|
إذا
ذكر اسم "مولانا" في تركيا أو أي من بلاد
العالم التركي كان المقصود هو القطب الصوفي
والشاعر والفيلسوف جلال الدين الرومي، أما
إذا ذكر "مولانا" في هولندا فسيفهم الشعب
الهولندي على الفور أننا نتكلم عن واحد من أهم
رموز التواصل الحضاري بين الإسلام والغرب
وعنوان على توطين الإسلام واندماج المسلمين
في المجتمع الهولندي.
"مولانا"
الهولندي هو أهم مسجد تأسس في هولندا بعد
أحداث 11 سبتمبر التي تغيرت فيها صورة
المسلمين كثيرا عما كانت عليه في بلد عرف
دائما بقدرته على التعايش واستيعاب الأقليات
الدينية والثقافية وخاصة الإسلامية منها.
فعقب
أحداث سبتمبر الدامي كان الوضع مختلفا في
مدينة روتردام عن بقية المدن الهولندية وربما
الأوربية الأخرى؛ إذ لم تمض سوى أيام قليلة
على الانفجارات التي أثارت الدنيا كلها على
كل ما هو مسلم إلا وكان الإعلان عن افتتاح
أكبر وأروع وأهم مساجد هولندا.
المسجد
مزار هولندي
مسجد
مولانا (الأتراك مغرمون بإطلاق هذا الاسم على
مساجدهم) كان تعبيرا عن منطق مختلف في التعامل
مع الإسلام، قدمته بلدية المدينة التي تعد من
كبريات المدن الهولندية، وتعرف عالميا كثاني
أكبر ميناء في العالم. فأرض المسجد الشاسعة
التي تقع في واحدة من أرقى مناطق المدينة
وأغلاها سعرا كانت هدية من مجلس بلدية
المدينة للجالية المسلمة من أصول تركية التي
تكفل أبناؤها بمعظم تكاليف البناء التي جاوزت
مليوني دولار، كما تكفلت البلدية بمرتبات عدد
من موظفي المسجد. هذا قبل تأسيس المسجد، أما
بعد افتتاحه في احتفالات ضخمة شبه رسمية فقد
وضع المسجد -وربما كانت هذه المرة الأولى من
نوعها- على الخرائط السياحية التي تصدرها
المدينة، وتضم أهم معالمها ومزاراتها؛ ليصبح
مسجد مولانا معلما حضاريا ومزارا سياحيا
هولنديا.
بداية
العمارة الهولندية الإسلامية
فالهولنديون
يرون في مسجد مولانا البداية لتأسيس عمارة
إسلامية هولندية أو لمسجد هولندي؛ إذ أشرف
على بناء وهندسة هذا المسجد مهندس هولندي
شهير هو "برت تورمان" Bert Toorman، وكانت هناك
عدة أسباب لذلك، بعضها قانوني؛ فهولندا من
أصغر الدول الأوروبية مساحة وأكثرها اكتظاظا
بالسكان؛ لذلك فقوانين البناء صعبة ومعقدة
إلى أبعد الحدود، ووجود مهندس هولندي يساهم
إلى حد كبير في تجاوز هذه التعقيدات، كما أن
وجود هولندي في الإشراف هو أحد تعبيرات
التواصل والتفاعل والتوطين التي تجنب
الجالية المسلمة النقل الأعمى أو البناء
المؤقت أو العرضي.
ورغم
ذلك لم يكن عمل المهندس الهولندي بمعزل عن
الفريق الذي كان يعمل معه والذي تكون من عدد
من الهولنديين ذوي الأصول التركية، وتوسعت
فكرة هندسة وبناء المسجد، وشاركت فيها
المؤسسات التي لها علاقة بالمسجد، وأبرمت في
هذا المجال اتفاقية للتعاون بين البلدية التي
كانت تدعم هذا المشروع ومنظمة "ديانات"
التابعة للحكومة التركية وممثلين عن مسجد
مولانا نفسه، وشارك فيها أيضا ممثلون عن
بلدية المدينة والسكان.
تصالح
العثمانيين مع أوروبا
 |
|
مسجد مولانا شامخ في لب روتردام |
مهندس
ومصمم المسجد الهولندي تورمان قال: إن تصميمه
لم يكن أمرا سهلا وبسيطا، بل احتاج إلى
التواجد اليومي، خاصة أن فكرة بناء مسجد على
هذا النمط المعماري (العثماني) لم تعهدها
هولندا من قبل؛ لذلك فإن هذا العمل هو الأول
من نوعه، وكان الجهد فيه مضاعفا، والتصميم
فيه يحتاج إلى تعمق في الثقافة والتقاليد
التي يتطلبها بناء مسجد من عمارة وبناء
وزخرفة للمساجد بصفة عامة والنمط العثماني
بشكل خاص.
ومن
الأجزاء التي استشكلت على القائمين على بناء
المسجد القبّة التي لم يعهدها النمط المعتاد
للبناء الهولندي عبر التاريخ، وإن كان بعض
المؤرخين يذهبون إلى أن بناء القباب كان
معمولا به في القرون الوسطى، ثم انتفى لاحقا
هذا الشكل من البنايات. وحرصا على أن يحافظ
القائمون على بناء المسجد على هولندية المادة
التي يبنى بها؛ فقد تم تطوير بعض القوالب التي
تعتمد في أعمدة البناية لأخذ الشكل العادي
للقبة دون اللجوء للاستيراد، وذلك باستعمال
نوع من البتون الرقيق الذي ركب تركيبا يعطي
نموذجا للقبّة التي عهدناها في مساجدنا
المنتشرة في شتّى بقاع الدنيا، وتم بذلك لأول
مرة إدخال صناعة بناء القباب إلى هيكل تصميم
العمارة في هولندا، وبالتالي يكون ما توصل
إليه مسجد مولانا من هندسة بناء هو بمثابة وضع
نموذج متكامل لبناء المسجد الهولندي من
ناحية، ومن ناحية أخرى إدراجها وفق الهيكل
القانوني المعقد المعتمد في هولندا الذي لم
يجد لفن القباب له مكانا. وكان تحقيق هذين
الأمرين (خبرة تصميم هياكل المساجد، وإدراجها
في قانون البناء الهولندي) بداية نسج على
منوالها آخرون، ولعل القبة التي وضعت لمسجد
"تلبورخ" Tilburgبالمدينة التي تحمل نفس
الاسم هي أكبر مثال على ذلك.
ولم
تكن قبة المسجد الشيء الوحيد الذي وجدت
الهندسة الهولندية فيه صعوبة.. بل إن بهو
المسجد المخصص للصلاة والذي يخلو من أيّ
عمود، ويتوسط هذا السقف المترامي القبة
بوزنها الثقيل؛ مما يجعل المتمعن في هندسته
يلمح الجهد الذي بذل في هذا الإطار، ثم
الهندسة الحديثة التي اعتُمدت في بناء مسجد
مولانا.
تكامل
الهندسة مع الزخرفة
إن
الذي يدخل مسجد مولانا يجد فيه ما يحتاج وما
يملأ به نظره ويشبع ذوقه ويطمئن روحه؛
فالتكامل في فن العمارة والهندسة التي تتضح
للعارف بهذا الإبداع بل وللإنسان العادي الذي
في الغالب تشده من الوهلة الأولى الزخرفة من
الداخل التي شارك فيها مزخرفون من تركيا ممن
لهم تجارب في زخرفة المساجد على الطريقة
العثمانية. ويقول مهندس المسجد: "إن جهده
الذي بذله والتكامل البنائي الذي أحدثه في
المسجد لا يكاد يجد له حظا بين ألوان الزخرفة
التي تأخذ عين الناظر من الوهلة الأولى".
ورغم أن النقاشين الذين قاموا بزخرفة المسجد
قدموا من تركيا فإنه روعي في عملهم وبدرجة
كبيرة أن المسجد يبنى في هولندا، فأخذوا في
اعتبارهم رغبات المصلين وأذواقهم ومقتضيات
الطبيعة والمناخ والبيئة الهولندية
أكبر
من مجرد مسجد
في
هولندا عادة ما تكون المساجد مغربية أو
تركية، وما يميز المساجد التركية هو عدم
اقتصار المسجد على قاعة الصلاة بل يتعدى ذلك
إلى عدد من المناشط الأخرى كالمكتبة ومجال
للدراسة بالإضافة إلى النادي والمقهى
والحلاق والمحل التجاري وهذا ما لا تجده في
المساجد المغربية التي في غالبها تقتصر إلى
جانب مكان الصلاة على دكان للمواد الغذائية.
ومسجد مولانا يحتوي على ثلاثة طوابق. وأول ما
يلفت نظرك في الطابق الأول وأنت تدخل المسجد
من الباب الرئيسي التكامل البنائي والزخرفة؛
وهو ما يجذب نظر الجميع، ويزيد هذا الرونق
الجمالي لمكان الصلاة المتسع خلو قاعة الصلاة
الرئيسية من كل ما يقطع النظر في متابعة
التناسق الزخرفي الذي شمل تقريبا كل مكونات
القاعة من محراب ومئذنة وحيطان.
ويقع
مصلى النساء في شرفة المسجد التي تمتاز
باتساعها وتحملها لما يزيد عن ألف مصلية، وقد
تمّ إعدادها بأسلوب هندسي رائع، وتحتوي
الأدوار العليا على قاعتين: واحدة للاجتماعات
وأخرى للدراسة.
ويحيط
بالمسجد محل تجاري وناد للشباب من الجيل
الثاني الذي يبحث عن ذاته من خلال المسجد، كما
يقطع بين حديثهم ومناشطهم سماع الأذان وأوقات
الصلاة، وتمتد مناشط المسجد إلى الشباب من
خلال توفير قاعة للإنترنت والأنشطة الشبابية.
وفي يوم الجمعة يكتظ المسجد بالمصلين (3000 مصل
أو يزيد)، وقد روعي ذلك في التصميم؛ فتضمن
موقفا للسيارات يحيط بالمسجد على امتداد شاسع
أعدته بلدية المدينة بغرض تنظيم توقيف
السيارات، ومنع أي اكتظاظ يضر بالمدينة
وسكانها. ويمر من أمام المسجد مجرى مائي يزيد
المنظر بهاء، كما يحذو المسجد مركب رياضي
تمارس فيه مختلف المناشط الرياضية التي تشد
الشباب إليها؛ مما يزيد المنطقة ازدحاما
وحركة. أما المئذنة العالية التي يصل طولها 50
مترا والتي تشير بشكل تلقائي إلى المسجد،
وتجيب السائل عن نوعية البناية الغريبة إلى
حد ما عن العمارة الهولندية والمجتمع
الهولندي الذي لم يعهدها من قبل.. فهي تزيد
عمارة الجامع رونقا وجمالا بشهادة
الهولنديين أنفسهم دون أن تخرج على شروط
البناء كما حددها النظام الهولندي.
الاندماج
عبر بناء المساجد
التصميم
المعماري الذي سجله مسجد مولانا في ضاحية "دلفس
هافن" -أهم ضواحي مدينة روتردام- يعد خطوة
متقدمة في اندماجه مع النسق التكاملي للعمارة
الهولندية، وفي الاندماج الذي ما زالت
الجالية الإسلامية في هولندا تسعى إليه
بمختلف طوائفها وجنسياتها. ومما تجب الإشارة
إليه أن فكرة تشييد هذا المسجد الضخم لم تكن
فقط بمبادرة معزولة من الجالية الإسلامية
بصفة عامة ولا التركية بصفة خاصة، وإنما جاءت
وفق خطة متكاملة كانت البلدية تسعى لتحقيقها
وهي تفهم التركيبة الديمغرافية الجديدة التي
أصبحت تعيشها المدينة، والتي يمثل المسلمون
فيها النسبة العليا والمرشحة للازدياد وفق
التقرير الصادر عن المركز القومي؛ وهو ما دفع
البلدية إلى أن تخطط وفق هذه الإستراتيجية،
وتمنح مساحات لأربعة مساجد كبرى تهدف من
خلالها إلى إدماج المسجد ضمن منظومة العمارة
الهولندية كمقدمة لإدماج الجالية الإسلامية،
وتحقيق التعايش والتفاهم بين الأجناس
والديانات المختلفة. ولم يقف الأمر عند نقطة
المسجد في الاندماج؛ فالملاحظ أن عددا من
البنايات الحكومية التي شيدت بعد بناء مسجد
مولانا قد أدمج بشكل من الأشكال جانبا من
العمارة الإسلامية كشكل من أشكال التطوير
المعماري. وهو ما يعبر عنه المهندس "برت
تورمان" مهندس مسجد مولانا بقوله: "إن
إدخال نمط العمارة الإسلامية في بناء المدينة
ليس فقط لإعطاء الأقلية المسلمة الشعور بأنهم
في أوطانهم، وإنما من منطلق المستوى الذي
عليه هذه العمارة التي فرضت نفسها، وللقيمة
التي تحملها هذه العمارة في ذاتها".
فمسجد
مولانا لم يكن -مثله مثل عدد من المساجد
التركية المتواضعة التي تحمل نفس الاسم- سوى
بيت للصلاة في الضاحية التي يقع بها المبنى
الحالي، ثم صار يمثل بعد إعادة بنائه كمسجد ذي
طراز معماري فريد أحد تعبيرات الفكرة التي
تسيطر الآن على عقول الجالية الإسلامية،
والتي تسعى لتجاوز منطق أن الوجود الإسلامي
في هذه البلاد مؤقت وعرضي من أجل الكسب المادي
أو العلمي، ثم العودة إلى الأوطان الأصلية؛
لتؤصل مبدأ التوطين والاستقرار النهائي،
ومما يؤكد هذا التوجه أن سلطة إدارة المساجد
تشهد تحولا تدريجيا وبطريقة سلسة إلى الأجيال
الجديدة من الذين ولدوا وتربوا في الغرب،
ووجود مثل هذا النوع من البنايات يرسم معلما
لا يمكن نكرانه مستقبلا للتواجد الإسلامي
بمختلف معالمه الدينية والعمرانية في كل
هولندا عموما وفي روتردام تحديدا صاحبة أكبر
وجود إسلامي في البلاد. فالإسلام هو ثالث
ديانة في هولندا، وهو أكثرها نشاطا، وهو ما
يتضح في عدد الزائرين للمساجد، وتأثيرهم في
المجتمع، وبروز مظاهر تدينهم من خلال المطاعم
والمجازر الإسلامية ثم المدارس. وأخيرا وليس
آخرا المعاهد والجامعات الإسلامية التي
أصبحت من المظاهر المألوفة في بلد كان الجميع
ينظر للوجود الإسلامي فيه باعتباره حديثا
ومؤقتا حتى وقت قريب.
اقرأ أيضًا:
|