهم معها قفزًا على الأنظمة الوطنية.. أن
تقبل بالتفاهم معها من أجل بناء مشروع وطني
قادم تسليما بموازين القوى، أم أن هذا يعد
نوعا من الخروج على الوطنية؟
-السؤال
عام، ولكن إذا خصصناه فأنا لا أتعاطف
مع هذا؛ فالأمريكان يريدون استغلال أي
إمكانية أمامهم بأقل خسائر ممكنة وبأكثر مكسب
ممكن، وعندما يتحالف معك سيضربك قبل أن تلتقط
أنفاسك (اضرب الأجير قبل أن يخرج عليك) فهو لن
يلتفت إلى أنك تعبر عن شعب أو عن تاريخ أو تراث
أو تعبر عن قومية، وفي النهاية لا يمثل ذلك
بالنسبة له أي أهمية. ونجد أنه حتى كبار
الساسة الأمريكيون يقفون علنًا جهارًا
يقولون كلاما غير حقيقي وغير صحيح، ويعلم
العالم كله أنه غير صحيح. ألم يحدث هذا في
أحداث العراق في خلال 6 شهور في الصحافة وفي
الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وحين قدم العراق
أوراق برنامج التسلح اغتصبوا هذا الملف من
الأمم المتحدة؟
هذه
مشكلة داخلية يمكنك أن تحلها داخليًا وليس
باللجوء إلى الأمريكان. هل الحرية هي أن تتكرر
تجربة العراق في بقية بلادنا؟ إذا كانت هذه هي
الحرية فسحقًا لها، وهل فينا من يقبل أن يعمل
كذراع للأمريكان وهم ضد بلده؟!
**ما تقييمك لحركة التحرر الوطني التي أوجدت
أرضية مشتركة، واستقطبت نخبًا مختلفة، وطرحت
محاور سياسية وفكرية جديدة بالرغم من أنهم
على أراض ثقافية وفكرية مختلفة؟
-
بالنسبة للتوجه الإسلامي والعلماني بدأ هذا
الصراع يخمد منذ 6 سنوات، والسبب أن كل طرف قدم
كل ما عنده، أو ربما يعود إلى عدم وجود مردود
عملي، أو لأن الحدود الفاصلة بين الاتجاهين
أصبحت مثل الحدود الفاصلة بين كوريا الشمالية
وكوريا الجنوبية. وقد تكون الفُرجة الفكرية
عند الجادين من الطرفين قلّت كثيرًا؛ فهناك
بين المؤيدين للطرفين ما يجمعهم في موضوعات
مشتركة حتى في موضوعات الحداثة والمعاصرة.
وأتصور
أن الفرز اليوم يتحدد على أساس الموقف من
الخطر الخارجي؛ فمثلا الشريعة الإسلامية
موضوع جاد بالنسبة للتيار الإسلامي، وليس
مطروحا أن يكون هناك تفاهم مع عدوان جاء ليقول:
غيروا القرآن، كما أن هذا النوع هو ما يواجهه
العلماني أيضًا الذي يجد أن العدوان
الاستعماري له وجه ثقافي جارف. وفي الحقيقية
أن الشدائد خلفت نوعًا من التقارب الثقافي
لدى القوى الوطنية سواء كانت علمانية أو
إسلامية.
**إذن هل نستطيع القول بأنه يجب أن نؤخر مطالب
الشريعة الإسلامية في أجندة التيار الإسلامي؟
-إن ما يجب أن نضعه في الأولوية هو الخطر
الخارجي السياسي والعسكري.
**
هل يمكن طرح أمثلة من نوعية المعارف التي يجب
أن نخطط لها في الفترة القادمة؟ قضية المرأة
مثلا.. هل يعاد تعريفها في إطار وطني في الوقت
الذي تطرح فيه أجندة المستعمر وضع المرأة في
الدول العربية والإسلامية؟
-
أعتبر أن هذه القضية ثانوية، والخلاف حولها
ثانوي وليس لها أولوية، فليست هي قضية
استقلال؛ فالاستقلال هو تحقيق إرادة سياسية،
والمحافظة على الأمن القومي.
**هل يجب أن تحتل قضية تجديد الخطاب الديني
أولوية عند التيار الإسلامي؟
-
بطريقة ما وبما أحتاجه أنا فيه فالخطاب
الديني يجدد ومجدد دائمًا باحتياجات ذاتية
وأدوات ذاتية.
**
لكن يبدو أن هناك تصادف رغبات خارجية ورغبات
التيارات الوطنية في التجديد والإصلاح
الداخلي، وإن بدا أن هناك اختلافا في
التفاصيل مثل قضية المرأة أو قضية التعليم؛
فهناك حتى من الإسلاميين من يرى أن هناك جزءًا
من المناهج التعليمية يجب النظر فيها في إطار
تجربة عالمية إنسانية.. ألا ترى أنه وإن حق لنا
رفض أن يكون التغيير بما يمليه الخارج
تخصيصًا؛ فإن إثارة المسائل خارجيًا والضغوط
عليها يجب ألا تمنعنا من تبني مبدأ التغيير
ذاته؟
-
لكن يبقى أن يتم هذا في الإطار المقاوم
للاحتلال وللقوة الخارجية، وأن يعمل هذا
التجديد لصالح المجتمع الداخلي.
**ولكن من الملاحظ أن المثقفين العرب في أكثر من
بلد قاموا في الفترة السابقة بتحرير بيانات
للمطالبة بالإصلاح، ولكن تصادف أن أتى هذا
مواكبًا مع الضغوط الأمريكية؛ وهو ما أثار
الغبار حول مطالبهم.. فكيف لهذه الرغبة أن تظل
نقية من الضغوط الأمريكية؟
-
لا نستطيع أن نضع معيارًا شكليًا يمكننا أن
نحدد ما يمكن تغييره، مع الوضع في الاعتبار
أننا نريد التغيير بمعيار استقلالي: بما
أحتاجه أنا وبأدواتي الخاصة وبما لا ينتهك
ثوابتي؛ فمثلا هناك رغبة خارجية في حذف مادة
الدين لتحل محلها مادة الأخلاق، إذن من أين
سيتعلم الطلاب الدين وتعاليمه؛ فالكنيسة
مفتوحة لكل المسيحيين لتعليم الدين وغير
الدين، بينما المسجد غير مفتوح للمسلمين. ففي
هذه الحالة يجب أن نفتح المساجد ونعامل
كأقلية في بلدنا! فالمسلم السني الذي يكوّن 94%
من السكان في بلد كمصر.. من الأفضل له أن يعامل
كأقلية وبشرط أن يعطى حقوق الأقلية!
**هل يجب أن تطرح في الأجندة قضية الوحدة
الوطنية.. ليس في المجتمع المصري، ولكن على
المستوى العربي؟
-
الوحدة الوطنية هي أهم شيء، وتحقيق التناسق
بين السنة والشيعة والمذاهب المختلفة، وبين
الوطنيين العلمانيين والإسلاميين، وبين
الأقليات الدينية. فإذا تحققت فستجد الحلول
السلمية هي الأكثر فعالية، حتى في الدول التي
بها عنف مثل فلسطين وأفغانستان سنجد النتائج
أقوى وأسرع وستقل الخسائر، ويخيل لي أن الوطن
مهيأ؛ فتجارب الشيعة والسنة على مدار 50 عامًا
واضحة في مسألة التوفيق.
**إذن نضيف شرطًا ثانيًا: مسألة الوحدة الوطنية
بجانب الديمقراطية، في مسألة التحرر الوطني..
-
يمكن أن نرتبها كالتالي: الاستقلال،
الديمقراطية، الوحدة الوطنية.
اقرأ في الحوار:
|