|
اقرأ
معنا جانبًا مما نشرته الصحف (الأمريكية)
في الذكرى الأولى للحادي عشر من
سبتمبر، مع آراء وتعليقات عدد من
الساسة والمفكرين الأمريكيين، لتدرك
ما استقرت عليه أذهان تلك النخبة في
تحليل الحدث وتداعياته، ومع الدور
الذي تلعبه في صياغة رأي المواطن
الأمريكي، تستطيع أن تبدأ رحلة في
عقول الأمريكيين.. تتعرف فيها على
حقيقة مخاوفهم، والأسلوب المتبع
لصناعة مواقفهم، وربما تكتشف المزيد
بنفسك، حيث لم نتدخل بالتعليق.
نشرت
صحيفة "نيويورك تايمز" حصيلة
استطلاع موسَّع أجرته مع شخصيات
أمريكية حول مظاهر التحول التي
شهدتها الولايات المتحدة بعد يوم 11
سبتمبر 2001م، ونشرت الصحيفة الاستطلاع
على النحو التالي:
لحظات
لترك الخلافات
يقول
ستيفن كارتر أستاذ القانون بجامعة
بيل الأمريكية:
ماذا
تبدل منذ الهجمات الإرهابية التي
تعرضت لها أمريكا منذ عام مضى؟ هناك
العديد من العلامات البارزة بهذا
الشأن، فالقوات الأمريكية تقاتل في
الخارج بتأييد داخلي واسع، وفي
الداخل ورغم حزننا على من فقدناهم
فإننا على ما يبدو نقبل بشكل أو بآخر
احتمال خوض الحرب للإطاحة بصدام
حسين، وقد أثبتنا أننا إلى حد كبير
أمة من الوطنيين مع استمرار غضب البعض
منا.
ومع
حلول الذكرى الأولى ها نحن نشعر
بالأسى على حالنا قبل ذلك اليوم، وها
هم نشطاء اليمين واليسار يتبادلون
التهم بشأن من يتحمل مسؤولية
المأساة؛ لأنه لا يوجد ما يمنع أن
يستفيد بعض السياسيين ولو لوقت قصير
مما حدث، فرؤية خاطفة لشاشة
التلفزيون أو للصفحات الأولى من
الجرائد تبدو كافية لإقناع معظم
الأمريكيين بأن جميع القضايا القديمة
ذات الخلاف استعادت موقعها في
الساحة، على اعتبار أن الصحفيين
باتوا يشعرون بالملل من هذه الأمة
التي كانت تأمل في ترك خلافاتها
جانبًا. فاللحظات القصيرة التي شعرنا
خلالها بالوحدة وبمحاولة أن نختار
المسار الأسلم، وأن نسعى إلى اكتشاف
العوامل المشتركة بيننا، وأن نفهم
أنفسنا على أننا أكبر من مجرد
مستهلكين، وأن ننظر إلى بعضنا البعض
باعتبار أننا أكثر من مجرد عقبات.. هذه
كلها باتت ذكرى أليمة تتلاشى على عجل،
وربما على أية حال كانت خيالاً، أو
لمزيد من الدقة طائرًا وهميًّا نهض من
الرماد، لكن فقط في عالم خرافي.
ذلك
هو الذي يجعل أمريكا اليوم في أمس
الحاجة للدعاء، الدعاء بأن يساعدنا
الله قبل أن يفوت الأوان لوقف تزحلقنا
بعيدًا عما كانت عليه حالتنا.
اضرب
أولاً.. درس سبتمبر
وقال
نويت غينغريش رئيس مجلس النواب من عام
95 وحتى 1999م:
ما
أحدثه 11 سبتمبر بوضوح هو أن علينا
إحداث تغيير في سياسة بلادنا
المتعلقة بالأمن القومي؛ لتصبح مبنية
على أساس حق الشفعة بدلاً من
الاحتواء، لا يمكن لأحد أن ينفي أن
بعض الناس يكرهوننا، وهذه ليست مشكلة
تواصل، إنهم يفهمون ما تعنيه أمريكا
وما تمثله ومع ذلك يرغبون في قتلنا.
فالإسلام
الأصولي المتخلف الذي يختلف عن
الإسلام الحديث سيظل دائمًا يعارضنا؛
لأن وجودنا بحد ذاته يشكل تهديدًا
لقيمه، فالنساء الأمريكيات اللاتي
يقدن السيارات، ويدلين بأصواتهن في
الانتخابات، ويرتدين ملابس حديثة،
ويعملن ويفعلن كل ذلك دون أن يرافقهن
قريب من الرجال… يشكلن تهديدًا لصلب
أفكار الإسلام الأصولي المتخلف الذي
يبدو أن أتباعه على استعداد لفرض قيمه
ولو باستخدام العنف.
لقد
أصبح ما يُدعى بالفكر الإسلامي
المتطرف حركة إسلامية عالمية توجد عن
طريق ما يسمّى بالمدارس التي تلقن
الفتية من الذكور أسلوب أفكارها
المتعصب، والذي يُعَدّ تنظيم القاعدة
مجرد عرَض من أعراضه، وهدفها هو إقامة
عالم لا يتأقلم مع وجودنا.
لقد
أصبح الاحتواء مستحيلاً في عصر
الترحال العالمي والمجتمعات متعددة
الأعراق وأسلحة الدمار الشامل، ونحن
بانتظار أن يهاجمنا عدونا فإننا
نخاطر بخسارة إحدى مدننا وربما أسوأ
من ذلك. ولضمان أنه بإمكان كل أمريكي
أن يعيش بسلام وصحة ورخاء وحرية، فإن
سياستنا الأمنية يجب أن تستند إلى
حقنا في توجيه الضربة الأولى بحيث
نهزم أعداءنا، وذلك هو درس 11 سبتمبر.
أما
الكاتبة ساينثيا أوزيك فقالت:
إن
ما ظلَّ الملالي المتطرفون يطرحونه
في بلدان إسلامية وفي غزة أصاب بلهيبه
مدينتنا، وقد اتضح غموض الإرهاب بلا
جدال من خلال التدقيق المعنوي، على
أنه مع مرور الوقت يبدو أن ذلك الغموض
بات يتفتت ويهترئ، فقد برزت على السطح
علامات عدم الارتباط والرغبة في ألا
نرى الأشياء، وقد تجلى ذلك في إشارة
مبكرة وقعت في يوم الرابع من شهر
يوليو، عندما قرَّر مسلح مصري قتل
إسرائيليين أمام مكتب سفر تابع لشركة
العال في مطار لوس أنجلوس، وقد امتنع
المسؤولون عن وصف ما ارتكبه
بالإرهاب، وعندما لم يتم ملاحظة أو
حتى إبداء ملاحظة أو استنتاج ما على
اكتشاف ألمانيا مؤخرًا أن تنظيم
القاعدة كان وراء تفجير المعبد
اليهودي في تونس، ونسمع عن مبررات
تطرحها الصحافة الدولية بشأن عمليات
التفجير الانتحاري التي ينفذها
فلسطينيون ممن أعلنوا فناء الدولة
اليهودية.
فيما
يتعلق بمركز التجارة العالمي ومبنى
وزارة الدفاع استمعنا إلى أصوات
محدودة خلال شهر سبتمبر الماضي تحمل
أمريكا مسؤولية الاعتداء الذي تعرضت
له، واليوم لم يَعُد هناك الكثير
منها، فعندما نتساهل مع الإرهاب فإنه
سينتصر علينا.
أمريكا
أكثر أمانًا.. لا يكفي!
وتحت
عنوان "عام لجعل أمريكا مكانًا
أكثر أمانًا" يكتب تودس بيردوم في
صحيفة "نيويورك تايمز" قائلاً:
بعد
مُضي عام على تفجيرات واشنطن
ونيويورك أصبحت أمريكا أكثر أمانًا،
ولكنها ليست آمنة حين أدلى بعض
المسؤولين الذين عهد إليهم بمسألة
الأمن القومي في الداخل والخارج في
إدارة الرئيس بوش بتصريحات مفادها أن
الأمن لم يتحقق بعد، فها هو توم ريدج
مسؤول الأمن الداخلي يتكهن بحدوث
هجمات جديدة، وديك تشيني يقول: إن
المشكلة لم تحل بعد، فيما تقول
كوندوليزا رايس: إن الضعف لا يزال
موجودًا، ويقول السناتور تشارلز شومر
وهو ديمقراطي من نيويورك: "إننا
أكثر أمنًا اليوم مما كنا عليه قبل
عام، فالقاعدة إذا لم تتحطم فهي هاربة
والحرب ضد الإرهاب تسير على أتم وجه،
ولكننا نقلق بشأن ما سيكون عليه الوضع
بعد ثلاث أو خمس سنوات حين تأتي
الدفعة الثانية من تنظيم القاعدة؛
لأن ما نقوم به الآن لحماية الأمن
الداخلي هو عمل بطيء وغير مكتمل".
صحيح
أن دائرة الهجرة والجنسية قد أدرجت
أسماء 300 ألف أجنبي متورطين في قضايا
جنائية حسب مصادر دائرة التحقيقات
الاتحادية، ولكننا لا نعلم عدد
الطلاب الأجانب الذين يقيمون في
الولايات المتحدة بصورة غير شرعية
ومخالفة لقانون التأشيرة. كما أن مدير
دائرة التحقيقات الاتحادية روبرت
مولر يقول: إنه من الصعب على الحكومة
الفيدرالية درء هجمات جديدة على
الرغم من مئات العملاء الذين جندتهم
للتحقيق في أحداث الحادي عشر من
سبتمبر. وبدورها تقوم وكالة
الاستخبارات المركزية بتوظيف أشخاص
يتكلمون العربية، ولكن لديها نقصًا
في الكوادر التي تمكنت فعلاً من
اختراق الخلايا الإرهابية، وفي
الواقع أنها قد خطت خطوات واسعة في
مجال تنسيق المعلومات، وهناك تنافس
شديد بين جهات مختلفة في مجال جمع
المعلومات ونشرها.
التفسير
مسئولية الجميع
وقال
الكاتب المسرحي كوشنر:
لا
يُعَدّ التحول استبدال حالة دولة ما
ساكنة بحالة أخرى، فالمعاني التي
حملها 11 سبتمبر ما زالت تغمرنا،
وتفسيراتنا الدائمة هي التي ستحدد
أشكال ما سنفعله مستقبلاً، فهذه
المأساة الهائلة جعلت أمريكا تتقبل
إمكانية فهم جديد لمكانتنا بين الأمم.
أثر
المأساة غير المنظور هو أنها تدفعنا
للإبداع: حيث تتدفق معان جديدة لملء
الفراغ الذي فجرناه بجزعنا من هول
الكارثة، وهنا يبرز سؤال مفاده: هل
نحن أوفياء للمبادئ الديمقراطية
المفرزة التي تنطبق على شعبنا وعلى
شعوب العالم أيضًا؟ وهل نعي أن هناك
تداخلاً بين شعبنا وبقية شعوب
العالم؟ وهل سنرد بشيء من الخيال
والعاطفة وجمع المعلومات بشكل شاع
بحيث نرفض المشاريع التوسعية والحرب
السرمدية؟
المسار
الذي سنتبعه لا يمكن توقعه في الوقت
الحالي، وعلينا ألا نثق بكتاب
الأعمدة بالصحف وفطاحلة التحليل
والبحث، وأولئك المملين من رعاة
البقر الذين يحيطون برئيسنا أو
بمستشاريه المغامرين، فنحن مواطني
هذا البلد، ما زلنا قادرين على تفسير
الأمور.
واستنتاجاتنا
هي التي ستفرض مجددًا تفسيرنا
للأمور، وقد تكون الآنيّة مقبولة
لكنها ليست مبررًا للغباء أو
البشاعة، وشعورنا باليأس الناتج عن
ضعفنا هو مجرد أكذوبة نطرحها على
أنفسنا، نحن جميعًا نتحمل مسؤولية
صياغة ذلك التفسير والأفعال الناتجة
عنه فنحن جميعًا شركاء.
اصعد
فقط.. عند مشاهدة اللهب
وتحت
عنوان "كيف تغيرت أمريكا منذ أحداث
11 سبتمبر" نشرت صحيفة "هيرالد
تريبيون" المقال التالي للكاتب
ديفيد أكناشيوس:
إذا
ما فكَّرنا بأوجه التغيير الذي طرأ
على أمريكا بعد أحداث الحادي عشر من
سبتمبر طوال العام الماضي فإننا نجد
أن النظرة الاجتماعية قد تغيرت، فقد
أصبح رجل الإطفاء بطلاً فيما أصبح
رجال المال أشرارًا بنظر المجتمع.
قد
يعارض العالم الضربة الأمريكية
للعراق، ولكننا حين نتذكر كيف غامر
رجال الإطفاء بحياتهم في عمليات
الإنقاذ في مركز التجارة العالمي
نتذكر القيم العالمية التي تعطي
لحياتنا بعدًا إنسانيًّا.
أما
الأثر الثاني لأحداث الحادي عشر من
سبتمبر هو أن أمريكا لم تَعُد تحب
الأعمال التجارية، وقد جسَّدت فضيحة
إنرون هذا التوجه الجديد فلم يَعُد
أمرًا مثيرًا أن تكون من رواد
الإنترنت مثلما لو كنت رجل إطفاء،
وحتى بيل جيتس قرّر أن يركز على أعمال
البر والإحسان.
كما
تكشفت عمليات الاختلاس والفساد
المالي التي أتت على أموال الأثرياء
ورواتب المتقاعدين في شركات التعدين
على حد سواء.
وفيما
استمر المواطن العادي في الإنفاق
بجسارة جلس رجال الأعمال على أيديهم،
وصاروا يتفاخرون كيف أنهم نجوا من
الدمار ووجهوه ليقع على رؤوس الآخرين.
لقد أصبحنا نشم رائحة الخوف في
الأسواق المالية الأمريكية، لقد أصاب
الولايات المتحدة عجز تجاري كبير،
وقد يكون هذا أمرًا طبيعيًّا، ولكن
الذي تغير هو أن الريبة أخذت تملأ
العالم وأصبحت القدرة على التنبؤ
بقيمة الأرباح التي يمكن جَنْيها لا
تتجاوز فترة قصيرة، وأصبح هناك توجه
لدى أصحاب رؤوس الأموال أن يدخروا
أموالهم بدلاً من أن يستثمروها. لقد
فقدت النمور زئيرها ولم تَعُد تلك
المخلوقات الشجاعة.
على
أن شخصًا مثلي يعيش في الخارج لا
يستطيع أن يفهم تمامًا ما حدث لأمريكا
خلال العام الماضي، ولكن يبدو لي أن
الشعب الذي يعيش بين شظايا الأحداث
والرخاء الاقتصادي على الساحل
المقابل قد استطاع أن يعيد تأكيد ذاته
منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أما
بالنسبة للرئيس بوش فكان من حسن حظه
أن تقصيره وسوء أدائه قد رنَّ في عالم
رجال الإطفاء، ومن سوء حظه أن مهنته
السابقة كرجل أعمال مبذر قد وجدتُ
شبيهها في أخلاقيات شركة إنرون
المريبة، وحين كان يتحدث عن الاقتصاد
كانت السوق تشهد انخفاضًا وكأنه كان
يقص أجنحته.
إن
ما ينبغي على الرئيس بوش أن يفهمه هو
وبطانته هو أن رجال الإطفاء شجعان
ولكنهم ليسوا أغبياء.. إنهم على
استعداد أن يضحوا بحياتهم في السلم
والحرب، ولكن أكثر ما يكرهونه هو
الإنذارات الكاذبة التي لا تستند إلى
حقائق. إن رئيسًا يقود بلاده إلى حرب
يجب أن يتأكد أن شعبه يفهم الشيء الذي
يطلب منه أن يضحوا لأجله، وسوف يصعدون
المباني، ولكن فقط حين يشاهدون اللهب.
اقرأ
أيضا:
|