|
في
ظل هوجة الإعلانات، وعشوائية
المسابقات التليفونية، وفي خضم
التسابق الأهوج المحموم بين السلع
والمنتجات وبريق المال والذهب
والجوائز.. التقطت عيناي 3 مشاهد
مختلفة، اختلفت عما ملَّت العين
رؤياه في الإعلانات، واختلفت عن
مضمون الرسالة التي تقدمها هذه
الإعلانات، البطل الأول لهذه المشاهد
الثلاث هو "الأطفال"، أما
البطل الثاني فهو "الابتسامة"،
أما المضمون فهو "الرحمة،
العطاء، روح الأسرة، وصلة الرحم".
اثنان
من هذه المشاهد لا يرتبطان بالإعلان
عن منتج أو عن اسم شركة أو هيئة ما،
أما الثالث فرغم ارتباطه باسم إحدى
الشركات؛ فإن اختلاف مضمونه دعاني
إلى إلقاء الضوء عليه.
توتة..
شغاف القلوب
المشهد
الأول عبارة عن أغنية مصورة عن شهر
رمضان، عنوانها "حكاية رمضان"،
ومطلعها يقول: "توتة توتة، بدنا
نغني بدنا نخبي بالقلب حدوتة، في
عندنا حكاية رمضان، اللي منها أشكال
وألوان، للصبي بدنا نحكيها ونحكي
للبنوتة"، وقد عرضتها قناتا "المستقبل"
و"Lbc"
الفضائيتان اللبنانيتان، وما يزيد من
قيمة العمل وأثره أن من يقوم ببطولة
الأغنية مجموعة من أطفال دار الأيتام
الإسلامية بلبنان، وهي من كلمات
وألحان "أحمد قعبور"، وإخراج "هيثم
شمص"، وتدور فكرتها حول سكان بناية
واحدة يقوم أطفالها بالإفطار معًا
على سطحها، ويتخلل ذلك معانٍ تتحدث عن
فضل الشهر الكريم، وعن تغييره لعادات
الناس، وعن صلة الرحم؛ لتتواصل
عبارات الأغنية عن أفراد الأسرة
وأدوارهم ومواقفهم في الشهر الكريم؛
فمن الأم: "عجقة زينة بالطرقات
وبالمطبخ معجوقة، ماما محتارة
بطبختها ومش ممكن تدوقه"، إلى
الجدة "ستي عم تعطينا دروسْ، عن
معنى الصوم المدروسْ"، إلى الأب:
"بعد الإفطار بنتجمَّع نتذكَّر
أهالينا، رمضان الشهر اللي بيجمع كل
الرحمة فينا، بابا اللي بشغله
بيتأخرْ، بكير بياخدنا نسهرْ، يبرم
فينا ويسلينا مع إنه بيتوتي"، ثم
تخرج العبارات إلى معنى شامل للرحمة
"يا ناس لا تنسوا الناسْ، الرحمة هي
الأساسْ، يا رب تخلي آياتك بالقلب
منحوتة".
كل
ذلك في عرض لطيف من أطفال العمل؛ حيث
يقومون بالغناء والتمثيل في نشاطٍ
وسعادة وخفة ظلٍّ وابتسامةٍ لا تفارق
كل المشاركين فيه كبارًا وصغارًا.
إن
أبرز ما يميز هذا العمل أن أبطاله من
دارٍ للأيتام، وهم يغرسون فينا
المعاني التي افتقدوها: معاني الأسرة
والحنان والرحمة، وهي المعاني التي
نطالَب نحن كأمة بإعطائها لهم؛ فإذا
بهم هم يقدِّمونها لنا في سعادةٍ وخفة
ظلٍّ باديتين، كل ذلك في طبقٍ
رمضانيٍّ إيمانيٍّ رقيقٍ ولطيفٍ
وبديع.
مسطرة
"رمضان كريم"
المشهد
الثاني إعلان
صامتٌ على قناة "mbc"
تنتقل فيه الكاميرا في لقطات تبدأ
من المسجد إلى قاعة الفصل؛ حيث يُهدي
طالب صغير زميله مسطرةً ألصق عليها
ورقة كتب عليها "رمضان كريم"؛
لتنقلنا الكاميرا بعد ذلك إلى المسجد
مرة أخرى؛ حيث يلتقي التلميذ بأبيه
هناك، ثم إلى البيت حيث يقرأ الوالد
القرآن الكريم، ويضع نفس المسطرة
علامةً حيث انتهى من القراءة، ثم إذا
بالوالدة تعطي ابنها طبقًا من التمر
فيأخذه في سعادةٍ بالغةٍ، ويذهب
مسرعًا يجوب الأحياء التي نرى فيها
سعادة الناس باديةً بما يفعل هذا
الطفل، ومع اقتراب موعد الإفطار ومع
لقطاتٍ من إغلاق الناس محلاتهم يصل
الطفل إلى بيتٍ فيقرع بابه، فتفتح له
امرأةٌ تتبعها طفلة صغيرة، فيقدِّم
لهما الطفل الطبق في سعادة، وفي أثناء
تقديمه للطبق يؤذن المغرب، فتخفض
المرأة الطبق لطفلتها لتأخذ منه
تمرةً تقدِّمها للطفل كي يفطر فيها،
ويختم المشهد على ابتسامتين رقيقتين
وساحرتين للطفل والطفلة، ثم عبارة
تقول: "رمضان قرَّبنا كمان وكمان".
إن
هذا المشهد كسابقه حين يؤصِّل معاني
التراحم والعطاء، استخدم فيه مخرجه
لغة الابتسامة التي ترتسم على وجوه كل
من ظهر فيه، واختتمه بهاتين
الابتسامتين الساحرتين؛ ليؤكِّد أن
معاني التراحم والتواصل والعطاء هي
ما يصنع السعادة الحقيقية.
المشهد
الثالث
رغم أنه إعلان -كما ذكرتُ آنفًا- فإن
فكرته تدور حول معنى التراحم كذلك،
إنه إعلان إحدى شركات التليفون
الجوال "المحمول" في مصر، ويتم
عرضه في القنوات المصرية، وفيه يدخل
رجل مسن وحفيده إلى المسجد وسط أصوات
دعاء الناس، فإذا بالطفل الصغير يسأل
جده في بساطة وبراءة: "جدو جدو،
أقول إيه؟"، فيرد عليه جده
بابتسامة جميلةٍ هادئةٍ وبصوت خاشع:
"ادعي لربنا، قول كل اللي نفسك فيه،
ادعي لماما، وادعي لبابا، وكل الناس
بخير، ربنا حيسمعك، المهم الدعا يكون
من هنا"، ويشير إلى قلب الطفل،
فيرفع الطفل يديه إلى السماء ويبدأ
الدعاء، وينتهي المشهد عند ذلك.
والجميل في هذا الإعلان تكمن في بساطته وعطائه
حين يعترف بالفضل لذي الفضل، ويتمنى أن يهب الله تعالى الخير للجميع.
ورغم حالة "القرف" التي أصابت وتصيب مشاهدي التليفزيون والقنوات الفضائية كل عام في رمضان، والتي ازدادت وازدادت مع "موضة" مسابقات التليفونات المستحدثة، إلا أن هذه المشاهد، وربما هناك غيرها لم تره عيني.. ما زالت تثبت أن أهل الفن الجميل ما زالوا موجودين، هؤلاء الذين يعلمون أن لكل شيءٍ يقدِّمونه رسالة، وأن رمضان بالذات له أهداف أخرى غير كونه سوقًا استهلاكيةً أو مناسبةً لترويج السلع، وغير أنه جريٌ وراء الذهب وآلاف الأموال.
"السعادة"..
"الخشوع".. "العطاء".. "التراحم"..
و"روح الأسرة"..
كلماتٌ رمضانيةٌ لم تَمُتْ إعلاميًّا
في خضم سُعار الماديات،وزغللة
الدولارات والريالات والجنيهات.
شكرًا
لأهل الفن الجميل وأصحاب الرسالة.
اقرأ
أيضا:
**المستشار الدعوي لموقع إسلام أون لاين.نت
|