 |
|
كتاب فريد زكريا |
هذا
كتاب ضد الديمقراطية، ورغم ذلك وصفه هنري كيسنجر بأنه
إنجاز مهم لأحد أبرز الكتاب الشباب وأنه كتاب رائع، ورآه
صمويل هنتنجتون (صاحب نظرية صدام الحضارات) واحدا من أهم
الكتب السياسية في السنوات العشر الماضية ودرسًا
حيويًّا لكل المهتمين بمستقبل الحرية في العالم!! وتصدر
قوائم الكتب الأكثر مبيعا، وتلقاه سياسيون وكتاب
أمريكيون آخرون بحفاوة بالغة، ووصفته "نيويورك بوك
ريفيو" بأنه كتاب شجاع وطموح.
مؤلف
الكتاب هو فريد زكريا الذي يعرفه كثيرون من كتاباته
المستفزة في مجلة نيوزويك التي يرأس تحرير طبعتها
الدولية، أما المتابعون للسياسة الخارجية فيعرفونه منذ
كان محررا بمجلة فورين أفيرز، وهو -لِمَن أدهشهم اسمه
العربي- هندي الأصل يحمل الجنسية الأمريكية بعد أن هاجر
إليها وعاش بها ودرس في جامعاتها: جامعة ييل حيث نال
شهادته الجامعية، وجامعة هارفارد التي يحمل منها درجة
الدكتوراه.
أما
الكتاب فكان عبارة عن مقال نشره زكريا في "فورين أفيرز"
عام 1997، ثم قام بتطويله وتعديله ليصدر قبل أيام مُحدِثًا
ضجيجا يفوق مئات المرات ما أحدثه المقال وقت نشره.
بطريقة
أو بأخرى فإن الكتاب عبارة عن مقال في مجلة، كان عنوانه
"صعود الديمقراطية الليبرالية"، وفيه انتقد زكريا
موجة من الديمقراطية اكتسحت العالم في الثمانينيات
والتسعينيات، واستخدمت فيها الأنظمة السياسية أبشع
الأساليب لقهر المواطنين ولسلبهم أبسط حقوقهم، وفي
المقال أكد زكريا على أن الانتخابات وحدها لا تجعل
المواطنين أحرارا.
هذه
النقاط طورها زكريا بإضافة العديد من الخلفيات
التاريخية، والعديد من الآراء المواكبة والمسايرة
للتوجهات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، مع كثير من
العناية بأنظمة الحكم العربية والإسلامية، وهجوم سريع
على الدين الإسلامي والقرآن الكريم، والعقلية الإسلامية
والعربية!!
وهكذا
أصبح المقال كتابا عنوانه "مستقبل الحرية..
الديمقراطية غير الليبرالية داخل الوطن وخارجه".
أول
القصيدة!!
 |
|
فريد زكريا |
آدم
جارفنكل كتب في "ناشيونال ريفيو أوف بوكس" أنه أصبح
مستحيلا في الوقت الحالي أن تطالع جريدة أو مجلة أمريكية
من دون أن تقرأ فيها شيئا عن دمقرطة العراق وعن حاجة بقية
الدول العربية والإسلامية إلى الديمقراطية، لكن أيا من
هؤلاء لم يقل ماذا يقصد بالديمقراطية؟ وهنا تكمن المشكلة،
وهنا أيضا تأتي أهمية كتاب فريد زكريا من وجهة نظر آدم
جارفنكل. ومن المشكلة أو من أهمية الكتاب نبدأ.
في
مقدمة الكتاب يوضح فريد زكريا الخطأ الذي يقع فيه من
يتحدثون عن الديمقراطية والليبرالية باعتبارهما شيئا
واحدا، وبعد أن يؤكد على أن هناك على أرض الواقع دولا
ديمقراطية غير ليبرالية.. يضرب مثالا بالسلطة الفلسطينية
التي يرى أن من ينتقدونها لأنها غير ديمقراطية مخطئون؛
لأن مشكلتها -في رأيه- ليست في عدم ديمقراطيتها بل في
انعدام ما يسميه بالليبرالية الدستورية.
وعلى
العكس يؤكد زكريا أن هناك دولا كانت أكثر ليبرالية في ظل
الديكتاتورية مثل يوغسلافيا تيتو التي ساء الوضع فيها
بعد أن أصبح النظام فيها ديمقراطيا.
ثم
يلتفت زكريا إلى العالم العربي مؤكدا أنه لو جرت فيه الآن
انتخابات حرة وتمت الإطاحة بالأنظمة الديكتاتورية التي
تحكمه؛ فإن النظم البديلة ستكون أكثر رجعية وعداء للغرب
والولايات المتحدة.
وماذا
عن الولايات المتحدة؟ ما زلنا مع مقدمة الكتاب التي يؤكد
فيها فريد زكريا أن الأمريكيين يعتبرون نظامهم
الديمقراطي نظاما معقدا يستحيل تطبيقه في أي بلد آخر،
ويُرجع زكريا ذلك إلى وجود تعارض بين الليبرالية
والديمقراطية، ويضرب مثالا على ذلك بالكونجرس الذي يراه
أكثر ديمقراطية وأقل تأثيرا.
الديمقراطية
أعدمت سقراط!
الفصل
الأول من الكتاب يحمل عنوان "موجز تاريخ حرية الإنسان"،
وفيه يتناول زكريا جذور فكرة الديمقراطية؛ فيعرض كيف
كانت اليونان هي مهدها، لكنه ينتقدها لأنها لم تطبقها
إلا في عدد قليل من مدنها، ولأنها (أي الديمقراطية) هي
التي أصدرت الحكم بإعدام سقراط، ثم يتناول زكريا تجربة
الرومان التي يرى أنها أعطت العالم نموذجا للحرية، عاش
فيه مواطنوها سواسية أمام عدالة القانون، وإليها (إلى
التجربة الرومانية) يُرجع زكريا تجربة الجمهورية
الأمريكية، وبعد عرض تاريخي مر فيه على كيفية علو سلطة
الكنيسة على سلطة الدولة وعلى صراع القبائل الجرمانية مع
الإمبراطورية الرومانية التي أودت بها، بعد ذلك يقف
زكريا عند حركة الاحتجاج ضد الكنيسة التي قادها مارتن
لوثر (غير الليبرالي) الذي كان صراعه مع السلطة أساسا
لحرية الاعتقاد وحرية التفكير وحرية التعبير.
رجوع
زكريا إلى تلك المراحل التاريخية كان له هدف محدد هو
التأكيد على أن تجربة الغرب مع الديمقراطية والحرية وإن
لم تكن ذات أصول جينية إلا أنها مرت بمراحل عديدة، مكنتها
من الانتقال من الليبرالية الدستورية إلى الرأسمالية
إلى الديمقراطية الليبرالية، ومن هنا يخلص زكريا إلى أن
محاولات تقليد النظم الغربية حتما ستبوء بالفشل، وأن
الدول التي حاولت أن تنتقل بسرعة من نقطة الصفر إلى
الديمقراطية تحولت إلى أنظمة ديكتاتورية تمارس أبشع
أنواع القهر والطغيان.
المال
وحده لا يكفي
يربط
زكريا في الفصل الثاني من كتابه بين نمو الاقتصاد ونمو
الديمقراطية الليبرالية، بعد أن يوضح كيف انهارت
ألمانيا النازية رغم ديمقراطيتها، وأن الديمقراطية
الليبرالية لم تتحقق للألمان إلا بعد أن تم فرض نظام من
الخارج إثر احتلالها وتقسيمها، وبعد أن ازدهرت اقتصاديا.
وما
إن جاء ذكر الازدهار الاقتصادي حتى التفت زكريا إلى دول
الخليج ليضرب بها المثل على أن غنى الدولة وحده ليس كافيا
لنمو الديمقراطية الليبرالية؛ لأن الثراء الذي يكون
مصدره طبيعيا يجعل الدولة في غنى عن الشعب؛ فهو لا يستطيع
محاسبتها؛ لأنها ليست في حاجة إلى ضرائبه، كما أن
الأموال تأتيها من دون أن تكون في حاجة إلى تعديل
قوانينها ونظام الحكم بها، ومن هنا يصبح ثراؤها دافعا
لمزيد من الديكتاتورية.
مساوئ
الديمقراطية
عن
الديمقراطية غير الليبرالية كان الفصل الثالث من الكتاب،
وفيه يفسر زكريا كيف تراجعت حقوق الإنسان في دول نامية
عديدة؛ لأنها طبقت الديمقراطية، سواء بما تمارسه
الأغلبية من طغيان أو بصعود شخص أوتوقراطي إلى الحكم عبر
الانتخاب، وتلميحا يعود زكريا مرة أخرى إلى العالمَيْن
العربي والإسلامي، فيشير إلى أن الديمقراطية ستأتي
بالمتطرفين في تلك البلاد التي تنفتح سياسيا قبل أن تبلغ
درجة معينة من النضج السياسي.
وبشتى
الطرق يحاول زكريا أن ينفي قدرة الديمقراطية على صهر
الملل والأعراق داخل بلد واحد، مشيرا إلى أن الديمقراطية
كثيرا ما أشعلت النيران بين القوميات والأعراق؛ الأمر
الذي تسبب في حروب عديدة.
الديمقراطية
على طريقة قناة الجزيرة
تتناثر
الإشارات للعالمَيْن العربي والإسلامي في فصول الكتاب،
لكن زكريا يقصر الفصل الرابع عليهما؛ فاختار له عنوان
"الاستثناء الإسلامي"!
في
هذا الفصل يؤكد فريد زكريا أن الأنظمة العربية أنظمة
مستبدة، تحكم قبضتها على الشعوب، ويسيطر عليها حكام
فاسدون يستبدون وينفردون بالقرار، ولا يتورعون في
استخدام أبشع الأساليب لقهر معارضيهم والبطش بهم، لكن
زكريا يعود ليؤكد أن هذه الأنظمة هي الأنسب لحكم هذه
الشعوب، وأنها أكثر ليبرالية من الأنظمة التي ستأتي بها
الديمقراطية حال تطبيقها!!
ففي
المنطقة الغارقة في نظرية المؤامرة -كما يصفها زكريا- لن
تأتي الديمقراطية إلا بالإسلاميين الذين يجيدون "لعبة"
الانتخابات، فيما هم يكرهون الديمقراطية في داخلهم
ويعتبرونها مؤامرة غربية للسيطرة عليهم، وتلك هي السمة
الغالبة لمن يطالبون بالديمقراطية في المنطقة العربية.
ويضرب
زكريا مثالا بقناة الجزيرة؛ فهو يراها ذات شكل متطور
وليبرالي، بينما مضمونها يحرض على التطرف الديني ويدعو
لمعاداة السامية وكراهية الولايات المتحدة!!
والعالم
العربي اليوم -كما يراه زكريا- ليس سوى دول مستبدة
ومجتمعات كارهة لليبرالية، وتربة خصبة للتطرف الديني
والعنف والإرهاب.
أزمة
مع القرآن!!
عند
المصريين مثل شهير يقول: "جه (جاء) يكحلها عماها"،
والمثل يشير كما هو واضح إلى حالة من الغباء دفعت من أراد
تجميل عينين فأدى إلى إصابتهما بالعمى، وتقريبا هذا ما
فعله فريد زكريا حين أراد أن ينفي مسئولية الإسلام كدين
عن غياب الديمقراطية والليبرالية في العالمَيْن العربي
والإسلامي.
ففي
سياق حديثه عن الجدل المثار في الغرب عن الإسلام بين
قائلين بأنه دين تخلف وقمع ومن يراهم زكريا أكثر إنصافا
ممن يرون المشكلة أكثر تعقيدا.. في هذا السياق يزعم زكريا
أن القرآن كتاب مليء بالشعر والتناقضات(!!) وذلك هو ما
يلتقي فيه القرآن -في رأي زكريا- مع الكتاب المقدس أو
التوراة والإنجيل!!
هكذا
أراد زكريا أن ينفي المسئولية عن الإسلام، فرمى القرآن
بما رماه به، ليخص بعد ذلك باباوات الكاثوليك بأنهم
امتلكوا السلطتين الدينية والسياسية لعدة قرون، ومزجوا
الزمني بالروحي، وهو ما لم يُتحِه الإسلام لأي حاكم مسلم،
ومن ذلك يخلص زكريا إلى أن المشكلة تكمن في العقل
الإسلامي، وقد لا تكون في الدين.
ويمضي
زكريا ليؤكد أن العالم العربي شهد بعد الحرب العالمية
الأولى موجة من الأفكار الداعية إلى ليبرالية المجتمع
وتحرره، لكن أصحاب هذه الأفكار تم كنسهم مع الثورات التي
كنست النظم الملكية، وأحلت محلها نظم الجمهوريات
العسكرية، والتي نادت بالاشتراكية والقومية، تلك النظم
الرديئة التي استوردوها من الغرب، وطبقوها بشكل أكثر
رداءة، وظلوا متمسكين بها حتى بعد أن تجاوزتها الأنظمة
التي نقلوها عنها، هذه الأنظمة - كما يقول زكريا- لم تجعل
الحكومات العربية متقدمة إلا في مجال واحد هو قمع
المواطنين وقهرهم.
كتّاب
الموضة واستراحات الحرية
من
مقارنة أوضاع الدول العربية الحالية بأوضاعها قبل 40 سنة
مضت (لماذا 40 سنة؟!) يخرج زكريا بأن مساحة الحرية قلت،
والفشل الاقتصادي ازداد، وزاد التعداد السكاني بشكل ولد
فكرا احتجاجيا لدى الشباب، دفعهم إلى الأصولية التي
ربطتهم بماضيهم. ويضيف زكريا إلى كل ذلك أن المهتمين
بالمجتمع المدني في الغرب أصابهم الهلع وهم يرون المجتمع
المدني في منطقة الشرق الأوسط عبارة عن جماعات غير
ليبرالية!
يضيف
زكريا: يحدث ذلك بينما الكتاب العرب منصرفون عن محاولة
فهم مأزق العالم العربي بالدفاع عما يسمونه بالكرامة.
وتلك فئة من الكتاب العرب فيما جلست فئة أخرى - يسميها
زكريا بكتاب الموضة - في استراحات الحرية بلندن وباريس
ليبشروا العرب المقموعين بالبديل الإسلامي، وهذا الكلام
كما يجذب الفقراء يجذب أيضا فاقدي الاتجاه من المتعلمين
المهاجرين بحثا عن فرصة عمل؛ لأنهم لديهم القابلية
لتصديق أي شيء على أمل أن تحل مشكلاتهم، وبهذا الشكل -على
حد قول زكريا- أصبح الإسلام في الهند متشددا، يتحكم فيه
سماسرة الدين والثيوقراطيون الصغار.
ثم
ينتقل زكريا من الكلام في العموم إلى الكلام على دول
بعينها؛ فعن السعودية يقول زكريا: إنه لولا أموالها لما
كان هناك طالبان، ولم يكن بإمكان دولة مثل باكستان أن
تصبح مرتعا للأصولية، كما أدت المنافسة السعودية
الإيرانية في الثمانينيات والتسعينيات إلى اندماج
الفصائل المتطرفة وانتشارها في العالم كله؛ الأمر الذي
يصفه زكريا بعولمة الإسلام الراديكالي.
وعن
إيران قال زكريا: إنها تحاول الإصلاح، وقد تنجح فيه، بعد
أن مرت بجحيم الأصوليين والمتطرفين الذين أثبتت التجارب
أن سيطرتهم تنتهي مع الوقت بعد أن يثبت فشلهم.
ولهذا
السبب يرى زكريا أن على الولايات المتحدة أن تكون حريصة
على مصر والسعودية، وألا تسمح لهما بالمخاطرة وتجربة
صعود المتطرفين إلى السلطة فيهما؛ فرغم أن النتيجة ستكون
حتما لصالح الحرية، لكنه يكون من العبث أن نترك الآخرين
يسقطون في الهاوية وننتظر فرارهم منها بعد ذلك.
لا
للديمقراطية!!
بقي
في الكتاب ما يتناول التجربة الأمريكية التي يرى زكريا
أنها تسير في طريق مظلم بجنوحها صوب إرضاء الأغلبية
السطحية وإهمالها حقوق الأقليات، وهي بهذا الشكل ستفقد
القدرة على إحداث التوازن بين الديمقراطية والحرية، بعد
أن أصبح البيت الأبيض خاضعا لاعتبارات قصيرة المدى
كالانتخابات والاستطلاعات؛ الأمر الذي سيكون له أثر سيئ
على كل النواحي.
أما
الحل فيراه فريد زكريا عكس ما كان القدماء يرونه..
فالقدماء كانوا يرون أن علاج الديمقراطية هو المزيد من
الديمقراطية، أما زكريا فيؤكد أن الأمريكيين أنفسهم ضد
ذلك بدليل أن الاستفتاءات تشير إلى أن المؤسسات الأكثر
احتراما لديهم هي الجيش والمباحث الفيدرالية والمحاكم،
وهي مؤسسات غير ديمقراطية، ومن هنا يخلص زكريا إلى أن
الحل ليس في المزيد من الديمقراطية بل في القليل منها!!
**
صحفي
مصري