بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

مساحات ثقافية

مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة


سينما تسأل عن القيم "قبل وقوع الجريمة"

2002/10/24

د. أسامة القفاش **

تقرير الأقلية هل يصبح اتجاهًا لسينما مختلفة في الولايات المتحدة؟

هل يمكن أن نتخيل مستقبلاً بلا جريمة؟ عالم بلا خطأ؟ إنسانية بلا مشاكل؟

هذا هو موضوع الفيلم الأخير للمخرج الأمريكي الشهير ستيفين سبلبيرج تقرير الأقلية Minority report الذي يعرض حاليًا تحت اسم "قبل وقوع الجريمة"، الفيلم عن قصة قصيرة للكاتب الأمريكي فيليب ديك، وهو من أهم كُتّاب الخيال العلمي حاليًا.

وسيناريو سكوت فرانك.. ومن بطولة الأمريكي "توم كروز" في دور "جون أندرتون"، والسويدي "ماكس فون سيدو" في دور "لامار برجس"، و"كولين فاريل" في دور العميل الفيدرالي ويتورو، وساماشامورتوف في دور أجاثا.

يبدأ الفيلم بجون أندرتون المحقق في وحدة إيقاف الجرائم قبل وقوعها Pre crime، حيث نشاهده يتعامل مع جريمة قتل مستقبلية ستحدث بعد نصف ساعة، يحدد جون إحداثيات المكان وينتقل مع وحدته لإيقاف الجريمة وينجحون في آخر لحظة ويعتقلون الجاني المحتمل ويضعونه في جهاز التجميد الذهني مع غيره من المجرمين المحتملين.

داخل الوحدة

يأتي للوحدة العميل الفيدرالي "ويتوور" ليبحث في مستقبل الوحدة، يبدي "ويتوور" شكه في الوحدة أساسًا، كيف يمكن إيقاف جريمة لم تحدث، عدم وقوع الجريمة يعني عدم حدوثها، إذن ما يحدث هو اعتقال أبرياء لم يرتكبوا شيئًا، أندرتون يلقي بكرة خشبية في اتجاهه يتلقفها، يسأله "أندرتون" لماذا تلقفتها؟ يجيب،: لأنها كانت ستقع؟ ويضحك أندرتون لكنها لم تقع لأنك تلقفتها، وهكذا الأمر مع الجرائم إنها لم تحدث لأننا منعنا حدوثها.

لا يبدو أن "ويتورو" قد اقتنع بهذا المنطق، لكنه يسأله عن كيفية عمل الوحدة وكيف يتنبئون بالجرائم قبل وقوعها.. يخبره أندرتون بالمتنبئين الثلاثة، إنهم ثلاثة أفراد ذوو قوى خاصية نعلم فيما بعد أنهم ولدوا لآباء مدمنين لمخدرات ذهنية، الأفراد الثلاثة ذكران توءمان وأنثى تدعى أجاثا يعيشون داخل خزان مائي وتتم تغذيتهم عن طريق أنابيب ويتصلون ذهنيًا بجهاز كمبيوتر خارق اخترعته عالمة تدعى "إيريس هانيمان".. الجهاز يرى ما يراه المتنبئون، ويحول الصور لأندرتون الذي يحللها ويذهب لمنع الجريمة.

نرى "أندرتون" ليلاً يسير في شوارع مظلمة مدمرة، إنه الجانب السيئ للمدينة: المخدرات والغوغاء والمجرمون.. أندرتون يتوقف ويسأل شخصًا جالسًا.. يعطيه هذا نوعًا من المخدرات الحديثة.. أندرتون مدمن!! أول تناقض يواجه المشاهد.. الشرطي الواثق الذكي الذي يمنع وقوع الجريمة مدمن مخدرات.

يعود "أندرتون" لمنزله يدير الكمبيوتر وتظهر صور لابنه وزوجته ثلاثية الأبعاد بالصوت، أندرتون يعيش بمفرده، ونعرف أن ابنه قد مات منذ ست سنوات، وأنه قد انفصل عن زوجته بعدئذ لإحساسه بالأزمة والمسئولية عن وفاة ابنه.

يدخل "أندرتون" غرفة المتنبئين صباح اليوم التالي، ويبدأ في تفقدها يقترب منهم، تنقض عليه الفتاة قائلة: انظر هل ترى؟

يشاهد أندرتون أحداث جريمة منعت في بداية عمل الوحدة، إنها محاولة إغراق سيدة اسمها "آن لايفلي" يبحث في السجلات ويكتشف أن السيدة مفقودة، وأن الجريمة غير مسجلة بالكامل، ويبلغ لامار برجس "رئيس الوحدة" بشكوكه في عمل الوحدة وعدم دقتها.

يعود أندرتون للوحدة ليفاجأ بأن هناك جريمة ستقع بعد عدة أيام، وأن القتيل شخص يدعى ليوكراو من القاتل؟ إنه جون أندرتون!!!

ضابط الوحدة عدو لها

يبدأ "أندرتون" رحلة الهرب لإثبات براءته.. الجميع يطارده.. الجميع يسعى وراء ضابط وحدة مكافحة الجريمة قبل وقوعها الذي صار عدو الوحدة رقم واحد، هنا يطعم سبلبرج فيلمه المستقبلي بتوابل مهمة حول حياة المستقبل، الإعلانات تجتاح المكان، وهي ليست إعلانات عامة إنها إعلانات ذهنية موجهة للفرد، تخاطبك باسمك وتخبرك بمستقبلك وبماضيك وبحاجتك للسلعة التي تعلن عنها؟ الإنسان يفتقد خصوصيته، كل شيء غاية في السرعة، التحكم في كل شيء صار الشعار الأساسي.. الجرائد تتغير عناوينها في يد القارئ.

السيارات تصنع بحجم الراكب، العيون تتغير!! كل شيء متاح هل هذا المستقبل مثالي جميل؟

هذا الحلم المثالي يتحول إلى كابوس بالنسبة لأندرتون، إنه يسعى لإثبات براءته من جريمة لم تقع، وتلك هي المشكلة لقد وقع ضحية للفخ الذي أحكم نصبه لنفسه.. الإنسان يتحول من متحكم سيد لما يظهر إلى لعبة ودمية في مواجهة مجتمع منضبط آلي دقيق.

في الظلام حتى نرى النور

يذهب أندرتون لمقابلة إيريس هاينمان العالمة التي اخترعت جهاز كمبيوتر الوحدة، وهي تعيش في عزلة تامة مع نباتات حوَّرتها جينيًا كمثال على حالة الجنون والرعب التي انتابتها من جرّاء ما فعلته، إنها تدرك أن ثمّة خطأ في الموضوع وأن التحكم خرافة، تخبره أن المتنبئين لا يتفقون دائمًا، وأن أحدهم قد يعطي صورًا مختلفة، إنه تقرير الأقلية، يسأل "أندرتون": كيف؟ تخبره أنها وبرجس اتفقا على تجاهل هذا التقرير وعدم الأخذ به للوصول لحالة الضبط الكامل والتحكم الدقيق في المستقبل لا يمكن قبول فكرة الخطأ؛ لذا يتم إلغاء التقرير المخالف للأغلبية المطلقة 2 من 3، أندرتون مذهول، تكمل: بأن عليه أن يجد تقرير الأقلية، يسأل: كيف؟ تخبره أن الفتاة هي أكثرهم موهبة وأنها دائمًا من يخالف التوءم، أي العموم.

فكرة "الأغلبية على حق" توضع على المحك هنا، كيف نتصرف في حالة لو كانت الأقلية على حق؟ الأقلية في الفيلم محددة وفقًا للجنس (ممثلة في الفتاة أجاثا)، لكنها قد تكون أقلية عرقية أو أقلية دينية أو أقلية سياسية، إنها الآخر الأضعف الذي يجب التخلص منه، لنصل لمجتمع مثالي.

مرة أخرى تؤكد العالمة أنها فقدت الشعور بأهمية اكتشافها، بل إنها صارت تشعر بأنه وحش خيالي مدمر، تطلب منه أن يسعى لاكتشاف الحقيقية قائلة له: قد يحتاج الأمر أن يعيش الإنسان في الظلام حتى يرى النور.

يذهب "أندرتون" لمقر الوحدة ويختطف الفتاة أجاثا إنها تظهر معه في الصور المستقبلية عن الجريمة المحتمل أن يرتكبها، يأخذ أندرتون الفتاة إلى عبقري كمبيوتر صديق له، لا يصدق الرجل أنه أمام أحد المتنبئين.. إنه يعتقد أنها مقدسة أو خارقة يبدأ في الصلاة، ثم يقول إن كل ما ستجده في ذاكرته غير حقيقي، وإنه شخص طيب.. المشهد جميل وساخر وشديد المرارة في آن واحد، إنه المستقبل المرعب الذي نعتقده مثاليته.

يطلع أندرتون على ذاكرة الفتاة التي تخبره ببساطة أنه لا يوجد تقرير للأقلية في حالته، إن ما رآه هو ما رأوه جميعًا، لكنها تخبره أن ما يرونه ليس المستقبل وإنما هو أضغاث أحلام، وأن الاختيار يقع على عاتقه دائمًا، يصمم "أندرتون" على الذهاب للمكان الذي ظهر في الصور المستقبلية، ومقابلة ذلك الرجل الذي تنبأ المتنبئون أنه سيقتله، إنه يريد أن يعرف ولو دفع حياته ثمنًا للحظة اختيار حقيقية.

بالاختيار.. إنسانًا لا جلادًا

يهرب "أندرتون" مرة أخرى من الشرطة بمساعدة أجاثا هذه المرة، وينتهي به الأمر إلى معرفة الفندق أو مكان الجريمة، إنه لا يجد ليوكراو!! لكنه يجد المئات من الصور لأطفال عديدين!.

ويجد بين هذه الصور صورة ابنه: يقول لأجاثا: إنه كان يحاول دائمًا أن يعرف ماذا يمكن أن يفعل للشخص الذي أخذ ابنه وقتله: وهو يعرف ما يجب أن يفعله، يدخل كراو ويواجهه أندرتون ويضربه بعنف، يعترف كراو بأنه قتل ابن أندرتون.

أندرتون يصوب مسدسه لكراو وتمر الثواني.. أجاثا تقول له: ما زال الاختيار أمامك.

وفي اللحظة الأخيرة اختار أندرتون أن يكون إنسانًا لا جلادا، أو اختار ألا يقتله، أو اختار أيضًا أن يثبت دون أن يدري فشل مشروع الوحدة أو مشروعه التحكمي الجهنمي!! يقول كراو مذهولاً: ألن تقتلني؟ أرجوك اقتلني أنا لا أعرف ابنك ولم أَرَه في حياتي، لكن الرجل الذي أتى لي في زنزانتي أخبرني أنك ستقتلني، وأنه سيكفل حياة كريمة لأسرتي، إذن الأمر كله خدعة للإيقاع بأندرتون.

في هذه اللحظة تدخل فرقة مكافحة وقوع الجرائم ويهرب أندرتون وتنطلق رصاصات، ويموت كراو الدمية المستخدمة للإيقاع بأبرياء مثلها في لعبة القوة والتحكم.

التحكم وإشارات النهاية

يهرب أندرتون مع أجاثا لزوجته بالقرب من بحيرة، وتتداعى له هنا صور إغراق آن لايفلي.

في نفس الوقت يذهب ويتورو لمقابلة لامار برجس قائد الوحدة المعتزل لتتكشف لنا بعض جوانب اللعبة، ويتورو يعرض على برجس تقرير حادثة "آن لايفلي"، ليستمر ويتورو: لقد راجعت سيرة حياة آن لايفلي فوجدت أنها كانت مدمنة وأنها أم أجاثا، وأن طفلتها قد أخذت منها، ولكن المذهل أن المدمنة قد اختارت أن تشفى واختارت أن تربي طفلتها وطالبت بها، وكان هذا بمثابة تدمير لمشروع الوحدة، اختارت السيدة أن تقابل المسئول وتطلب منه ابنتها.

ويقرر الرجل أن يستخدم الوحدة لتنفيذ جريمة دقيقة، يستأجر قاتلا ليقتل آن لايفلي وتقوم الوحدة بإفشال الجريمة ثم يقابل المرأة ويغرقها بنفس الطريقة فيظن الجهاز أنها مجرد صدى، هنا نرى المهزلة الكبرى فوحدة منع الجرائم قد أقيمت على جريمة قتل مخططة بدقة استخدمت فيها الوحدة نفسها، إنه ذلك التفكير الأعوج الأحمق الذي لا يقيم وزنا للحياة الإنسانية، مبررًا ذلك بكل أنواع التبريرات الممكنة، وهو ما يؤدي في النهاية إلى حالة الشمولية المدمرة التي ظهرت في الشيوعية والنازية والفاشية.

يخبرنا سبلبرج هنا مستخدما قصة "فيليب ديك"، وسيناريو "سكون فرانك" أن الديمقراطية قد تقودنا أيضًا لهذا الطريق طالما ظننا أن بإمكاننا الاعتقاد في التحكم في المستقبل.

إننا هنا نرى تفسيرًا بصريًا لقوله تعالى في سورة يونس: "حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارًا". فهذا الاعتقاد في التحكم هو إيذان بالنهاية المحتومة، إنه الاعتقاد بأن الإنسان قد صار إلها وإنه أصبح بوسعه أن يحيي ويميت في سبيل أي شيء والنتيجة قبض الريح.

في مواجهة وهم القوة

يقتل برجس "ويتوور" بلا رحمة مستخدمًا مسدس أندرتون، ويتلقى اتصالا من زوجة أندرتون تطلب مساعدته، يتوصل أندرتون بمساعدة أجاثا إلى حقيقة مقتل آن لايفلي.. ولكن بعد فوات الأوان فقد وصلت فرقة المكافحة وتم إلقاء القبض على أندرتون، وأعيدت أجاثا لغرفة المتنبئين ووصل برجس لقمة نجاحه فقد تحولت الوحدة إلى وحدة قومية واختير رئيسًا لها.

قبل الاحتفال بهذا تأتي زوجة أندرتون لبرجس مطالبة إياه بالسعي لإثبات براءة جون، برجس يخبرها أنه سيحقق في الأمر وخاصة في موضوع إغراق آن لايفلي، تواجهه قائلة لقد قلت لك إنها ماتت ولم أقل إنها أغرقت، برجس في حالة انزعاج شديد، إنها زلة اللسان القاتلة، تخرج الزوجة مسرعة مع دخول سكرتيرته للحفل.

يلقي برجس خطابة على الحاضرين ويتلقى مسدسًا أثريًا و5 رصاصات ذهبية، إنه رمز الصعود السياسي الأمريكي، فهو المسدس الذي كان يهدى للجنرالات المنتصرين في الحرب الأهلية، ولكنه كان يرمز أيضًا للعبث بتلك الحرب، 5 رصاصات ذهبية، أي خمس سنوات مهدرة، هكذا يفسر برجس بنفسه الهدية، تطلق زوجة أندرتون سراحه مهددة الحارس، أندرتون يذيع تقرير الجريمة في حفلة تكريم برجس، الحضور مذهولون.

هناك تقرير آخر تتم إذاعته أنها جريمة سيرتكبها برجس الذي يطارد أندرتون برجس سيقتل أندرتون، يتواجهان، أندرتون يقول له إن بإمكانه الاختيار الآن، بإمكانه أن يقتله ويثبت أن الوحدة صحيحة وأن الجريمة تفيد أو بإمكانه ألا يفعل ويثبت فشل المشروع في ذروة نجاحه، برجس يقول بلا تردد لقد اخترت.

الاثنان في لقطة قريبة تضمهما معًا كأنهما جسد واحد ونسمع صوت انطلاق رصاصة.

يسقط برجس لقد اختار الانتحار ومواجهة الفشل الذريع، إنه اختيار إنساني أيضًا لم يستطع الاستمرار في هذا الغي الشيطاني أكثر من هذا، لقد سقط النموذج السياسي من عليائه وفي أوج انتصاره.

نشاهد لقطات متتابعة سريعة لغرفة المتنبئين يتم تفريعها والوحدة يتم حلها، والمسجونون يتم الإفراج عنهم، وأما أجاثا والتوءم فقد أخذوا إلى مكان هادئ مسالم كي يتمكنوا من العيش بسلام، نشاهد أجاثا والتوأم يقرؤون في كوخ تضيئه الشموع وتحيطه الأشجار في جزيرة منعزلة، وتبتعد الكاميرا محلقة فوق المكان.

وينتهي هذا الفيلم المستقبلي الآني الذي يحذرنا بشدة من وهْم القوة والسيطرة والتحكم والذي يمثل اتجاهًا جديدًا وأساسيًا في السينما الأمريكية منذ نهاية التسعينيات، اتجاه يرفض فكرة الدم والجنس والعنف والسيولة التامة ويعيد الاعتبار للقيم الإنسانية والروحانية، واتجاه يتساءل عن جدوى أشياء كثيرة ويحتفي به الجمهور الأمريكي، وعلينا ببساطة أن ندرك هذا ونتواصل معه.

اقرأ أيضا:


* كاتب مهتم بالسينما


مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | سجل الزائرين | خارطة الموقع