|
مايكل
مور مخرج أمريكي ومقدم برامج
تليفزيونية شهير، وهو أيضا أكثر
الكتاب الأمريكيين انتقادا
للسياسات الأمريكية سواء ما يتعلق
منها بالداخل أو بالخارج وله قبل "رجال
بيض أغبياء" كتاب آخر صدر عام 1989
عنوانه "أنا وروجر"، يتناول قصة
ملاحقته لرئيس شركة جنرال موتورز
لاستجوابه عن قرار له بشأن إغلاق
مصنع ترك وراءه آلاف الأشخاص بلا
عمل، ولمور أيضا كتاب شديد الأهمية
عنوانه "الهجوم المضاد" تناول
فيه "الحماقات" التي يعيشها
الأمريكيون في حياتهم اليومية.
وإضافة لكل ذلك فإن مور له عدد من
المسلسلات التليفزيونية حصل أحدها
على جائزة إيمي.
اللافت
أن الرئيس الأمريكي بوش الابن هو
القاسم المشترك في كل أعمال مور، وفي
كل حواراته نجده يوجه له أقسى
العبارات، ومما يحسب لمور أنه كان قد
استطاع طيلة الفترة الماضية أن يحول
كل المهرجانات التي حضرها ليتسلم
فيها جوائز عن أعماله إلى مظاهرات ضد
السياسات الأمريكية عموما وضد
عدوانها على العراق بشكل خاص.
حدث
ذلك في حفل توزيع جوائز السينما
الفرنسية "سيزار" في باريس،
الذي حصل فيه على جائزة أفضل أجنبي؛
فلدى تسلمه للجائزة شكر فرنسا
لموقفها الرافض للعدوان الأمريكي
على العراق (قبل أن يقع بعدها)، وقال -وهو
المعروف بحبه للفكاهة والمزاح-: "أعرف
أن الصحافة الأمريكية ستصلبني على
هذا الكلام، لكنني أشكر فرنسا أيضا
على اختراعها للسينما، وعلى
اختراعها البطاطا المقلية،
والقبلات على الطريقة الفرنسية،
وعلى مساعدتنا خلال حرب الاستقلال.
ولولاكم لكنا نتحدث حتى اليوم
باللكنة الإنجليزية". والأهم من
ذلك كله أنه قال: "بصفتي أمريكيا،
أحب أن أقول: إن غالبية منا لم تصوت
لانتخاب جورج بوش. إن أفضل تعريف
للحليف أو الصديق هو ما يقوله لنا
هذا الصديق أو الحليف عندما نقترف
خطأ. شكرا لكم لأنكم أرشدتمونا إلى
الطريق".
ولا
يمكن أن نتحدث عن الكتاب في أصله
الإنجليزي أو ترجمته العربية إلا
بعد وصف الطريق الشاق الذي سلكه هذا
الكتاب حتى يصل إلى يد القارئ، وهو
الطريق الذي تاهت فيه المزاعم
الأمريكية حول رسالتها الربانية
لنشر الديمقراطية في العالم وبين
البشرية!!
من
ضحايا البرجين!
قبل
ساعات من حادث تفجير البرجين -تحديدا
في مساء العاشر من سبتمبر 2001- خرجت من
المطابع أول 50 ألف نسخة من الكتاب..
هكذا لم يكن الوقت مناسبا لتوزيع
الكتاب، فما حدث كان سيمنع مور
بالتأكيد -وهو من سكان مانهاتن- من
القيام بأي جهود للترويج للكتاب،
كما أن حالة الحزن والحداد التي سادت
الولايات المتحدة بكاملها جعلت كل
الأمريكيين لا ينشغلون بشيء غير
قراءة ما قد يجيب على الأسئلة
العديدة التي قفزت على السطح.
أسابيع
مرت وظن مور أن الوقت أصبح ملائما
لنشر الكتاب، فذهب للناشر، ففوجئ
بما قال: إنه لم يكن يتوقعه في بلاد
الحريات.
مور
فوجئ بأنه مطالَب بدفع 100 ألف دولار،
وليس ذلك فحسب، بل وبتعديل وإعادة
كتابة ما يزيد عن نصف الكتاب!! لماذا؟
سأل مور، فأجابه الناشر بأن الوضع
السياسي داخل الولايات المتحدة
اختلف، وأنه لا يمكنه بحال من
الأحوال أن يوزع الكتاب على
المكتبات وهو يتضمن كل ما فيه، لذلك
فإن عليه أن يخفف من حدته ومن
انتقاداته للإدارة الأمريكية،
وعليه أيضا أن يحذف عددا من الفصول،
منها تلك التي يتهكم فيها على شخص
الرئيس الأمريكي ورءوس الإدارة،
وذلك الفصل الذي عنوانه "انقلاب
أمريكي خاص جدا".
هل
قلنا: إن الناشر هو هاربر كولنز؟
يبدو ذلك مهما، ومثله أيضا توضيح أن
هاربر كولنز من كبرى شركات النشر
داخل الولايات المتحدة، وأنها ركن
مهم في الشركة الإعلامية القابضة
نيوز كروب، في الإمبراطورية
الإعلامية الضخمة التي يملكها روبرت
ميردوك.
"لا
نستطيع في مثل تلك الظروف أن نتحدث
عن تزوير الانتخابات الأمريكية، ولا
يجوز لأمريكي في تلك الأيام أن يصف
وصول بوش للحكم بأنه انقلاب، حتى ولو
كان الانقلاب أمريكيا جدا كما تقول"..
هذا ما قاله الناشر لمور، وأضاف له:
"إن الواجب الوطني يقتضي في مثل
تلك الظروف أن نلقي الضوء على
الأشياء العظيمة التي يعتزم الرئيس
بوش القيام بها ردا على أحداث الحادي
عشر من سبتمبر"، وقال الناشر أيضا:
إنه يكرس كل جهده لإصدار عدد من
الكتب عن الإرهاب وعن سقوط البرجين.
دفاعا
عن حق الكلمة
مايكل
مور الذي يحترم كلماته، ويعتبر
حريته أغلى من أي شيء، شأنه في ذلك
شأن أي كاتب محترم.. رفض كل ذلك، رفض
حتى تغيير كلمة واحدة، ومن دون تردد
أو تفكير قال لمحدثه: "إننا في مثل
هذه الظروف علينا أن ندافع عن
حريتنا، وهذا هو ما أحاول أن أفعله
في الكتاب؛ فكيف تريد مني أن أخضع
للرقابة، وأن أستجيب لضغوطك، وأغير
في آرائي لتتسق مع رأيك السياسي الذي
انقلب بانقلاب الأحداث؟! ثم كيف
تطالب الإدارة الأمريكية دول العالم
بالديمقراطية، وأنتم تقمعون حريتنا
داخل بلادنا؟!"
وكانت
كلمات مور هي آخر خطوة في طريقه
المسدود مع هاربر كولنز، والأكثر من
ذلك أنه فقد الأمل إلى الأبد في خروج
كتابه. فكما رفضت هاربر كولنز توزيع
الكتاب رفضت أيضا (وهي تملك حقوق
النشر) السماح له بإعطائه لناشر آخر،
وحين سأل مور عن مصير الـ 50000 نسخة
المطبوعة. جاءته الإجابة القاتلة:
"سنتلفها"!
"لم
أستطع النوم في تلك الليلة، ولا أعرف
أن أصف مشاعري، فقط أستطيع أن أقول
بأنني شعرت بالاشمئزاز وأنا أرى أن
بلادي العظيمة بحرياتها تضيق بي
وبكتابي". بهذه الكلمات وصف مور
حالته، لكنه سرعان ما تجاوز خصوصية
الأمر، ورأى الوضع داخل الولايات
المتحدة في صورته العامة، رأى
السلطات الأمريكية تلتقط كل من تشك
في أنه ذو ملامح عربية، وتعتقله
لأشهر من دون أن يكون قد فعل أي شيء،
ومن دون حتى أن توجه له تهمة، وقال
لنفسه: "ما دامت الإدارة تفعل ذلك؛
فإن النخبة التابعة لها والمتسلطة
علينا ستسعى جاهدة لتنفيذ الأوامر
القذرة بالإبقاء على معظم
الأمريكيين أغبياء وجهلاء بالحقائق".
واقفا
في نهاية الطريق المسدود ظل مايكل
مور، وقد ثبت له أن كتابه مات، لكن
حدث ما قلب كل الموازين، وجعل ما كان
في حكم المستحيل ممكنا.
واصل..
وستصل رسالتك
وصلته
دعوة للمشاركة في اجتماع بأطراف
نيوجرسي، ورغم أنه كان مقررا أن
يتحدث في الشئون العامة؛ فإنه عندما
أمسك بالميكروفون وجد نفسه يتحدث عن
كتابه، ويستأذن الحاضرين في أن يقرأ
عليهم فقرات من تلك التي اعتبرها
الناشر خطرا على البلاد وتهدد أمنها.
وقرأ
مور، وصفق الحاضرون بشدة، وطالبوه
بقراءة المزيد، فقرأ وقرأ حتى فوجئ
الجميع بانسحابه وخروجه من القاعة!
خرج
ليبكي خارج القاعة؛ فقد كان صعبا
عليه أن يراه الحاضرون وهو يبكي هذا
البكاء الشديد على نفسه وعلى الحرية
التي يريد المسيطرون على النشر أن
يفرضوها عليه وعلى كتاب كثيرين غيره
بالتأكيد، وحين عاد وبمجرد دخوله
القاعة وجد سيدة تقترب منه وتلومه
بعنف؛ لأنه صمت، ولأنه لم يقاتل من
أجل خروج كتابه إلى النور، كما لامته
أيضا على نظره للأمر على أنه شأن
شخصي يتحرج الحديث عنه لاستئذان
الحضور، مؤكدة على أن هذا القمع وهذه
الرقابة لا تمسه وحده بل تمس كل
الكتاب وكل المواطنين الأمريكيين
بالضرورة.
السيدة
التي اقتربت منه ولامته كانت آن
سبارانيس، وهي أمريكية تنتمي للتيار
الليبرالي، وما إن انتهى الاجتماع
حتى أجرت العديد من الاتصالات
بأصدقاء ليبراليين لها، اتصلوا هم
أيضا بآخرين، وما إن نشرت مواقع
ليبرالية على شبكة الإنترنت قصة
الكتاب المنبوذ وما تنوي شركة هاربر
كولنز للنشر أن تفعله به حتى تكوّن
رأي عام قوي، وانطلقت حملة اعتراض ضد
الشركة، وانهالت آلاف الرسائل
المحتجة والمطالبة بالإفراج عن
الكتاب، وأمام هذا السيل من الرسائل
اضطرت هاربر كولنز لتوزيع الكتاب
على المكتبات خوفا من تأثر سمعتها لو
انتشر الأمر على نطاق أوسع.
غير
أن الشركة في الوقت نفسه سعت جاهدة
لاغتيال الكتاب، فلم تلتزم بالعديد
من الشروط المنصوص عليها في العقد
الذي وقعه مور معها، لم تعلن عنه في
الصحف، ولم تنظم مقابلات له، كما
أنها نصبت فخا له بحصر جولاته
الترويجية للكتاب في ثلاث مدن لا
يسكنها غير المحافظين.
الكتاب
يبيعه.. المضمون!
وهكذا
كانت المفاجأة مضاعفة، وكانت شركة
النشر في منتهى الدهشة تماما كما كان
مور نفسه، وهم يرون الكتاب ينفد بعد
ساعات من توزيعه على المكتبات!!
خمسون
ألف نسخة من الكتاب لم يبق منها نسخة
واحدة بنهاية اليوم الأول، وكادت
الصدمة تفتك برأس الناشر، وهو يرى
عنوان الكتاب يتصدر قائمة الكتب
الأكثر مبيعا "The Amazon. Com Bestseller
List"
ولم
تتوقف طلبات المكتبات على الكتاب،
بعد أن تصدر أيضا قائمة نيويورك
تايمز لأعلى الكتب مبيعا، وكذلك
قائمة "لوس أنجلوس تايمز"، وفي
الترتيب نفسه جاء عنوان الكتاب في
قوائم الكتب الأكثر مبيعا في كندا
وبريطانيا حتى قبل أن تصدر الطبعة
الخاصة بها.
كل
ذلك حدث في الأيام التسعة الأولى
لصدور الكتاب، التي كانت تصدر
خلالها طبعة جديدة من الكتاب يوميا!!
أكثر
من نصف مليون نسخة من الكتاب بيعت
بكاملها خلال عشرة أيام، دون أن يكون
هناك إعلان واحد عن الكتاب، والأكثر
من ذلك هو أن عدد الطبعات وصل إلى 21
طبعة قبل صدور الطبعة البريطانية في
يوليو 2002 عن دار بنجوين، وهي الطبعة
التي عرفنا من المقدمة التي كتبها
مور لها تلك القصة: قصة نشر الكتاب!!
شهور
قليلة مضت على صدور الطبعة
البريطانية للكتاب، وبعدها كان
مايكل مور هناك (فبراير 2003) يصافح
زعيم حزب المحافظين البريطاني
المعارض إيان دانكن سميث، والسياسي
اليساري توني بين، وهو يتسلم جائزة
كتاب العام البريطانية، وهي الجائزة
التي انتزعها مور من آلاف المنافسين
الآخرين، أبرزهم لاعب الكرة
الأيرلندي روي كين الذي كان مرشحا
للجائزة بسيرته الذاتية، ويان مارتل
الفائز بجائزة بوكر الأدبية لعام 2002.
فوز
كتاب "رجال بيض..." بالجائزة كان
مفاجأة أدهشت الجميع؛ الأمر الذي
جعل منظم الجوائز ميريك ديفيدسون
يقول في بيان أصدره: "يبدو أن هناك
اقتراعا قويا جدا مناهضا للحرب من
جانب العاملين في صناعة الكتب
وجمهور القراء".
وهنا
نشير إلى أن أكثر من 150 ممثلا لصناعة
الكتب البريطانية اعتادوا اختيار
الفائزين بتلك الجائزة، لكن هذا
العام قام الجمهور باختيار الفائزين
بالجوائز الثماني الأولى من خلال
استفتاء أجري هاتفيا. وكانت تلك هي
رحلة الكتاب.
في الموضوع
أيضًا:
|