بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

فضائيات

مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة


لماذا ظهر الجواد بلا فارس؟!!

16/12/2002

نهاد إبراهيم **

صبحي منحته أقنعته التحرك في مساحات زمانية ومكانية متنوعة 

"الفن التحريضي" وصفٌ يطلقونه كثيرا على الفن الهادف الذي غالبا ما يحمل رسالة فكرية إبداعية تستهدف مخاطبة المتلقي من أكثر الطرق خطورة وعمقا وفاعلية؛ لتفتح داخل وعيه آفاقا تدفعه ليتساءل ويفكر ويتأمل.

ورغم أهمية الأفكار المنزرعة داخل خطاب التلقي في أي عمل فني، فإن السؤال الأكثر أهمية وتفصيلا هو عن الوسيلة والكيفية التي يؤتي بها التوجه الفكري والبناء الفني ثماره في احتلال فكر الشعوب وتغيير وعيهم.

وبالنظر إلى مئات الأعمال التي تعتبر نموذجا للإبداع الدعائي الناجح نجدها تستند بالضرورة إلى خطة محكمة من النسيج الفني تعتمد على اللامباشرة والابتعاد المطلق عن الوعظ والإرشاد الصريح المتسرع؛ لتكون النتيجة في النهاية دس أكبر قدر من السم في العسل، دون أن يفطن المتلقي العادي للرسالة المراد توصيلها داخل العمل الفني مهما كان بريء المظهر، وبالتدريج يتم نقش التعاطف مع الشخصية أو القضية المستهدفة إلى أبعد نقطة للمتلقي، حتى يصل في النهاية إلى تشرب العمل الفني للدرجة التي تجعله ينطق بفحوى خطابه بعد أن يؤمن بها من داخله دون شك أو انتباه. والسبب في النهاية يرجع لمكر وقوة وعلمية وسيلة توصيل منظومة الخطاب الفكري أولا وأخيرا.

وبذلك فإن نجاح العمل الذي يحمل رسالة تحريضية إنما يرتبط بمدى قدرته على تسريب تلك الرسالة بانسيابية وفنية عالية، وهو ما نحاول النظر إليه ونحن نقيّم ثمرة عمل مثل مسلسل "فارس بلا جواد"؛ لنرى هل حقق هدفه بالفعل وكيف ولماذا؟

يا ليته

"فارس بلا جواد" تأليف ورؤية تلفزيونية محمد صبحي، وقد شارك في كتابة المسلسل وتأليف الأغاني محمد بغدادي. قام بإخراج المسلسل أحمد بدر الدين الذي لازم نجاح صبحي الكبير في أشهر مسلسلاته الكوميدية "رحلة المليون" – "سنبل بعد المليون" – "عائلة ونيس" بأجزائه المتعددة.

ومن المعروف أن مسلسل "فارس بلا جواد" قد أثار ضجة كبرى قبل عرضه، بعدما احتجت منظمات اليهود الأمريكية وفي مقدمتها منظمة "معاداة التشهير" ذات النفوذ والانتشار في مجال الدعاية على عرض المسلسل، وقد قامت بتوزيع نشرات صريحة صارخة مستغيثة تؤكد فيها أن مصر تحاول نشر مشاعر العداء تجاه اليهود والسامية.

وبعد العديد من المقالات وسيول من الأخذ والرد ومداولات الصحف المحلية العالمية، عرض المسلسل بالفعل وانتهى الأمر تأكيدا لحرية كل فنان في التعبير عن رأيه وأفكاره؛ فالعمل لا يسجل اعتراضه على اليهودية في حد ذاتها؛ لأنه من البديهي أننا كمسلمين نؤمن بكل الأديان ونحترمها قولا وفعلا، لكن مكمن الاعتراض موجه ضد الفكر الصهيوني المحتل، ولنضع ألف خط تحت فارق الدلالة الكبير بين مفهومي "اليهودية" و"الصهيونية" كي لا تختلط الأوراق وتمحى الحدود الفاصلة بينهما.

وبعدما قرأنا كل هذه التصريحات المعترضة المدهشة، استدعت ذاكرتنا لاإراديا الدلالة البليغة لاسم الفيلم الأمريكي المعبر "انظر من الذي يتحدث!" Look Who’s Talking))؛ ولا تعليق.. وطالما وصلنا إلى المحور الأساسي في مقالنا وهو الرسالة الفكرية للعمل الفني، فقد أجبرنا ما شاهدناه طوال حلقات المسلسل مع الأسف أن نقول: يا ليته لم يعرض من الأصل. وبما أن تعبير "يا ليت" هذا يعبر عن الاستحالة لأن المسلسل عرض وشاهده الكثيرون داخل وخارج مصر، فلا نملك إلا أن نتوقف أمامه بعناية لنقدم له قراءة تحليلية ترتبط بفكرة المقال الأساسية.

القط والفأر.. لعبة بلا براعة

تتلخص الفكرة الدعائية للمسلسل ببساطة شديدة في عبارة واحدة هي: كشف مخططات وبروتوكولات الصهيونية للاستيلاء على القدس وامتلاك الشرق بتخطيط يرجع إلى تاريخ قديم. وهو ما تزامن طبقا لأحداث الحبكة الدرامية مع ذروة فترة الاحتلال البريطاني لمصر، في النصف الأول من القرن الماضي المزدحم بالحركات الوطنية الشعبية والشباب المناضل، وهي الشريحة التي يجسدها الشاب الذكي الماكر حافظ (محمد صبحي) الملقب بالثعلب، كمجاز لمئات الشباب المصريين الوطنيين المكونين للخلايا الوطنية السرية المناهضة للاحتلال.

وإذا أردنا البحث عن الكيفية التي تم بها تقديم هذا الخطاب فسنجدها تفتقد أسس المصداقية ومعطيات الإقناع والمنطق الدرامي والإبداع البصري بوضوح منذ الحلقة الأولى. تعتمد البنية الدرامية في هذا العمل على التركيبة الدرامية المثيرة والمفترضة لبطل الحلقات حافظ الذي يجمع بين عدة مواهب ومواصفات بين الدهاء وحسن التصرف والقيادة والقدرة على التخطيط وتحديد الهدف. وذلك مع الابتعاد التام عن تقليدية وسائل تنفيذ عملياته الخاصة بالمسدسات وخلافه، خاصة أنه يمتلك قدرة وبراعة نادرة في صنع الأقنعة، متلبسا العديد من الشخصيات بأشكال وطبقات صوتية ولهجات عربية مختلفة.

وقد لعبت هذه المعطيات الدرامية منذ ظهور حافظ دور الذريعة المستمرة لتمنحه مساحة زمنية مكانية في التنقل بين شخصية وأخرى، ثم الارتداد لها مرة أخرى لنتعايش مع شخصيات حافظ وفرحات أفندي وبشارة اللبناني.

كما وظف العمل هذه المميزات للتعبير عن مواقف صغيرة هنا وهناك، ضمن سياق لعبة القط والفأر بين ممثل المحتل البريطاني ريتشارد (جميل راتب) والثعلب حافظ.

البطل الشعبي.. شتان الفارق

العمل افتقد للفارس الفني الذي يقوده إلى توصيل رسالته 

لكن تظل هذه المميزات محقة على مستوى البذور الدرامية المبشرة والخطوط العريضة المعلقة؛ لأن تنفيذها الملموس المجسد لم يكن في الواقع على المستوى المطلوب من ناحية تصميم المشاهد ومفردات الحوار وتكنيك الإخراج.. فقد صنع محمد صبحي ومحمد بغدادي نسيجا دراميا يضم مشاهد ضعيفة تعتمد على لغة خطابية شديدة المباشرة، تتسم ببطء الإيقاع الداخلي سواء داخل المشهد الواحد أو بين الهيكل الدرامي ككل.

كما وقعت معظم المشاهد في دائرة اللامنطقية والافتعال الشديد التي حالت بيننا وبين تصديق أن فردا واحدا يستطيع أن يفعل كل هذا حتى ولو بمساعدة مجموعة من الزملاء.

وقد قادتنا لامنطقية الأحداث إلى منطقة اللامصداقية بالتبعية، خاصة أن السيناريو يعاني من فراغات ومنحنيات درامية تثير العديد من علامات الاستفهام التي لا نجد لها إجابة.. فنحن لا نرى من رجال حافظ سوى نفس المجموعة البسيطة من البشر التي لا تمتلك مقومات خارقة لتتحدى كل قوى الاحتلال البريطاني الذي لا نرى منه هو الآخر إلا ريتشارد والضابط المصري المتسلط (خليل مرسي).

ونحن هنا لا ننفي وجود المناضلين الوطنيين أو الشخصيات ذات المواهب المتفردة غير العادية، لكن هذا التفرد لا بد أن تسانده أدوات الحبكة الدرامية القوية، حتى يؤتي الخطاب الفكري ثماره في النهاية.

ولعلنا نلاحظ هنا أن تنقل حافظ بين كل هذه الشخصيات بكل يسر وسهولة، يحيل ذاكرتنا على الفور لعمل متشابه، رغم أنه في حقيقة الأمر أكثر إقناعا؛ لامتلاكه مقومات المصداقية الفعلية في إطار فني بعينه، ونعني هنا حكايات "ألاعيب علي الزيبق" التي تروي لنا حكايات ممتعة عن تلك الشخصية المشهورة المثيرة البراقة في تراث الأدب الشعبي العربي، وهى التي قدمها المؤلف يسري الجندي في مسلسل درامي مصري ناجح.

لكن شتان  بين صراع علي الزيبق وتنقله عبر الشخصيات المختلفة، موظفا الماكياج والأقنعة والإكسسوارات المختلفة لمحاربة مقدم الدرك الظالم سنقر الكلبي والمقدم دليلة، وبين تنقل الثعلب حافظ بين كل هذه الشخصيات لمحاربة كل البريطانيين الممثلين والمنصهرين جميعا داخل هذا الريتشارد العصبي دائما، القليل الحيلة، المسطح في تركيبته الدرامية تماما بلا مبرر من أجل صالح الوطن الجمعي.

ويعود استقبالنا لمسلسل "علي الزيبق" محملا بمصداقيته الخاصة ومنطقه المتلائم معه، لخمسة أسباب تؤدي لبعضها البعض، لن نجدها متكاملة في مسلسل "فارس بلا جواد".

لعدة أسباب

أول وأهم الأسباب هو تحديد مؤلف الدراما التلفزيونية "علي الزيبق" من البداية تعامله مع جنس الأدب الشعبي قبل الكتابة الفعلية، وإدراك مواصفاته ومتطلباته وتشريعاته التي تتناسب مع هذه الأجواء من مواقف وشخصيات وتصرفات ومنطق تفكير وطبيعة الحدث، وقوانين تحكم وتفرض تطور الصراع الدرامي بمنطق معين.

ثانيا: قوة وثراء البنية المشهدية التي تسمح بتغيير المواقف والشخصيات الأساسية منها والفرعية، طبقا لمنظور الأدب الشعبي، ومد خطوط إضافية لبعض الصراعات الجانبية هنا وهناك تبدو متعددة متفرقة، لكنها في الحقيقة حلقات مكملة تصب كلها في النهاية داخل صراع علي الزيبق، وهو ما سمح بظهور أنماط شعبية ذات طبيعة خاصة لها منطقها ومفرداتها وسلوكياتها وأساليبها وملابسها وأهدافها وأحلامها، مثل الحواة والعياق الذين يتجولون في الشوارع بألعابهم لكسب الرزق وتسلية أبناء الشعب الفقراء.

ثالثا: أتاح مبدأ التعامل مع موروث حكايات الأدب الشعبي حرية رسم مفهوم البطل الشعبي علي الزيبق بكل أفعاله الخارقة، ليظل في النهاية متفردا كحلم جميل جمعي في نظر الشعب بوصفه الفارس المنتظر الذي ينبع منهم ويطالب بحقوقهم ولا يعرف أحد عنه شيئا.

رابعا: أنه من المتعارف عليه في رسم شخصية البطل الشعبي قدرته على تخطيط وتنفيذ الأفعال الصعبة التصديق والمصادفات العجيبة البعيدة عن المنطق وجمود العلم؛ لأن تشريع الأدب الشعبي من الأساس يسمح، بل يقوم بشكل مباشر على المبالغة المقبولة في إطارها وبيئتها وطبيعة سياقها المتوارث المتحرر.

خامسا: عدم تهميش بقية الشخصيات حول البطل الغامض علي الزيبق وصبغهم بالصبغة الكاريكاتيرية، رغم قيدهم في حدود النمط المتعارف عليه بلا خصوصية، مع عدم تخطي أسوار مواصفات البطل الشعبي المنتظر الذي يوفر الأمن لشعبه ويحقق أحلامهم ويضحي بنفسه من أجل وطنه وأجلهم.

زي لا يخصه

وبمقارنة هذه النقاط مع مثيلاتها في "فارس بلا جواد" سنجدها جميعا غير متحققة؛ لأن العمل شتت نفسه من البداية بين الدراما التلفزيونية التقليدية بمنطقها الخاص وبين دستور جنس الأدب الشعبي التي لا تنطبق عليه بأي حال. والنتيجة أننا عندما بحثنا عن المنطق داخل بطولات وقدرات ومواقف حافظ طبقا للدراما التلفزيونية المعتادة وجدناها تفيض بالمبالغات التي تنبع من اللامنطقية واللامصداقية بعكس علي الزيبق على خط مستقيم، وهو ما يحيلنا في النهاية للتوصل إلى نقطة ضعف المسلسل البارزة، وهي ارتداء زي إبداعي ومنهج فني لا يخصه في شيء ولا يتلاءم معه؛ وهو ما أثمر الشعور بالغربة الكاملة عن هذا العمل التائه.

كما أننا نستطيع تطبيق نفس القياس من ناحية تحديد الجنس الإبداعي من البداية وانعكاسه على توجه الكتابة وتقنية اللغة البصرية وكيفية التلقي على شخصية زورو الغربية الشهيرة وعلى مسلسل "جحا" الذي عرض في شهر رمضان تأليف يسرى الجندي أيضا المتخصص في التعامل مع الأدب الشعبي.

فلو افترضنا أننا قد خلعنا عن شخصية جحا والعمل ككل تشريعات الأدب الشعبي، فسنجدنا نتساءل بمنتهى الدهشة والاستنكار عن كيفية كلام جحا مع حماره ومنطقية تعيينه مقدما للدرك ثم قاضيا، ومصداقية انتصاره الساحق بمنتهى البساطة والسذاجة على كل أعدائه وهو لا يملك إلا عقله وفطرته، ولاتهمناه على الفور بالمبالغة الشديدة وافتقاد منطق الجمود الرقمي، وهرمية السبب والنتيجة تماما مثل "فارس بلا جواد".

وربما كان هذا المسلسل فرصة لمحمد صبحي لاستعراض موهبته التمثيلية، خاصة أنه يجيد لغة الخطابة المباشرة خاصة في عروضه المسرحية.

أضف إلى ذلك تعامل المخرج أحمد بدر الدين مع المشاهد بمنهج الحركة المسرحية التي لا تتناسب مطلقا مع الوسيط التلفزيوني، وهو ما تسبب في النهاية في ترسيخ حصار المتلقي داخل دائرة التطويل والملل بلا نهاية.

ترى هل يحق لنا أن نتساءل بعد استعراض ما سبق من تداعي الأدوات الإبداعية عن مدى قدرة هذا المسلسل على توصيل الخطاب الفكري الموجه بالكفاءة المنتظرة؟!!

كيف لطائر مهما كانت نواياه الطيبة أن يطير وسط الرياح والعواصف بلا أجنحة؟!

والحق أن عنوان المسلسل في حاجة إلى تعديل واقعي يتناسب مع ما شاهدناه، فليس الفارس هو الذي لا يملك جوادا، بل الجواد هو الذي ظل وحيدا خاليا بلا فارس يقوده للطريق الصحيح!

اقرأ أيضًا:


** ناقدة سينمائية ومسرحية.


مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع