|
مقاومة
وخضوع في نفس الوقت ومن نفس الشعوب؟ ما أغربها
من مفارقة؟
والمفارقة
التي نقصدها هي تلك المعارضة العنيفة من
القوى الوطنية في عالمنا العربي لأي تدخل
خارجي، فيما فعل الاستكانة أو اللامبالاة هو
سيد الموقف في التصدي للأوضاع الداخلية!
لماذا
السخونة هناك والبرودة هنا؟
هل
هي سيطرة وتمدد جيل الحركة الوطنية وتأثيره
في النخب الحالية؟
أم
هو تأثر الإسلاميين بالفكر القومي؟ وهل
سيتأثر ذلك بالتراجع المتوقع للتيار القومي
بعد سقوط البعث أقوى الأنظمة الداعمة له؟
مثل
الألغاز، كانت تلك الأسئلة التي ضمتها أجندة
حوارنا مع المستشار طارق البشري.
طرحناها
عليه، فطرح علينا تصوره، وأجاب أيضًا على
أسئلة لا تقل إلغازًا عنها: لماذا لم تنشأ
حركة فكرية إسلامية ضد الاستبداد بنفس قوتها
ضد الاحتلال؟
ولماذا
ظل الموقف السني -في نظر البعض- ضعيفا في مسألة
مواجهة الاستبداد مقارنة بالموقف الشيعي؟
وإليكم
التفاصيل...
**هل
كل قضايانا الداخلية لا تكتسب معنى إلا إذا
ارتبطت بالتحرر الوطني؟ حتى إن قضية مثل
التعليم في دولة كمصر لم تكتسب معنى إلا في
إطار حركة إنشاء تعليم وطني وهو ما تمثل
بإنشاء الجامعة المصرية؟
-
القضية الحاكمة دائمًا هي التحرر الوطني في
مواجهة المخاطر الخارجية سواء للأمريكية أو
الصهيونية أو الاستعمارية عموما، وهذا ينطبق
على كل جوانب حياتنا: ثقافية، اجتماعية،
اقتصادية... إلخ.
**
ألا يشكل هذا تناقضا في شخصيتنا، بحيث إن
القضايا لا تكتسب معنى إلا إذا تعلقت
بالمستعمر والمقاومة الخارجية، أما التغيير
الداخلي فلا يكتسب قوته بالقدر الكافي؟ وألا
يكون غريبا أن نخرج في مظاهرات لمقاومة
المستعمر، بينما مسألة الديمقراطية لا تحرك
فينا ساكنًا، وليس لها بالنسبة لنا هذه
الحساسية؟
-
إذا كانت الديمقراطية من أجل مواجهة المخاطر
الخارجية، تصبح القضية واحدة، ففي بداية
القرن العشرين اختلف المصريون حول أيهما أولى:
الإصلاح الداخلي أو إجلاء النفوذ الأجنبي،
وتفرقوا لحزبين ولم يستطيعوا إقامة حركة
حقيقية فعالة إلا حينما توحد الهدفان في هدف
واحد؛ فالديمقراطية أداة للتوحد والاجتماع
لمواجهة المخاطر الجانبية، وهذا يعطي واقعًا
أكبر للديمقراطية.
إذن
الاثنان مطلب واحد؛ فقديما في القرن الـ 19 ظهر
تعبير "مصر للمصريين"، وكان هذا تعبيرا
ديمقراطيا ووطنيا في نفس الوقت؛ لأنه يساعد
على عمل انتخابات وإعطاء حريات للمواطنين،
وفي نفس الوقت هو شعار احتجاجي ضد نخبة انفصلت
وارتبطت بالأطماع الأوروبية الأجنبية،
وأتخيل أن الحركات الشعبية خلال الـ 20 سنة
الماضية، أهمها كان متعلقا بمشاكل تتعلق
بالخطر الخارجي، فمثلا المظاهرات والحركات
التي تمت في مارس وإبريل أثناء الغزو
الأمريكي للعراق هذا العام وتلك التي تمت في
سنتي 90 و91 كانت بمناسبة أحداث غزو العراق
للكويت، والمظاهرات في أيام الانتفاضة سنة 2000
و2001 كانت مرتبطة بالشعب الفلسطيني.
**ولكن لم نشهد في قضايانا الداخلية مثل هذه
التحركات؛ فحساسيتنا تجاه القضايا الداخلية
لا تذكر بالنسبة لتحركاتنا لمواجهة
الاستعمار الخارجي؟
-
ولكن هذا يدل على الارتباط بين التحرك الشعبي
والقضايا الوطنية والصلة الوثيقة بين التحرك
الديمقراطي والأهداف الوطنية، وأقصد
بالأهداف الوطنية مقاومة المخاطر الخارجية،
سواء عن طريق مقاومة الاحتلال الأجنبي، أو
مقاومة النفوذ الأجنبي على السياسات المحلية
والداخلية أو قضايا حفظ الأمن القومي للدول.
**لكن لماذا لم تثر حركات التحرر الوطني
لتنقذنا من السلطة الاستبدادية، ولماذا لا
تتحدث عن الديمقراطية الداخلية بنفس القدر
التي تتحرك به من أجل مقاومة الاستعمار
الخارجي؟
هل
ما نحن فيه الآن مرتبط بالثقافة أو الفقه
السني الذي يوجب الصبر على السلطان الجائر
طالما أقام الصلاة؟ ثم، أليس هناك مخاوف من أن
عودة فكرة التحرر الوطني -التي كانت سائدة في
جيلك- قد تقضي على فكرة حركة مقاومة
الاستبداد الداخلي؟
-إن ما أريده هو الخروج عن الثنائية لتقرير ما
هو الأفضل: الديمقراطية أم الاستقلال الوطني؟
لأن هذه الثنائية مغلوطة؛ فالديمقراطية حق
مرتبط بالوطنية ولن تتحقق الديمقراطية إلا في
ظل حكومة وطنية. وفي التجربة التي مررنا بها
في التاريخ المصري منذ سنة 1919 حتى سنة 1952 كانت
الديمقراطية مرتبطة ارتباطًا كبيرًا بالحركة
الوطنية بحيث من كان يقف ضد هذه الديمقراطية
سيفرط إذن في الاستقلال ومن يضرب الحركة
الشعبية سيمهد للاحتلال فكانت القضية واحدة.
ثم جاءت فترة عبد الناصر وظل شعار
الديمقراطية مرتبطًا بالاستقلال حتى سنة 56،
ولكن بعد تأميم القناة وثبوت وطنية النظام
سكت الناس عن الديمقراطية من 1956 إلى 1966 وأول
مظاهرات حدثت كانت سنة 1968.
كان
النظام وطنيا، ولكنه لم يستطع في تكويناته
وتركيباته السياسية الداخلية حماية
الاستقلال، وقد نقول بأن المشير عبد الحكيم
عامر هو السبب، والتكوين الثنائي للدولة
مرتبط بعدم النظام، وهذا ما أدى إلى هزيمة 67.
وبالنسبة للبلاد العربية الأخرى تبين من
التجربة أن الديمقراطية هي الطريق الوحيد
لتحقيق الاستقلال الوطني، ومع ذلك تعد الطريق
الوحيد أيضا للخروج من مأزق الطغاة.
إن
كل ما أريده هو التأكيد على أن القضية واحدة
وليس هناك انفصال ولا أولوية وكل منهما خادم
للآخر، ومن الضروري أن يسيرا سويا، فلا يمكن
مواجهة طغيان خارجي أو تحقيق استقلال داخلي
أو تحرير إرادة سياسية داخلية أو إزاحة مخاطر
عن الأمن القومي إلا إذا وجدت حركة شعبية قوية
تقف حارسة بجوارها.
إن
الدولة حينما تقف وحدها دون الحركة الشعبية
ستفقد بوصلة حركتها وقد تخضع للضغوط الخارجية.
وعلى هذه الدول أن تحسم هذا الأمر، فهل هي مع
شعوبها أم مع الدول الخارجية؟
**الخطاب الإسلامي فيما يخص مقاومة الاستبداد
والديكتاتورية ضعيف حتى بالنسبة لأدبيات
الإسلاميين وفي التراث الإسلامي السني
تحديدًا، فهل تأثرنا بالفكر القومي في مسألة
أولوية حركة التحرر الوطني على مقاومة
الاستبداد والديكتاتورية في بلادنا؟
-يهيأ لي أن الفكر الإسلامي السياسي الحديث
والأحدث استجاب لموضوع الديمقراطية
والتنظيمات في هذا الأمر، ولكن الالتباس كان
بسبب الرؤية العلمانية في مسألة تطبيق
الديمقراطية في بداية القرن العشرين، فلا بد
فيها من أن نؤمن بسيادة الأمة، ومن الناحية
الفقهية الوضعية في مسألة الأمة، فتعني سيادة
الأمة عدم خضوع إرادة الأمة لأي شيء خارج عنها،
ومن ضمن هذه الأشياء الدين! لكن الفكر
الإسلامي تجاوز هذا الملمح العلماني، والذي
حدث هو أن التيار الإسلامي بدأ يأخذ في
اعتباره مسألة الديمقراطية فبدأ يصبح شعبيا
أكثر منه سلطويا، وبدأ يهتم بهذا الموضوع من
الناحية الوظيفية، وبدأ يشعر بأن التمييز ما
بين الجانب الأيدلوجي والجانب التنظيمي مهم
ويمكن الفصل بين الاثنين، فأنا لا أتخذ
الديمقراطية كسياسة أمة بحيث لا تخرق سقف
المرجعية الدينية، ولكني آخذها على أنها
مشروع تنظيمي يحقق مبدأ القرار الجماعي
والتعبير الحر للتكوينات الاجتماعية
المختلفة.
فإذا
قلنا مثلا بأن التجربة التاريخية الإسلامية
كانت تعبر عن كثير من ذلك، فذلك لأن المجتمع
الأهلي للمجتمعات الإسلامية كان ناضجا جدًا
ومتنوعا وفعالا جدًا بحيث إن الدولة المركزية
لم يكن لها من السلطات إلا ما يتعلق بحماية
الحوزة وحفظ التوازن الاجتماعي، وبالتالي
تظلم ما تظلمه ولكن تظل ضغوط التنظيمات
الأهلية والطرق الصوفية وجماعات العلماء
وغيرهم قوية على الدولة المركزية.
أما
الدولة العلمانية الحديثة في القرن الـ19
فحينما تأسست ضربت التنظيمات الأهلية، وأنشأ
النظام الوضعي تنظيمات جديدة مثل النقابات
المهنية ونقابات العمال والجمعيات، وأكثر
الناس استفادوا من وجود الجمعيات التنظيمات
الدينية. والدراسات التي أجريت تؤكد أن
الجمعيات الدينية هي الأكثر عددًا والأكثر
استمرارًا، ولكن الدولة العلمانية ضربت هذه
التكوينات وفرضت سيطرتها فضربت التقليدي ولم
تستطع أن تجذر الحديث التي هي أساس إنشائها.
**نفهم من ذلك أن المشكلة ليست في الخطاب
الإسلامي؟
-
ليست هناك مشكلة من الناحية الفكرية
الإسلامية وتحلها الكتابات الحديثة التي
نراها للإسلاميين، المشكلة لا تكمن في بناء
الفكر الإسلامي فهو ما زال الفكر القومي،
ولكن المشكلة أن الخطر الخارجي له تأثير كبير؛
لأنك عندما تنشأ دولة مستقلة وطنية تواجه
ألوانا من الضغوط الخارجية ومؤامرات بالداخل
بحيث تكون مشتتا بما فيه الكفاية، فمثلا فيما
حدث في مصر خلال فترة الستينيات ومشاكل
الجنوب في السودان وما سيحدث في العراق إذا
استقل لفترة، كل ذلك سيحدث نوعًا من المشاكل
من ناحية المؤامرة الخارجية، بحيث إن الحلول
السريعة التي تلجأ إليها الدولة تفشل وتنهزم
نتيجة لتسرع الحكومات المركزية الوطنية أمام
مشاكلها.
إنما
يبقى أنه توجد مشاكل علينا أن نعمل على حلها
والنظر في كيفية تأسيس مجتمع شعبي مستقل
بدولة مستقلة وطنيًا.
**يتضح من الكلام طرح ثنائية ربما تكون جديدة في
الأجندة مثل ثنائية الأصالة والحداثة
والوافد والموروث، فهل هناك طرح لثنائية
جديدة مثل ما يتعلق بثنائية مقاومة المستعمر
والديكتاتور الذي غالبا ما يأتي به؟
-
كان الفقه والفكر الإسلامي فيما يتعلق بنظم
الدولة قليلا؛ لأنه ترك المسائل للحلول
العملية أكثر من ضبطها في صياغتها لتؤدي إلى
أمور بعينها فلم توجد مشكلة من الناحية
الفكرية، إنما المشكلة في كيفية الفصل بين
النماذج التي تريد أن تتبناها لقيام هذه
المجتمعات وضبط فعاليتها في نمط أيديولوجي
معاصر، إذن سيكون الباب مفتوحا لأي تجربة في
العالم ولكن عليك بأخذ النموذج التنظيمي
والفصل بينه وبين الإطار المرجعي المخالف،
ويخيل لي أن المشكلة ليست فكرية وإنما هي
سياسية بالأساس.
**وماذا عن الثنائيات؟
-الثنائيات موجودة بالفعل في هذا الأمر، وهي
متعلقة بالإصلاح الداخلي والخارجي، وعلينا
أن ننظر لهذه الثنائيات كوجهين لعملة واحدة
فلا يتم الفصل بينهما فكيف تكون
للديمقراطية والدفاع عن الوطن أمر واحد؟ أو
مثلا كيف تكون الدولة والأمة أمرًا واحدًا؟
بالتأكيد سيحتاج هذا الأمر إلى نوع من
التوازن؛ لأن الدولة طغت على الأمة وأزهقت
روحها، فنحن نحتاج لقدر من التوازن وإنشاء
تكوينات أخرى.
وهذه
التجارب موجودة في الدول الأوروبية وأمريكا؛
فهناك هيئات ومؤسسات المجتمع الأهلي، وهي
قوية وقادرة على أن تمارس الضغوط على
سياساتها؛ فهذه الثنائيات تصبح نقطة ضعف إذا
وضعتها كبدائل متناقضة؛ في حين أنها يمكن أن
توضع في نسق لتغذي بعضها البعض، وهذه مهمتنا
فكريًا وتنظيميًا وسياسيًا، وإن لم تحل الآن
فسوف تجد من يتبناها في المستقبل.
ولكن
عليك أن تدرك الوضع ونموذج الحل حتى ولو بشكل
عشوائي؛ حتى نستطيع أن نستخلص المفيد منها
ونتخلص من غير الحميد، وإذا كان جهاز الدولة
والإدارة مبنيا بطريقة شبه رشيدة فستجد أن
التخصصات وتقسيم العمل والقرار يتجمع بشكل
جماعي، وسيوجد تداخل بين الإدارات المختلفة،
ولكن كل سيتصرف مع الآخر بإدارة شعبية.
اقرأ في الحوار:
|