|
"راديو
فردا راديوي نسل فردا"، "بهترين
آهنكهاي إيراني وغربي از راديو فردا"،
"بهترين آهنكها وآخرين خبرها از
راديو فردا".. هذه الإعلانات تتخلل
صخب أغاني البوب الأمريكية
والإيرانية ونشرات الأخبار التي
تذيعها إذاعة "فردا" (الغد
الأمريكية باللغة الفارسية) وهي
موجهة للشباب الإيراني، وقد بدأت بث
برامجها الخميس 19-12-2002 من العاصمة
التشيكية براغ.
الإذاعة
كما تعبر عنها إعلاناتها إذاعة الجيل
القادم "إذاعة الغد إذاعة جيل الغد"،
و"أجمل أغاني إيرانية وغربية من
إذاعة الغد"، و"أجمل أغاني وأحدث
أخبار من إذاعة الغد"، ولم ينس
القائمون على هذه الإذاعة الجديدة أن
يهمسوا في أذن الشباب الإيراني عبر
فاصل إعلاني أن يخبروا بقية أصدقائهم
عنها.
تأتي
إذاعة فردا تقليدا
للإذاعة العربية سوا التي بدأت
البث للعالم العربي في مارس الماضي 2002،
ولاقت رواجا بين الشباب العربي
الكاره للسياسات الأمريكية في منطقة
الشرق الأوسط، حسب تقدير المؤسسة
الأمريكية المشرفة على الإذاعتين.
لماذا
"فردا"؟
"تساعد
الولايات المتحدة الأمريكية في إيصال
الأخبار للشعب الإيراني منذ سنوات
عبر إذاعة الحرية، لكن ما زال الشعب
الإيراني يقول لنا: إنهم بحاجة لمزيد
من البرامج الإذاعية والتلفزيونية؛
لأن عددًا من غير المنتخبين الذين
يسيطرون على مقاليد الحكم في إيران ما
زالوا يضعون العراقيل أمام الحصول
على الأخبار غير المراقبة. ومن هذا
المنطلق نحن نخدم طيفًا أكبر من
الإيرانيين عبر نشر الأخبار
والموسيقى والتقارير الثقافية خلال 24
ساعة ... ونحن نستمر في وقوفنا مع الشعب
الإيراني في سعيه للحصول على الحرية
والتقدم وحكومة صادقة ومؤثرة ونظام
قضائي عادل وحكومة القانون".
بهذه
الكلمات برر الرئيس الأمريكي جورج
بوش في خطابه الافتتاحي لانطلاق
إذاعة "فردا" السبت 21-12-2002، وهي
محطة إذاعية باللغة الفارسية موجهة
لفئة الشباب الإيراني الذين هم دون
عمر الـ30 والذين يشكلون أكثر من 70% من
الشعب الإيراني البالغ عدد سكانه
قرابة 70 مليون نسمة.
تبث
إذاعة "فردا" برامجها الإخبارية
والموسيقية على مدار الساعة من
العاصمة التشيكية براغ، ومع بدء بث
إذاعة "فردا" توقف بث إذاعة
الحرية التي كانت تذيع 180 دقيقة من
الأخبار والتقارير والتحليلات
السياسية والاقتصادية والثقافية في
اليوم ضمن إذاعة أوروبا الحرة.
تأتي
انطلاقة إذاعة فردا من العاصمة
التشيكية براغ كامتداد طبيعي لإذاعة
أوروبا الحرة التي شكّلت السلاح
الإعلامي القوي للمعسكر الغربي أثناء
الحرب الباردة، وكان لها دور كبير في
إحداث الثورات الشعبية ضد الحكومات
الشيوعية في أوروبا الشرقية في أواخر
الثمانينيات، وكانت تبث برامجها من
ألمانيا، ومع انتهاء الحرب الباردة
لم تتخلَّ الولايات المتحدة
الأمريكية عن هذه الوسيلة الدعائية،
واستمرت في تمويلها بـ25 مليون دولار
سنويا لضمان نشرها بـ27 لغة من لغات
أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، من
ضمنها الفارسية.
"سوا"
الفارسية
غير
أنه يبدو أن نجاح تجربة إذاعة "سوا"
التي تبث برامجها باللغة العربية
موجهة إلى العالم العربي، دفعت
الولايات المتحدة لتكرار نموذج مماثل
باللغة الفارسية يخدم الأهداف
الأمريكية في صراعها مع النظام
الإيراني الذي تعتبره واشنطن أحد
محاور الشر.
وتدار
إذاعة "فردا" الفارسية من نفس
الجهة التي تشرف على إذاعة سوا
العربية وهي مجلس أمناء الإذاعات
الدولية الأمريكية “BBG”، وتشبه سوا
في التركيز على فئة الشباب ونشر
الموسيقى الأمريكية والإيرانية
الجديدة مع نشرات إخبارية قصيرة
ومفصلة على مدار الساعة. تبث "فردا"
برامجها 24 ساعة على الموجات المتوسطة
وعلى الإذاعات الرقمية الفضائية وعلى
الإنترنت، كما يتم بثها 21 ساعة في
اليوم على الموجات القصيرة، وبهذا
يتم بث 310 دقائق من الأخبار والبرامج
الأصلية خلال اليوم بجانب الموسيقى
الأمريكية والإيرانية، ويتم بث
البرامج من واشنطن وبراغ لتذيع مرتين
في الساعة أخبارًا وتقارير جديدة،
وتقدم تقارير وأخبارًا مفصلة في
نشراتها الصباحية والمسائية.
ويمكن
لمستخدمي الإنترنت كذلك أن يستمعوا
إلى برامج الإذاعة صوتًا ونصًا عبر
موقعها على الشبكة www.radiofarda.com،
ويصنف الموقع الأخبار والتقارير
المذاعة ثلاثة أقسام، وهي: أخبار
إيران، وأخبار العالم، والأخبار
والتقارير الثقافية والفكرية، كما
يحتوي على أرشيف كامل للأخبار
والتقارير المذاعة. ويبدو أن ربط
الشباب الإيراني بأمريكا ثقافيا
وسياسيا هو أحد أهم أهداف إذاعة فردا
التي تسعى لاستقطاب جماهير الشباب.
8
ملايين دولار ميزانية فردا
يتم
توفير ميزانية فردا التي تصل إلى 8
ملايين دولار من قبل مجلس أمناء
الإذاعات الدولية Broadcasting Board of
Governors، وهو إدارة مستقلة تتبع الإدارة
الفيدرالية، وتشرف على جميع الإذاعات
غير العسكرية التي ترعاها الولايات
المتحدة، مثل "صوت أمريكا" و"أوروبا
الحرة" وإذاعة "الحرية"
وإذاعة "آسيا الحرة" وإذاعة
وتلفزيوني "مارتي" و”worldnet”.
وتقوم هذه الإذاعات بتقديم خدمات
إخبارية وبرامج متنوعة لأكثر من 100
مليون إنسان بـ65 لغة وفي 125 مجالا من
مجالات الحياة المتعددة. وتقوم هيئة
من 9 أشخاص بإدارة هذه المؤسسة التي
يرأسها حاليًا "كنِت. واي. تاميلسون"،
كما يتمتع وزير الخارجية الأمريكي
كولن باول بمنصب المشرف الأعلى على
هذه المؤسسة المهمة التي تلعب قسم
الدعاية والإعلان للوزارة الخارجية
في الحقيقة.
ويقول
تاميلسون عن فردا: "يشكل الشباب دون
سن الثلاثين قرابة 70% من سكان إيران،
ومعظم هؤلاء الشباب الشجعان يتحملون
مسؤولية الكفاح من أجل الحرية
والديمقراطية في بلدهم. فنحن أسسنا
إذاعة فردا لهؤلاء. وفي الحقيقة نخدم
جميع الشعب الإيراني، وتستمر برامجنا
في صوت أمريكا والتلفزيون والإنترنت
في مخاطبة الشعب الإيراني".
أما
"نورمان.جي.بيتز" الذي يدير قسم
الشرق الأوسط في BBG ويعتبر صاحب فكرة
إذاعة سوا العربية.. فيؤكد على أن
إذاعة فردا الفارسية تم تدشينها بناء
على نتائج تجربة سوا العربية التي
بدأت بثها في مارس الماضي 2002، ولاقت
قبولا كبيرا ورواجا واسعا بين الشباب
العرب، وذلك في أعقاب أحداث 11 سبتمبر،
ولتحسين صورة أمريكا في أذهان
الأجيال الشابة العربية عبر نشر
الثقافة الأمريكية وتحقيق تواصل
مستمر معهم.
اعتراضات
أمريكية
لم
يكن جيمي هلمز العضو الجمهوري
المحافظ في مجلس الشيوخ وحده الذي
اعترض على نشر الموسيقى بهذه الصورة
من إذاعة فردا؛ نظرًا لإيجاد حساسيات
ثقافية داخل إيران، بل ذهب الكاتب
الأمريكي جيكسون ديل في زاويته في
واشنطن بوست الإثنين 16-12-2002 إلى أن وقف
إذاعة الحرية التي تحولت إلى منتدى
سياسي يوجه الأحداث السياسية في
إيران في أعقاب المظاهرات الطلابية،
واستبدال إذاعة فردا بها التي تبث
أغاني جنيفرلوبز وبريتني سبيرز لن
يخدم الشعب الإيراني في كفاحه ضد
ديكتاتورية الملالي.
وقال
ديل: إنه يمكن فهم وجود شباب عرب في
عمان وبيروت يتأثرون بالموسيقى
الأمريكية؛ لأنها أحسن من التقارير
التوثيقية الجاهزة التي تقدم من
حكوماتهم الموالية للأمريكان. أما
الأمر الذي لا يمكن فهمه فهو تطبيق
التجربة في إيران؛ حيث يكافح الشباب
الإيراني من أجل الحرية، ويرون بصيص
النور في السياسات الأمريكية، وليس
في الموسيقى الأمريكية.
لكن
في الحقيقة يمكن النظر إلى إذاعة "فردا"
من زاوية أخرى، وهي أن حكومة الرئيس
بوش تسعى لاستثمار ما يسميه الغضب
الشعبي في إيران ضد الممارسات
القمعية للنظام الإيراني، وتهدف
لمخاطبة طبقات الشعب الأكثر تأثيرًا
في إحداث التغيرات عوضًا عن دعم
التيار الإصلاحي داخل النظام
الإيراني، وبالتالي توجه التيار
الشعبي العارم الذي تعول عليه واشنطن
في إيجاد تغير في النظام الإيراني
لصالح المصالح الأمريكية في المنطقة.
ويبدو
واضحا أن واشنطن تريد استهداف فئة
الشباب، وتركز على الجانب الثقافي
عبر نشر الموسيقى التي تجذب الشباب
أكثر من غيرهم، وتجعلهم متعلقين بهذه
الإذاعة التي تكون سهلة الوصول عبر
الأمواج المتوسطة، وبالتالي يتم
تقديم أخبار وتقارير سريعة على مدار
الساعة؛ وهو ما يحقق توجيه الأحداث
السياسية في الشارع الإيراني؛ حيث
يلعب الشباب العنصر الأساسي في
المشهد السياسي والثقافي الإيراني
الجديد.
وتوجد
هناك إذاعات أخرى تنشر الأخبار
وبرامج متنوعة لإيران من الخارج،
وأهمها إذاعة "بي بي سي"، و"صوت
أمريكا"، و"الإذاعة الألمانية"،
و"الإذاعة الإسرائيلية"…
وإذاعات أخرى في دول الخليج، وإذاعات
إيرانية يديرها معارضو النظام
الإيراني من بغداد ومن دول أوروبية
وأمريكا الشمالية.
بحثًا
عن الغد الأمريكي
ومع
وجود كل هذه الإذاعات تعتبر إذاعة
فردا ببثها المستمر على مدار الساعة
الإذاعةَ الوحيدة التي من الممكن أن
تواجه الإذاعات الإيرانية التي تدعو
الإيرانيين للوقوف في وجه الشيطان
الأكبر "أمريكا"، وعدم الانجراف
وراء الدعايات الأمريكية، وتحارب
الثقافة الغربية التي بدأت في
الانتشار في أوساط الشباب في المدن
الإيرانية الكبيرة في ظل الانفتاح
الذي شهدته إيران في السنوات الأخيرة.
ويتوقع
بعض المراقبين للأوضاع الإيرانية أن
بث إذاعة فردا قد يوجد جدلاً جديدًا
بين التيارين المحافظ والإصلاحي داخل
النظام الإيراني، وقد يطالب
الإصلاحيون بمزيد من الحريات في
المجال الإعلامي لمقاومة الهجمة
الأمريكية الثقافية والإعلامية؛ لأن
المزيد من القمع وعرقلة الحريات
الإعلامية يولد ضغطاً شعبيًا
متزايدًا قد يتحول إلى اعتراضات
شعبية قد تصعب السيطرة عليها،
وصدامات قد تخلف صدوعا وشروخا كبيرة
بين الشعب الإيراني؛ الأمر الذي يخدم
الأهداف الأمريكية في إيران على
المدى البعيد.
لكن
يشكك كثيرون في استجابة التيار
المحافظ لمزيد من التنازلات في مجال
الحريات العامة حفاظاً على شعارات
الثورة الإسلامية التي بنيت
الجمهورية الإسلامية على أساسها،
والتفريط في هذه الأساسيات يُعتبر
خيانة للثورة؛ الأمر الذي يرى كثيرون
ضرورة قراءته في إطار الخلاف بين
تياري المحافظين والإصلاحيين.
وفيما
يستمر الصراع في أروقة النظام
الإيراني حول الحريات العامة والحلال
والحرام في عالم الفن والثقافة
والإعلام، تبحث إذاعة "فردا" عن
الغد الأمريكي في شوارع طهران التي
تكتظ جدرانها بشعارات "مرك بر
أمريكا" الموت لأمريكا.
اقرأ
أيضًا:
*
"مرك بر أمريكا" وتعني
"الموت لأمريكا".
**
محلل
سياسي
|