|
"الحكومة
وضعت سيطرتها على كل أجهزة الدولة
الإعلامية قبل الحرب بعدة أسابيع،
ووضعت جميع صلاحيات استخدام هذه
الوسائل تحت قيادة الجبهة الداخلية
وهيئة الدفاع المدني لأجل غير محدد
من أجل الحرب الأمريكية- البريطانية
ضد العراق".. هذا ما أكد عليه مسئول
في هيئة الدفاع المدني لصحيفة
معاريف الإسرائيلية الثلاثاء 18-3-2003.
فلا
شك أن الحرب الأمريكية على العراق
تتخذ أهمية قصوى في إسرائيل لأسباب
إستراتيجية، وسياسية، ووجودية كما
يؤكد الإسرائيليون أنفسهم على ذلك.
من
أجل ذلك قامت إسرائيل طوال الأشهر
الثلاثة الأخيرة الماضية
باستعدادات خاصة لهذه الحرب على
كافة الأصعدة، وكان الصعيد الإعلامي
أحد أهم المحاور التي نالت القسط
الأكبر من اهتمام الجبهة الداخلية
الإسرائيلية، وهيئة الدفاع المدني
في تعريف المواطنين الإسرائيليين
بتطورات الحرب، وما يجب عليهم
القيام به إزاء كل تطور في ساعات
الحرب.
صفارة
إنذار تلفزيونية
وضعت
الجبهة الداخلية عدة محاور
للاستعدادات الإعلامية، وحددت دور
وسائل الإعلام المرئية والمسموعة
والمقروءة خلال فترة الحرب، حيث
يقوم التليفزيون الإسرائيلي ببث
تقارير خاصة بالحرب، ونصائح
للمواطنين بكيفية التصرف عند وقوع
أي هجوم من قبل العراق على إسرائيل.
فقد أذاعت القناة الأولى للتليفزيون
الإسرائيلي الأربعاء 19-3-2003 (أي
قبل الحرب الأمريكية البريطانية على
العراق بيوم واحد) بيانًا بشأن آخر
التعليمات قبل نشوب الحرب جاء فيه:
"المواطنون
الأعزاء في دولتنا، في حالة وقوع
صاروخ عراقي على أي شبر من أرض
إسرائيل، فإن شاشة جميع القنوات
الإسرائيلية فقط ستقوم بإخباركم
بهذا الأمر عن طريق شريط إخباري
متحرك مكتوب عليه كلمة إنذار بخط
بارز، يعقب ذلك بيان من الناطق
العسكري لجيش الدفاع بأهم التطورات،
وما يجب عليكم القيام به حسب تطورات
الوضع، وسيتم ترجمة هذه التعليمات
فوريًا على شريط إخباري آخر بخمس
لغات هي العبرية والعربية
والإنجليزية والروسية والفرنسية،
بعدها يتم دمج القنوات المحلية
الإسرائيلية لتعرض تقارير خاصة من
قلب أستوديو تابع للقناة الأولى في
منطقة الكيرياه بتل أبيب أُعد
خصيصًا للحرب فهو محصن ضد أي هجوم
بالصواريخ البيولوجية والكيماوية،
حيث ستقوم الناطقة العسكرية روت
يارون بنقل آخر التطورات في سير
الحرب على المستوى الخارجي في منطقة
الخليج، وعلى المستوى الداخلي في
إسرائيل".
وإمعانًا
في الحذر قامت إسرائيل بإقامة عدة
أستوديوهات بديلة في أماكن متفرقة
بعيدًا عن مبنى التليفزيون في تل
أبيب، وخاصة في الرملة حيث توجد نقطة
البث الرئيسية التابعة لجبهة
القيادة الداخلية الإسرائيلية.
من
جهة أخرى بدأت الجبهة الداخلية
الإسرائيلية مساء الثلاثاء 19-3-2003 بث
برامج إعلامية على شاشة القناة 33
لتقديم إرشادات للمواطنين حول طرق
إعداد الغرف المُحكمة. وتم بث هذه
البرامج باللغات العبرية والعربية
والروسية والأمهرية والإنجليزية
والأسبانية.
مقدمو
البرامج من الموساد!
من
جهة أخرى قررت الحكومة الإسرائيلية
ممثلة في هيئة الدفاع المدني وقف بث
جميع القنوات الأجنبية خلال فترة
الحرب، بما فيها القنوات الإخبارية
cnn-fox news-sky news-bbc. وعلى الرغم من تصديق
الحكومة الإسرائيلية على هذه
القرارات الخاصة بالاستعدادات
الإعلامية، فإنها واجهت اعتراضات
كبيرة صدرت من مسئولي القناتين
الأولى والعاشرة حيث رفضوا دمج
القنوات جميعها في قناة واحدة،
طالبين أن يقوم كل فريق عمل في كل
قناة ببث تقاريره وانفراداته الخاصة
بالحرب ومستجداتها.
ووصف
الكاتب الإسرائيلي يارون لندن في
صحيفة يديعوت أحرونوت هذه القرارات
بأنها استمرار لهيمنة المؤسسة
العسكرية الإسرائيلية على الإعلام
الإسرائيلي، موضحًا أن كافة مقدمي
البرامج الإخبارية والتقارير
السياسية كلهم ممن خدموا في جهاز
الاستخبارات الخارجية "الموساد".
وشهدت
القنوات الثلاث الرئيسية في إسرائيل
تغييرات كبيرة في برامجها الإخبارية
الأساسية اليومية منذ الأربعاء
12-3-2003؛ حيث ركّزت هذه البرامج على
الشأن العراقي والحرب الأمريكية على
العراق وتداعياتها، لكن التغيير
الأكبر كان في نوعية مقدمي هذه
البرامج؛ فقد اختارت قيادات القنوات
الثلاث ثلاثة من كبار العسكريين في
الدولة العبرية لتقديم هذه البرامج -في
سابقة هي الأولى من نوعها في برامج
التليفزيون الإسرائيلي التي يغلب
عليها الطابع العسكري لكن دون أن
يكون مقدموها قيادات حالية في الجيش-
وهم: إيتان بن إلياهو، وعاموس مالكا
وهما جنرالان في الجيش الإسرائيلي،
ورؤفين مرحاف مسئول كبير في الموساد.
بالطبع
فإن إسرائيل تهدف من هذه التغييرات
إلى خداع الرأي العام في الشارع
الإسرائيلي عن طريق هؤلاء العسكريين
الذين سيقومون بتحليل الحرب من وجهة
واحدة فقط هي أنها حرب ضد الإرهاب،
دون إعطاء المشاهد فرصة التنقل بين
القنوات الأخرى لمتابعة آراء أخرى
سياسية وليست عسكرية بحتة.
وهو
نفس ما ذهب إليه المعلق السياسي "نير
برعام" في صحيفة معاريف الثلاثاء
25-2-2003، مؤكدًا على أن إسرائيل لا
تزال تواصل النظر إلى بلاد الشرق
الأوسط عبر فوهة البجاحة العسكرية.
وقال:
"نعلم أن كثيرًا من العرب يتابعون
برامجنا وتقارير وسائل إعلامنا،
بالتالي فإن عسكرة البرامج
الإسرائيلية خاصة في الحرب
الأمريكية على العراق من شأنها أن
تضع في فكر المشاهد العربي أن سقوط
العراق بأيدي الدول الغربية هو
بداية الكابوس المخيف لجميع الدول
العربية الأخرى".
ووصف
برعام المادة التي يقدمها العسكريون
الإسرائيليون عبر شاشات التليفزيون
بالعمى والتطرف، مطالبًا في الوقت
ذاته بعدم التخلي عن مدنية الدولة
وقت الحرب.
وماذا
عن الإذاعة؟!
تتخذ
إسرائيل من الجانب الإعلامي المسموع
منطلقًا كبيرًا نحو خدمة أهدافها
خاصة وقت الحروب، وفي إطار
الاستعدادات وتغطية الحرب
الأمريكية على العراق قامت الهيئة
الداخلية بتخصيص تقارير كل ساعتين
في كل من راديو الجيش الإسرائيلي،
والإذاعة العامة الإسرائيلية
بالعربية والعبرية، وريشيت بيت. على
أن تتخلل هذه التقارير نشرات تبدأ من
الساعة الخامسة صباحًا بدلاً من
السادسة وتستمر حتى الثانية والنصف
صباح اليوم التالي بدلاً من الثانية
عشرة.
أشهر
هذه البرامج برنامج "يوم جديد"
الذي تبثه الإذاعة العامة بعد نشرة
الأخبار الأولى، وتقرر زيادة فترته
من ساعة إلى ساعتين ونصف. أيضا فإن
تقرير الظهيرة الذي يذاع في الثانية
عشرة ظهرًا حتى الثانية بعد الظهر
تقرر تخصيص ساعة كاملة منه للحرب
الأمريكية على العراق.
العراق
في الصحافة منذ 4 شهور
يعد
الإعلام المقروء من المؤثرات القوية
في توصيل رؤية الحكومة وصانعي
القرار في إسرائيل للمواطنين، وما
يجب عليهم اتباعه من تعليمات تصدر من
الجبهة الداخلية وهيئة الدفاع
المدني من خلال الصحف الرئيسية في
إسرائيل "هاآرتس – معاريف –
يديعوت أحرونوت – هتسوفيه –
جيروزاليم بوست – كول هعير".
حيث
تفرد هذه الصحف منذ أكثر من أربعة
شهور صفحاتها للحديث عن العراق،
وتحفيز المواطنين للوقوف بجانب
الحكومة في مساعدتها وتأييدها لهذه
الحرب، زاعمة أن العراق ينتظر
الفرصة لتدمير إسرائيل وقتل
المواطنين اليهود.
كان
أشهر هذه التقارير ما نشرته صحيفة
معاريف في ملحقها الأسبوعي "سوف
شفوع" الجمعة 28-2-2003 تحت عنوان "الطريق
لصدام حسين.. طويل للغاية"، وفيه
كشف كاتب التقرير "فيرد كلينر"
عن معلومة مهمة للغاية عندما أوضح أن
الحرب الأمريكية ضد العراق لن تنتهي
سريعًا، مؤكدًا أن الحرب ستستمر
لعدة سنوات بحثًا عن صدام الذي لن
يجده الأمريكان "بطبيعة الحال"
بسهولة. وضرب مثالاً بالحرب
الأمريكية في أفغانستان، ولم يُعلم
حتى الآن أين هو أسامة بن لادن زعيم
تنظيم القاعدة.
الإنترنت..
بانوراما الحرب
ضمن
الجانب الإعلامي المقروء في الدولة
العبرية يبرز بوضوح دور مواقع
الإنترنت خاصة الإخبارية في تغطيتها
للحرب الأمريكية، حيث كان موقع "وله"
الإخباري -ثالث أكبر المواقع
الإخبارية العبرية على شبكة
الإنترنت- في صدارة المواقع التي
قدمت خدمات خاصة للحرب على العراق.
وقدم
الموقع حقلاً خاصًا بالحرب
الأمريكية على العراق تحت عنوان "حرب
بوش -صدام الثانية" ،
وفيه استعرض قصة حياة الرئيس
العراقي صدام حسين، والحروب التي
خاضها طوال فترة رئاسته للعراق،
إضافة إلى تقديمه شرحًا مفصلاً
للأحداث والقرارات الدولية الخاصة
بالأزمة العراقية الأخيرة وردود فعل
الصحافة العالمية، وبالطبع كان
التركيز الأكبر على الانتقادات
الموجهة للعراق ورئيسه، وتحفيز
الأمريكان على المضي قدمًا في الحرب
حتى النهاية. كما شملت الوصلة
استطلاعًا خاصًا حول رأي الزوار في
الحرب وضرورتها بالنسبة لإسرائيل،
ورأيهم في مشاركة إسرائيل عسكريًا
فيها.
وأرفق
الموقع العبري وصلة خاصة تحت عنوان
"أمريكا تحكي عن صدام" ،
وهو موقع أمريكي باللغات الإنجليزية
والأسبانية، إضافة إلى العربية
مؤخرًا لترسيخ الفكرة الأمريكية حول
العراق ممثلاً في نظامه الحاكم،
وضرورة التخلص منه.
وعلى
موقع الجيش الإسرائيلي بلغتيه
العبرية والإنجليزية تم وضع قسم خاص
بالحرب على العراق ،
وجدول خاص بالمواد الغذائية التي
تحتاجها كل أسرة في إسرائيل وقت
إعلان الطوارئ في البلاد،
واستعدادات الجيش لهذه الحرب، ودوره
في حماية المجتمع المدني الإسرائيلي
خلال الحرب، مع وصلة خاصة للبيانات
التي ستقوم ببثها الناطقة العسكرية
"روت يارون".
بينما
في النسخة الإنجليزية للموقع تم وضع
وصلة خاصة للحرب تحت عنوان "التهديد
العراقي"، مرفقاً بصورة كبيرة
لصدام حسين ،
ولم تخل مواقع الصحف الإسرائيلية
الرسمية الثلاث من هذا الاهتمام
الكبير بالحرب، وكان لصحيفة هاآرتس
السبق في هذا الأمر، حيث تعتبر
وصلتها عن الحرب هي الأكثر شمولية، فقد غطت كل
الجوانب المتعلقة بالحرب بداية من
الأزمة السياسية وفشل الدبلوماسية
في حلها، وحتى النتائج التي تسفر
عنها هذه الحرب على المستوى الداخلي
لإسرائيل وعلى المستوى الدولي. مع
وضع إرشادات خاصة للمواطنين وفتح
دائرة اتصال مع زوار الموقع للإجابة
عن أي تساؤل بخصوص الحرب.
أغرب
دعاية للحرب!
يعتبر
تصريح الحاخام "ألبريكت فوكس"
أحد رؤساء الجماعة الدينية اليهودية
على الوصلة الخاصة بالحرب لصحيفة
هاآرتس هو أغرب دعاية لتبرير الحرب
الأمريكية على العراق، حينما قال:
أطمئن الأسرة اليهودية أن الحرب على
إسرائيل وردت في التناخ -وهي الكتب
الدينية الثلاثة: الأسفار الخمسة
للتوراة، وأسفار الأنبياء، وأسفار
المكتوبات- حينما ورد في أحد فصول
سفر أرميا أن "الموت سيأتي من
النافذة". وها هو الموت قد يأتي
إلينا من النافذة عن طريق الأسلحة
العراقية.
اقرأ
أيضًا:
**
كاتب مصري متخصص في الشئون الإسرائيلية
|