بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

مساحات ثقافية

مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة


ثقافة الستر في زمن الفضح

2003/07/22

د.محمد مسعد**

تحتفي ثقافتنا العربية والإسلامية بالستر، يدعو به أهلونا، ويروجونه لأنفسهم ولنا ولأولادنا من بعدنا، حتى نكون من المستورين. والمستور في اللغة هو من لا يُدرى حاله، أما الستر فهو الإخفاء. وستر الحال مطلوب في الدنيا والآخرة؛ فقد روى البخاري عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه: "من ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة".

 وقد انسحب مفهوم الستر في ثقافتنا من ستر الذنب والمعصية إلى ستر كافة المشاكل الاجتماعية أو الاقتصادية التي يتعرض لها الفرد، وحتى ستر كافة الأمور الحياتية العادية، كالسفر والعمل من باب "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان"، أو "داري على شمعتك" كما يقول المثل المصري. ولغياب الحريات السياسية في أوطاننا فقد انسحب -أو بالأحرى سُحب- المفهوم أيضًا من الجانب الشخصي الخاص إلى الجوانب الاجتماعية العامة، فأصبح من غير المفضل الحديث عن الأدواء الاجتماعية، أو انتشار الفساد أو انتهاكات الحقوق أو اغتصاب السلطة.

الحيز العام والحيز الخاص

في العالم الغربي شهدت الحداثة وما واكبها من مشروع للدولة القومية فصلا قسريا لحيزين؛ أطلق على أحدهما الحيز العام، وعلى الآخر الحيز الخاص. الحياة الخاصة مستورة ليس لأحد أن يقتحمها إلا بإذن صاحبها وسماحه.

أما الحياة العامة فكل شيء فيها مكشوف مفضوح. فما تفعله في بيتك بعد ساعات العمل يخصك وحدك، ومناقشة معتقداتك ليس مسموحًا بها في مكان العمل. وازى هذا الفصل فصل آخر بين الدين والدولة؛ حيث انحسر الدين في الحيز الخاص بحيث لا يسمح له بتجاوزه، وبسطت الدولة نفوذها على الحيز العام، تشريعًا وتنظيمًا وإدارة. مع ذلك لم تترك سلطة الدولة مطلقة، بل وازاها واشتبك معها سلطات المجتمع المدني، وممثلو الشعب في البرلمانات التشريعية والمجالس المحلية، ومجموعة مستقرة من المبادئ والمفاهيم والممارسات كالشفافية والمساءلة وحرية الرأي والصحافة، ومجموعة أخرى من المؤسسات؛ كالجمعيات الأهلية والمراكز البحثية ووسائل الإعلام الخاصة، مقروءة كانت أم مسموعة أم مرئية. تضافرت كل هذه القوى لتسلط أضواء ساطعة، وأشعة كاشفة، لا تذر ركنًا مهملا في الحيز العام، ولا مسئولا صغر شأنه أم كبر، إلا ورفعت عنه ستره، وجعلته مكشوفًا مفضوحًا للمراقبة والمساءلة.

اندماج الحيزين

هذا الحاجز الوهمي بين العام والخاص تعرض لهزات كثيرة ومفاوضات أكثر، جعلته يغدو أثرًا بعد عين، وحدث الاختراق النظري للحيز الخاص في الفكر الغربي المعاصر في القرنين التاسع عشر والعشرين. حيث أوضح مجموعة من المفكرين أن الإنسان يتحرك داخل مجالات كلها تؤثر وتتأثر ببعض. فقضى كارل ماركس على أسطورة الإنسان الاقتصادي، ومن ثم جعل الدخل والإنفاق اليومي البشري جزءا من الحيز العام، بينما أنهى فرويد خرافة الإنسان النفسي؛ وبذا جعل داخليات الإنسان موضعا للبحث والتنقيب العام.

وبينما ألغى البنيويون اللغويون وعلى رأسهم دي سوسير مركزية الإنسان وأحلوا محلها اللغة. جاء ميشيل فوكو ليضع الخطاب وآلياته في مركز التفاعل الاجتماعي، ويؤكد على غياب الفردانية.

هذا نظريا أما على المستوى العملي فقد تدفق الخاص إلى العام منذ اللحظة الأولى التي أعلن فيها فصله. فلا يكاد يمر يوم إلا ويتأكد زوال الحاجز الوهمي بين الحيزين. الوزير البريطاني الذي اتخذ سكرتيرته عشيقة سرية له، هل هي قضية عامة أم شأن خاص؟ نفس السؤال يطرح على علاقة كلينتون بمونيكا، وعلى الجدل حول تدريس الدين بالمدارس، وعلى النزاع على جواز ذكر الله في النشيد القومي الأمريكي، وعلى وصف بوش لحربه في العراق بـ"الصليبية"؛ حيث الحروب الصليبية هنا تعني رمزا خاصا يتعلق بالدين الذي يعتبر في الرؤية العلمانية مجالا خاصا، وعلى استغلال الجمهوريين بزعامة ريجان لأصوات المتدينين أي استغلال الدين في السياسة أي الخلط بين العام (السياسة) والخاص (الدين) كما في الرؤية العلمانية، وعلى مسألة دخول المحجبات للمدارس في فرنسا؛ أي دخول الرموز الدينية الخاصة في المجال التربوي العام.

هل هذه كلها قضايا عامة أم خاصة؟ أهم من هذه الحوادث المتفرقة ظهور الحركات الاجتماعية الجديدة في نهاية الستينيات، ثم تحولها إلى حركات القضية الواحدة مثل حركة التمركز حول الأنثى والتي تسمى أحيانا بالنسوية للدفاع عن حقوق المرأة والتي تحولت إلى إعلاء المرأة على الرجل، وحركة الفهود السود التي تدافع عن حقوق السود في الولايات المتحدة، وما رافق ذلك من سياسات الهوية، وامتلاء الحيز العام بقضايا الهوية الجنسية، والهوية الإثنية، والتعددية الثقافية.

هذه التغيرات الاجتماعية السياسية أنهت التفرقة بين القضايا العامة والخاصة، واعتبرت أن كليهما من الأمور السياسية. العلاقات الأسرية بالتالي علاقات سياسية تناقش في الحيز العام، ليست قضايا شخصية يتناولها أصحابها في بيوتهم المغلقة. أما التغييرات السياسية فهي تغييرات ميكروسكوبية تحدث في كل لحظة، عبر آلاف الأماكن التي تتخلل العلاقات الاجتماعية.

العولمة والاستهلاك

ساتر وهمي آخر تم رفعه بين المحلي والعالمي لينساب عبر السواتر المرفوعة: رأس المال، والعلاقات الاجتماعية والثقافات المحلية، في تدفق يطلق عليه العولمة. وبعيدًا عن التصورات الساذجة لتلقائية وعفوية هذا التدفق، فإنه أصبح جليًا أنه يتحرك عبر بوابات تقوم بحراستها قوى كبرى كالبنتاجون الأمريكي، والناتو الأطلسي، ويحافظ على هذا التدفق ويغذيه مضخات قلاع الرأسمالية العملاقة، بينما تحافظ تكنولوجيا الاتصالات على تقليص الزمان والمكان، بعبارة دافيد هارفي عالم الأنثروبولوجية الأمريكي لضمان سرعة الحركة وانسيابها. هذا التدفق جعل علاقة مونيكا كلينتون التي سبق لها التحرك من الخاص إلى العام الأمريكي، تتحرك حركة أوسع في ربوع العالم لتصبح قضية عالمية.

في ذات السياق علينا أن نفهم أن تدريس الدين الإسلامي بمدارسنا أو الحكم في قضايا الشواذ أو المثليين جنسيا في مصر، أو ممارسة الختان للإناث في عالمنا العربي هو شأن "عالمي"، كما أن الانتخابات الأمريكية أو السياسة الاقتصادية لفرنسا، أو قوانين العمل والتجارة والهجرة الألمانية هي شأن "محلي"!

من ناحية أخرى فإن الجوهر الرأسمالي لهذا التدفق قد حول الثقافة ذاتها -كما يرى فردريك جامسون الناقد الأدبي الماركسي الأمريكي- إلى سلعة تجري عليها كافة قوانين السوق من عرض وطلب، ودعاية وتسويق، وإنتاج واستهلاك. الثقافة هنا مثلها مثل الصور المبثوثة في وسائل الإعلام، سطحية ليس لها عمق، تحقق اللذة اللحظية، لا تتضافر لتكون معنى واضحا، شعبية مقياس نجاحها هو حجم الاستهلاك.

الستر والفضح في عالمنا العربي

في عالمنا العربي هناك عزوف عن التعامل بوضوح مع المشاكل العامة: فضائح المسئولين، وفسادهم وفساد أسرهم، واختلاسات المال العام، ومعدلات الفقر المتزايد، والأوضاع الاجتماعية والصحية المتدهورة للنساء والأطفال، وأعداد المعتقلين السياسيين وظروف اعتقالهم، وقوانين النشر، أو بالأحرى قوانين عدم النشر وكبت الحريات، وانهيار النظم التعليمية، وتفشي البطالة... وغيرها من المشاكل يتم السكوت عنها، أو تناولها "برقة" شديدة. هناك أيضًا تجاهل تام لما تفرضه العولمة من فضح لهذه المشاكل على صعيد عالمي، وفرص التواصل العالمي لدعم الإصلاح المحلي. على عكس المتوقع فإن العولمة -خصوصًا في صيغتها الأمريكية المهيمنة- تستخدم مبررًا للتستر على ما يحدث. فصار الحديث عن إصلاح التعليم أو النهوض بالديمقراطية أو المناداة بحرية التعبير-في نظر الكثيرين- دعوة مفتوحة لتدخل "الأغراب" في شئون أوطاننا "الحبيبة"!

من ناحية مقابلة فإن هناك حالة من "انفجار" القضايا التي كانت تعتبر خاصة لم تكن لتخرج إلى الحيز العام. هذا الانفجار يدفع بالقضايا الجنسية كسلع لا شك رائجة إلى الأمام، ليتحول بعبارة عالم الاجتماع البولندي زيجمونت بومان إلى "انفجار ليبيدو" (وهي الطاقة الجنسية وفقا للتعبير الفرويدي). وبخلاف الفضح التقليدي الذي كان علامة على فقر لا يستره إلا الغنى وحده؛ فإن الفضح اليوم غدا علامة على الانفتاح، والتواصل الثقافي العالمي، والتقدم، والليبرالية، بل والغنى أيضا. يتظاهر الجميع لإنتاج واستهلاك صور وأفكار ونصوص جنسية. "مذكرات مراهقة" يشاهدها الآلاف على شاشات السينما، و"اعترافات ليلية" تبقي المستمعين أيقاظا، ومشاكل الشباب الجنسية تفرد لها صفحات كاملة بالجرائد والمجلات ومواقع الإنترنت بما فيها المواقع الإسلامية! إطار هذا الإنتاج كله وصيغته المعتادة هو الاعتراف. وكما يقول "فوكو" في تاريخ "الجنسية" عن الاعتراف: "إنه ليس بعد السؤال البسيط عما فعل-أي الفعل الجنسي- وكيف فعل، بل في إعادة التركيب داخل الفعل وحوله، للأفكار المتناولة له، والوساوس المصاحبة له، والصور والرغبات والنماذج ونوعية اللذة التي حركته"..

بعبارة أخرى: لم تعد رؤية الفعل الجنسي مطلبا في ذاته، ولكن الحالة التي يخلقها هذا الفعل في الإنسان وتداعياته من خلال التذكر والاعتراف. أما الهدف البريء المعلن لهذا الاعتراف المتواصل فهو عادة مواجهة مشاكلنا العامة بصراحة، أو عدم الخضوع لكبت التقاليد البالية، والحديث بحرية عن الواقع، أو الإفصاح الكامل عن الرغبات والممارسات سعيا لإيجاد اجتهادات منفتحة وجريئة، إلى آخر هذا السيل من التبريرات التي تنحسر عن المشاكل الكبيرة، وتنحصر في المشاكل "المثيرة".

النضوج

هذا الولع بإنتاج واستهلاك الصور والنصوص الجنسية أطلق عليه "المراهقة الليبرالية" وهي مرحلة ينبغي تجاوزها والاحتراس من شراكها. إحدى الصحف الصفراء التي تعتمد على زبائن الصور العارية أخذت تعاني منذ سنوات قليلة من قلة التوزيع لتوافر الصور، بل ولقطات الفيديو الإباحية على الإنترنت. على الفور قام محرر هذه الجريدة بتقديم ما لا تقدمه الإنترنت؛ إذ أفرد صفحة بكاملها يعرض فيها مشاكل يعاني أبطالها جميعا من أزمات جنسية. أغلب هذه المشاكل يتم حلها في سطر أو اثنين، ولكن بعد استعراض دقيق لكل تفاصيل القصة المشوقة. ولكي تأخذ السلعة رونقها يقوم هذا المحرر بإضافة العناوين الساخنة من أمثلة "تعودت عليه ولا أستطيع التوقف" أو "الفاتنات يلاحقنني" و"مقاومتي ليلا ضعيفة"!! لقد اكتشف المحرر أن الصور ذات الأوضاع الجنسية منتهية لا يمكن مواصلة التجديد بها.

أما النصوص المكتوبة فإنها تكتسب حياة جديدة في كل مرة تُقرأ فيها؛ حياة يكون البطل فيها ذا مقاومة ضعيفة ليلا، كما تكون البطلة معتادة لا تستطيع التوقف! وللقارئ الحرية في اختيار الشريك المتخيل والأمكنة والأزمنة التي يحب، والأوضاع التي يستريح فيها.

إن الله تعالى قد نهى في سورة النور عن "إشاعة الفاحشة" بالحديث عنها. قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ" (النور: 20). إشاعة الفاحشة هي نشر للفساد، أما المأمور به فهو ستر الزاني، وبالتالي ستر الزنى أيضا. لسنا ندعو هنا إلى وضع الرؤوس في الرمال، لكن شتان بين نهج النبي صلى الله عليه وسلم في "ما بال أقوام" والتناول المثير للمشاكل والحرص على اختيار العناوين الساخنة لها، ثم إتاحتها في السوق بأبخس الأثمان.

عودة لحديث الستر

نعود في الختام إلى ما بدأنا به؛ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.. هذه المرة نورده كاملا: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة" رواه البخاري.

إن الستر الذي ينتهي به الحديث له مقدمات تؤدي إليه وتبسط معناه. ستر المسلمين يبدأ بتحررهم السياسي؛ ألا يظلموا ولا يتركوا في يد من يظلمهم أو يعتقلهم، أو يجردهم من حرياتهم وكرامتهم، بينما نحن نناقش أهمية الجنس الفموي! ستر المسلمين يكون أيضا بتحررهم الاقتصادي: أن تقضى حوائجهم، وتفرج كربات معيشتهم؛ فالفقر معرة تفضح صاحبها، وستره ليس بدريهمات الصدقة أو تمرات الزكاة، بل بإيقاف الفاسدين المفسدين، لصوص الأمم وسبب فقرها الوحيد ومقاومة النزعات الاستهلاكية لا تغذيتها. لا ننكر الحاجات الجنسية ولا ننكر أهميتها، لكن الخطر بل والكارثة في الاتجار بها، وشغل الناس بها عن قضاياهم المصيرية.

بعبارة أخرى: ستر المسلمين واجب وطريقة فضح الطغاة والفاسدين، أما المتشدقون بالحرية والليبرالية والانفتاح فنقول لهم: لا حرية لغير مستور.. والله أعلم.


** كاتب وباحث في الأنثروبولوجيا


مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع