بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

فضائيات

مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة


الفيديو كليب.. ديكتاتورية الصورة تغتال النغم

2003/02/04

شريف حمودة **

عندما لا تجد الآذان الفرصة لممارسة متعة الاستماع الهادئ إلى الأنغام والحناجر الطروب؛ فإنه من الطبيعي أن موسيقانا وأغنياتنا العربية الحديثة تصير غير معتمدة في الأساس على توصيل أي عناصر صوتية إلى الجمهور! والحقيقة المؤسفة أنه لـم تعد درجة فاعلية الموسيقى أو درجة جودة الأغنيات تُقاس بمؤشر ترمومتر الأذن الذي هرب زئبقه وتوارى؛ حيث فرض النمط الغربي عولمته الفنية على أنصاف المواهب من المقلدين والأدعياء في عالمنا العربي، ومن ثم فرضها على الجماهير.

وصارت ثقافة الفيديو كليب الاستهلاكية بضجيجها غير المتناغم وتشخصيها الحسي الشهواني الفج للقيم المجردة هي الثقافة السائدة في مجتمعاتنا العربية التي توحشت فيها "العين" التي لا تؤمن بما لا تراه، وصارت "الصورة" تمارس ديكتاتورية شرسة ترتكز فيها على انثناءات والتواءات الأجساد شبه العارية للراقصين والراقصات والمطربين والمطربات الذين يغنون بأجسادهم.

وتتسق تلك التقنيات المباشـرة -التي داست كل الظلال، ومحقت كافة تجليات الخيال- مع كون المجال الفني بأكمله قد بات سوقًا واسعة تخضع لقوانين "التسليع" وآليات "التسعير". ولم يعُد عجيبًا أن توصف موسيقانا وأغنياتنا العربية في الآونة الأخيرة بأنها "ملوّثة"؛ فمعروف أن الموسيقى الصاخبة غير المتناغمة من شأنها أن تؤدي إلى فرض نوع من "التلوث السمعي" يصيب الإنسان بالتوتر والقلق النفسيين، ويدفعه نحو سلوك عدواني!

إغواءات جنسية وملابس فيكتورية!

وبالنظر إلى عدد من أشهر الأغنيات العربية وأكثرها ذيوعًا في التليفزيونات الحكومية والفضائيات الخاصة في عالمنا العربي، نجدها تدور في فلك ثقافة الصورة الاستهلاكية وغناء الأجساد للأجساد وللعيون؛ فعمرو دياب في "حبيبي ولا على باله" يستعين برقصات هستيرية تؤديها فتيات بالغات الخلاعة لا ينتمين إلى المشرق بصلة، كما يدخل ضمن سياق الأغنية -المفترض أنها عربية- مطرب زنجي راقص بفاصل من الغناء الأمريكي!

ووائل كافوري في "حكاية عاشق" يبدو كفارس أوروبي في القرن الثامن عشر يعشق فتاة ويلاحقها في الحدائق الخضراء وفوق جواده. ومصطفى قمر في "الليلة دوب" يمارس طقوساً مشعوذة مع راقصين وراقصات من جزر هاواي -على ما يبدو- أو من أبعد مكان عن المخيلة العربية.

وكاظم الساهر -رغم تمكنه الصوتي كمطرب- يستحضر في "كل عام وأنت حبيبتي" الطقوس الاحتفالية المسيحية، فضلاً عن إرهاق الأغنية بالممارسات العاطفية المبالغ فيها.

ولا تتجاوز هذه الدائرة الضيقة ذات الطابع الحسي الابتذالي الجسدي أغنيات أخرى؛ مثل: "يوم ورا يوم" لسميرة سعيد والشاب مامي، و"بتغيب بتروح" لراغب علامة وأليس، و"سحراني" لإيهاب توفيق، و"آه يا ليل" لشيرين، و"ناري نارين" لهشام عباس، و"قلبي دق" لنوال الزغبي، و"يا ترى يا حبيبي" لبهاء سلطان… وغيرها.

الفتاة الكليب.. شقراء وعشرينية

وتطبيقًا على 14 أغنية خليجية من دول الإمارات والكويت والبحرين والسعودية وقطر، من بينها "وينك" للكويتي عبد الله الرويشد، و"حبك مضى" للسعودي عبادي الجوهر، و"فارس أحلامي" لفاطمة الإماراتية، و"البرد" للقطري علي عبد الستار، و"يا مصبر الموعود" للكويتية نوال، و"دورات الأيام" للسعودي صالح السعد، و"يا ويلي من عيونك" للسعودي حسين عمر، و"ليلي الهوى" للبحريني خالد الشيخ، و"عيوني" للكويتي محمد البلوشي، و"جزاك الله حبيبي خير" للإماراتي فايز السعيد.. أوضحت الباحثة الدكتورة أمينة خميس الظاهري من جامعة الإمارات في دراسة حديثة لها أثبتها "المركز العربي للمصادر والمعلومات حول العنف ضد المرأة" (http://www.amanjordan.org/) أن استخدام المرأة في الفيديو كليب يعتبر واحدًا من أهم الأدوات والأساليب التي تساهم في نشر هذه الأغنيات العربية ونجاحها كما يرى معظم مخرجي هذه الأغنيات التي توصف بأنها شبابية.

وقد ظهرت المرأة في الأغنيات الخليجية السالفة بشكل وملامح امرأة غربية من حيث لون الشعر الأشقر والعيون الملونة، وهى امرأة شابة يتراوح عمرها بين 20 و25 سنة. كما أن معظم هذه الأغاني أظهرت المرأة في ملابس من العصر الفيكتوري الذي لا يمُت للمجتمع العربي بأي صلة!

ويدل ذلك على مبدأ تسييد نمط المرأة الغربية؛ باعتبارها النموذج المحتذى في ظل سيادة العولمة الغربية. كما تظهر المرأة في معظم هذه الأغاني بملابس غربية عصرية كالبنطال والجينـز والقمصان القصيرة، وتقوم المرأة باستبدال ملابسها في الأغنية الواحدة أكثر من مرة، وكأنها في عرض للأزياء. وبالتالي فدورها ينحصر في العرض والوقوف أمام المطرب الذي يفترض أنه يغني لها.

أما بالنسبة للمرأة المشاركة فانحصرت أدوارها في الرقص في أغلب الأحوال أو تأدية أدوار مهمشة جاءت لتخدم الخلفية التي أرادها مخرجو هذه الأغاني. ومن المعروف أن "الرقص" مهنة مرفوضة في المجتمع العربي والإسلامي.

منتج رديء لثقافة الاستهلاك

وفي حديثه معنا الذي يلخص فيه دراسة مهمة له حول "آثار وتبعات ثقافة الفيديو كليب" يقول الكاتب والناقد عزت القمحاوي: إن الضجيج غير المتناغم للفيديو كليب المستخدم في معظم الأغنيات العربية الحديثة المصوّرة يبدو متناغمًا جدًّا مع عصر الإلحاق المجاني بالغرب لمجتمعات لم تُعتق بعدُ من الديكتاتورية البالية؛ لتقع أسيرة للديكتاتورية الجديدة: ديكتاتورية الصورة!

إن مطربي هذا الزمن ليسوا ممن استجابوا لنداء الفن الغامض، وأعطوه أعمارهم قبل أن يمنحهم سنوات قليلة من الراحة؛ فهم يدخلون الفن مجردين من أي موهبة صوتية، ولا يمتلك أحدهم ذوق مستمعٍ متوسطِ الحساسية يتيح له اختيار كلمات أغنياته. وليس مهمًّا إذا ما مضت الكلمات الحزينة في اتجاه والإيقاعات المرحة في اتجاه آخر، وطار المطرب في اتجاه ثالث ليستقبل امرأة الحلم!

فالصورة المُرْضِية للجميع ستتولى تسوية كل هذه الأمور البسيطة؛ حيث يتمتع الشباب في خلفية صورة المطرب بالوسامة اللازمة لاصطياد عين الأنثى المشاهدة المحبطة، وهم لا يرقصون بقدر ما يطاردون فتيات رائعات الحسن في خدمة المشاهد الذكر، مقتصدات في ملبسهن إلى ما هو فوق الحد الأقصى المسموح!

وتتكفل لعبة الضوء والإظلام واختلاط الألوان بتمرير العُرْي شبه الكامل على رقيب التلفزيونات العربية المتواطئ، بينما يبقى الْعُرْي واضحًا للعين المدققة النهمة، ويبقى لهذا السعار مظهر الحفلات الباخوسية القديمة، وربما حفلات الزار في الثقافات الأفريقية!

وهكذا يُطرد من السوق كل مطرب يراهن على التمسك بأصول الغناء، وكل مطربة لا تريد أن تبني مجدها على الجاذبية الجنسية؛ فتكافح مطربة مثل ماجدة الرومي للبقاء في الصورة، ولا نعرف ماذا ستصنع الأيام بصوت جديد مثل آمال ماهر، بينما يبدو صوت عفاف راضي البديع المثقّف كما لو أنه لم يولد قطّ!

ويعتمد الإغواء الجنسي في الفيديو كليب –كما يقول القمحاوي- على وحش العين الذي استفادت به حضارة التسليع عامة، وهو يجعل من الأذن شيئًا غير ضروري لعمل المطرب الذي سيجد سوقه من خلال الإلحاح المتكرر على العين بالصور المنتجة جيدًا.

وبالنسبة لمستهلكي الفيديو كليب من الشباب العرب والشابات؛ فقد تكون مخالفة سلطة العائلة بهجر المستقر في تراثها السمعي دافعًا إضافيًّا للعبور لعالمه الساحر، بينما الدوافع الأهم تحمل عناوين الحلم بالمتعة الجنسية المتعذرة في الواقع، وإقامة علاقات سهلة -ولو بالنظر- مع أجساد شديدة الاكتمال، والطواف عبر العالم الذي لا أمل لهم في رؤيته عيانًا؛ حيث تحملهم الأغنية إلى القصور الشاطئية في إسبانيا وبرج إيفل في باريس وأبراج نيويورك وجبال اليونان وشوارع فينيسيا التي تتبختر فيها المراكب في أغنية مدتها دقائق قليلة!

وربما كان الأهم إشباع رغبة التوحد مع أمثالهم من الغربيين في لعب ورمز واحتفال واحد، قوامه الموسيقى الصاخبة، ولنا أن نتخيل قوة إدهاش هذه الممارسة المهرجانية بالنسبة لشباب مجتمع لم يعُد يأمل حتى في الحزن الجماعي! ونادرًا ما يقدم الفيديو كليب رقصة محددة القواعد، بل يعتمد على الهذيان المحموم للأجساد في صالة الديسكو المتأرجحة بين عتمتين يصنعهما تناوب الإظلام التام والضوء المبهر، وهذا التلوي الذي لا تلزمه أي مهارة هو أحد المنتجات الرديئة لعصر الاستهلاك السريع!

 مافيا الفضائيات!

وحول دور الفضائيات العربية والتلفزيونات الحكومية في نشر ثقافة الفيديو كليب الاستهلاكية، يقول عزت القمحاوي: بين منتج ومستهلك الفيديو كليب هناك نقطة الوصل بينهما، وهي أكثر تعقيدًا وعصيانًا على وضعها.. أعني التلفزيون. وينبع مصدر التعقيد من زوايا عدة؛ فالذي تولى نشر هذا النوع من الغناء المتوهم هي التلفزيونات الحكومية العربية قبل الفضائيات الخاصة العابرة للسماوات. وهذه التلفزيونات تستخدمها الحكومات كأداة للضبط والسيطرة، وبالتالي لا تصبح المطالبة بتوظيفها لخدمة التنمية شيئًا من الماضي البائس؛ لأن توجيهها والتلاعب بها قائم بالفعل.

إلا أن أولئك الذين يُخضعون الأخبار "لترتيبة" إدارية فجة يمتلكون من رطانة الديمقراطية ما يجعلهم يردون على منتقديهم -بشأن إشاعة الفن الهابط والإلحاح به- أن قواعد الديمقراطية تقتضي احترام رغبات الجمهور، وأن هذه هي رغبته.

وهم يراهنون بهذا الرد على حيرة تشبه الحيرة أمام السؤال العبثي: البيضة أولا أم الكتكوت؟!

فهل الجمهور هو الذي استيقظ ذات يوم مديرًا ظهره إلى تراث سيد درويش، وزكريا أحمد، وأسمهان، وعبد الوهاب، وأم كلثوم، وليلى مراد، ونجاة، وفيروز، وعبد الحليم… أم أن واضعي خرائط البث هم الذين قرروا أن هؤلاء لم يكونوا يومًا ما؟!

تلوث سمعي!

وإذا كانت "ثقافة الفيديو كليب" بحسيتها وجسديتها وضجيجها غير المتناغم وإيقاعاتها الصارخة قد قضت على الكثير من عناصر الإمتاع الموسيقي والغنائي في مجتمعاتنا العربية؛ فإن البديل الصوتي الذي طرحته ثقافة الفيديو كليب قد تعدى كونه نشازًا وصخبًا غير مقبول؛ إذ إنه بات يجسد حالة من حالات "التلوث السمعي" في حقيقة الأمر!

ويقول تقرير حديث للأكاديمية الملكية البريطانية تناولته وكالات الأنباء: إن الموسيقى الصاخبة قد تقتل آلاف المراهقين والشباب المدمنين لهذا النوع من الموسيقى، والذين تتراوح أعمارهم بين 14 و24 عامًا، وهم يلجئون إلى الاستماع إليها بسبب ضغوط الحياة المتزايدة، واليأس الشديد والرغبة في التعبير عن الغضب من أوضاع وظروف لا يستطيعون التعايش معها.

وقد ثبت أن اللجوء إلى الموسيقى الصاخبة الشبيهة بالضجيج المتواصل يؤدي إلى عملية تخدير للدماغ والأحاسيس والمشاعر معًا كما هو حال المخدرات إلى حد ما، كما أن الموسيقيين أنفسهم قد يزيدون الطينة بلة بلجوئهم إلى وسائل غريبة وغير منطقية في موسيقاهم؛ فلم يعودوا يكتفون بموسيقى الآلات الكهربائية.. بل لجئوا إلى أصوات آلات المصانع الثقيلة وضجيج الطائرات العملاقة ليستخدموها في إيقاعاتهم الموسيقية ونغماتهم الصراخية!  

اقرأ أيضًا:


** صحفي مصري


مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع