 |
|
اللمبي
.. قدم نموذجا يهدد أي قيمة
|
كان
من المفترض أن تكون مهمة المراقبة
النقدية للقيم المطروحة في أعمال
الصيف السينمائية مهمة على قدر كبير
من الظُّرف والتسرية، فالسينما بوجه
عام -أيا كان الموقف منها- تستهدف
التسرية عن النفس بوجه أساسي، ومع ذلك
فإن هذه المهمة قد سببت لي معاناة
كبيرة إلى الدرجة التي جعلتني أفكر
المرة تلو المرة، وإن كان حماسي
للقيام بهذه المهمة يعود في الأساس
إلى تقديري للدور الكبير الذي تلعبه
القيم المطروحة في الأعمال
السينمائية في التأثير على الناس؛
ومن ثم تبرز هنا أهمية المراقبة
النقدية لتلك القيم، ولكن المهمة بدت
عقيمة تماما.. فاقدة الجدوى إلى حد
كبير فما ضاعف معاناتي هو محاولة
الإجابة عن هذا السؤال: أين هي تلك
القيم التي عليَّ أن أراقبها في تلك
الأفلام؟
أما
سبب معاناتي الأساسي فهو موضوع يطول،
وسوف يتكشف من خلال حديثي عن هذه
التجربة التي صارت أمرا لازما لسبب
واحد، هو أنني مررت بها.
اللمبي..
المعادلة المرعبة
يستوقف
أحد ضباط الشرطة شابًّا متسكعًا
ويسأله عن بطاقته فيجيبه بصوت مسطول
بأنه لا يحمل بطاقة، وعندما يسأله عن
سبب ذلك يرد عليه ببساطة لأنه ليس له
جيب خلفي، وعلى الرغم من تكرار هذا
الإعلان في التلفزيون عشرات المرات
فإن الناس تضحك عليه كثيرًا، ولا تقل
كثيرًا درجة إضحاك باقي مشاهد الفيلم
عن هذا المشهد بل يحقق الفيلم رقمًا
قياسيًّا في الإضحاك لم تبلغه إلا بعض
الأعمال النادرة في تاريخ الأعمال
الفنية بمصر؛ ومن ثم ومع اطراد تدافع
الجمهور نحو الضحك فقط فإن اللمبي
يحقق نجاحًا جماهيريًّا منقطع
النظير، خصوصًا أنه تفوق في تحقيق هذا
الهدف على أهم نجوم الكوميديا في مصر
الذين نافسوه في هذه الفترة، وهم:
عادل إمام، محمد هنيدي، أحمد آدم،
هاني رمزي، وأعتقد أن حظ علاء ولي
الدين كان عظيمًا بتخلفه عن الدخول في
هذه المنافسة.
إذن
فالمعادلة صحيحة للغاية، فيلم يحقق
أكبر قدر من الإضحاك، يقبل عليه جمهور
منقطع النظير، والمشكلة فينا نحن
الذين نبحث عن قيم فكرية وأخلاقية
تقدمها السينما المصرية في هذه
المرحلة، بينما من الصعب جدًّا حدوث
ذلك في ظل الواقع القاسي والسريالي
إلى حد الجنون الذي نعيشه، ولكن غاية
ما كنا نتمناه في مثل هذه الحالات
التي تريد تلبية الهدف الوحيد
للجمهور إلى أقصى درجة ألا تقدم ما
يسيء ما دامت عاجزة عن تقديم ما يفيد،
وهذا ما صنعه فيما سبق النموذج مثل
"بلية ودماغه العاليه" لمحمد
هنيدي، إلى حد كبير.
طبعًا
ليس هناك فيلم ولا قصة.. المسألة
ببساطة وكما أوردها أغلب النقاد أن
شخصية اللمبي التي نجحت نجاحًا
كبيرًا في أحد مشاهد فيلم الناظر (وأضيف
هنا أنها كانت أهم أسباب نجاح الفيلم
نفسه) أراد القائمون على الأمر
استثمارها في فيلم كامل، ولكن ما هي
شخصية اللمبي تلك؟! إنها واحدة من أحط
الشخصيات (ولكن ليس أحطها جميعًا) في
الأحياء الشعبية المصرية فهو ذلك
الجاهل البلطجي المدمن الذي لا يقف
عند قيمة أو حرمة إلا قيمة (الجدعنة)،
والجدعنة تلك هي الأمور التي تحوز
إعجاب البلطجية الآخرين أمثاله.
وربما
لا يستطيع البعض أن يتخيل ما هي
معايير تلك الأمور لدى هؤلاء؟ ولكني
أستطيع أن أخبره أنها ليست ملزمة
للنهاية، وإنما يمكن تجاوزها بحسب
المصلحة المرتبطة، ويصبح هذا التجاوز
ذاته من الأمور التي تحوز إعجاب هؤلاء.
وهكذا
فنحن أمام هذا المتشرد الفاجر طوال
الفيلم الذي يُشهر مطواة في وجه
مخالفيه لأدنى سبب ولا يفيق من شتى
أنواع المخدرات طوال الوقت، ويغدو
الفحش في الكلام جزءا من تكوينه،
وهذه كلها أدواته أيضًا في الإضحاك
بالإضافة إلى تلك الرقصة بالغة
الإسفاف التي اعتمد عليها بشكل
أساسي، والتي أشهد أنه نقلها بالفعل
من ذلك الوسط، ولم يبتدعها من نفسه
وإن كان قد (عدَّل) فيها بعض الشيء،
ولكن كل هذه الأدوات ما كان لها أن
تؤدي ثمرتها لولا تلك المفارقة شديدة
الغرابة واللاعقلانية على الإطلاق،
وهي أن أجمل فتيات الحي التي حصلت على
قدر ما من التعليم تحب ذاك اللمبي؛
وبذلك اخترع القائمون على الفيلم تلك
الحيلة العجيبة لتفعيل أدوات اللمبي
من خلال عمله على التقرب والزواج من
تلك الفتاة.
ومن
ثم فأنت ترى هذه الشخصية العجيبة بكل
إسفافها وهي ترقق من نفسها لتداعب
المحبوبة أو تحاول المرة تلو المرة أن
تتخذ أي وسيلة للعمل لجلب نفقات
الزواج ولسداد دين عليها قدره 20 ألف
جنيه دون جدوى.
وإذا
تطلب أحد الأعمال شهادة محو الأمية -على
ما أذكر- فإنه يذهب إلى الامتحان
شاهرًا مطواه، ويقبل على العمل كبودي
جارد (حارس شخصي) لراقصة، لكنه لا
يستطيع التمادي في ذلك إلى الدرجة
التي تجعل منه قوادًا؛ وهو ما لا يتفق
مع قواعد الجدعنة التي أشرنا إليها،
وتكون وسيلته الأخيرة التي تنجح –
كما أراد له القائمون على الفيلم دون
أي منطق طبعًا – هي أن يعتمد على "نقوط"
المدعوين في حفل زواجه، ولا يهمه
كثيرًا المهازل الأخلاقية لباقي
الشخصيات الأخرى، فهي كلها شخصيات
مفتعلة وجدت فقط لاستكمال عناصر
المشاهد (الاسكتشات) التي يؤدي فيها
اللمبي فقراته الضاحكة.
لكن
مشكلة المشاكل أن يكافئ القائمون على
الفيلم هذا اللمبي بشخصيته المنحطة
هذه بحب أجمل فتيات الحي، ونحن نقول
هنا بحب الفتاة، وليس مجرد الزواج
منها؛ لأننا شاهدنا في الواقع نماذج
في الوضع الراهن أبشع من ذلك يقوم
فيها مَن هو أسوأ من اللمبي بالزواج
ممن هي أجمل وأرقى من فتاته تلك بشرط
واحد هو أن يكون قد نجح في السطو على
ثروة من النقود تأتي بوسيلة من
الوسائل، ولكن المسألة هنا أكبر من
ذلك بكثير، وهي أن اللمبي حظي بحب تلك
الفتاة بالفعل، الأمر الذي يؤدي إلى
إعلاء القيم البشعة التي يحملها
اللمبي، وجعْل شخصيته هي النموذج
الذي يحتذى به لدى الشباب، والتشجيع
على استشراء شخصية اللمبي الموجودة
بالفعل في المجتمع المصري، وتلك هي
الجريمة التي يصنعها القائمون على
الفيلم في حق المشاهدين.
ومن
هنا قد يصح ما كتبه الناقد محمد عبد
الفتاح في أخبار النجوم (عدد 10 أغسطس
2002) حين قال: بفيلم اللمبي وصلت
السينما المصرية إلى أسوأ درجة من
درجات السفه والانحدار إلى الهاوية
لم تصل إليها حتى أيام إنتاج أفلام
أثرياء الهاوية وتجار الحرب في
الأربعينيات، ولم تعرف له السينما
المصرية شبيها منذ نشأتها؟!
وهذا
اللمبي دليل فساد وإفساد تجار
السينما المصرية، وتدمير الحس والذوق
السليم لدى المشاهد المصري جريًا
وراء تحقيق أقصى ربح من سلالة "المضحكين
الجدد" الذين يظهرون.
وهذا
ما يجعلنا نختلف مع يوسف القعيد فيما
ذهب إليه في "الحياة" اللندنية
من كون محمد سعد كان يقلد محمد سعد (عدد
16 أغسطس 2002).. وبينما أنا غارق في الضحك
علا صوتي فجأة اعتراضًا على كل هذه
المبالغة في الإسفاف والفحش والبذاءة
والتدني، وقلت: كيف يقبل محمد سعد أن
يفعل مثل هذه الأمور على الشاشة، وأنا
أعرف أنه ممثل ذكي وجاد؟ فقال لي
شابان يجاوراني: لقد كان يصلي معنًا
اليوم الجمعة في مسجد في (بين
السرايات)، ويبدو عليه أنه شخص محترم
جدًّا، وقد دفعني إلى الاعتقاد بذلك
ما قرأت وما علمته من بعض الإشارات
عما قاساه من معاناة في حياته الخاصة،
بالإضافة إلى بعض الانطباعات الأخرى.
ولذلك
فنحن لا نتمنى منه التنازل عن شخصية
اللمبي في الأعمال القادمة، فهذا
التمني قد يكون مستحيلا في ظل النجاح
الذي حققه اللمبي، ولكن كل ما نرجوه
هو إما أن يقدم اللمبي في صورة
الشخصية المدانة من كل الوجوه، وإما
أن يقدم الأبعاد الاجتماعية الخاطئة
التي أنتجت شخصية اللمبي؛ لأن
الشخصية في حد ذاتها – على حد قول
الناقد ماهر زهدي (في عدد أخبار
النجوم المشار إليه) - يمكن أن يبنى
عليها عمل درامي راق يخرج منه شيء أو
جملة مفيدة باعتبارها نموذجًا
إنسانيًّا موجودًا بالفعل في
المجتمع، ولا يمكن إغفاله أو إنكاره.
وهنا
ننطلق إلى الحديث عن المزيد من القيم
والنماذج التي طرحتها الأفلام
السينمائية المصرية في صيف 2002:
أما
السؤال الأساسي الذي يطرحه كل ما سبق فهو:
لماذا يُقبل الجمهور على موضوع مثل "اللمبي"
أو غيره من أفلام هذا الصيف؟ وهو ما يتطلب
دراسة خاصة.
والحصيلة:
جماهير مشاهدي السينما في مصر لا يذهبون
إليها إلا للبحث عن شيء واحد، فما شاهدوه في
الحياة من تجارب ومآسٍ أخطر كثيرًا مما يمكن
أن تقدمه السينما من دراما اجتماعية، فالناس
تبحث عن تخدير مؤقت لآلامهم المبرحة التي
صنعها واقع اقتصادي طاحن، وقيم نفعية لا رحمة
لها، وما فرضته عليهم الهجمة الأمريكية
والصهيونية الشرسة على العالم العربي
والإسلامي من إذلال سياسي، ورعب من المستقبل،
وافتقاد السند الديني المحاصر سياسيًّا
وإعلاميًّا من كل جانب، والنتيجة النهائية
لكل ما سبق هي انفكاك أربطة الروح، وانصهار
الكيان الإنساني.
وإذا
كانت القيم النفعية (البراجماتية) قد ساعدت
النخبة الأكثر تشوهاً في اكتناز ثروات
المجتمع والتلهي بها عن مواجهة الحقائق
المصيرية فإن السواد الأعظم من الناس يسقط في
هوة الإحباط والانكسار والتشرذم والعبث
واللاجدوى ليعيشوا ما بعد حداثية واقعية ينظر
لها الغربيون على أنها فلسفة فقط أيًّا كان ما
يمتزج بها من سقوط وتدنٍّ.
وهذا
هو التفسير الوحيد لما يحدث، وليس كما يزعم
البعض (مثل المخرج سمير سيف في أحد البرامج
التلفزيونية) أن تفسير ذلك يعود لمصادفة كون
أن أغلب النجوم الشباب الذين ظهروا في
المرحلة الأخيرة كانوا من الكوميديين، فهذا
كلام يجافي الحقيقة تمامًا، فهناك كوكبة
كبيرة موجودة بالساحة أيضًا من النجوم الشباب
غير الكوميديين، مثل: طارق لطفي، ومحمد رياض،
وأحمد سعيد عبد الغني، وأحمد زاهر، ولم تفسح
لهم السينما مجالا للوجود؛ لأنهم لا يتناسبون
مع مقتضيات المرحلة في جذب الجماهير، بل إن من
بين نجوم الكوميديا هؤلاء الذين برزوا كممثلي
دراما على درجة كبيرة من الموهبة، مثل أشرف
عبد الباقي، بل ومحمد سعد نفسه، ولكنهم
أهدروا هذا الجانب فيهم توائما مع توجهات
الواقع السينمائي.
وفي
ظل هذا لم يكن غريبًا أن يستغل التجار
النفعيون هذا اللهاث وراء الكوميدي ليقدموا
أي شيء فاقد المعنى يمكن أن ينتج كوميديا،
ولأن استهداف الربح السريع يتناقض مع الإتقان
لم تنجح أغلب هذه الأعمال في تحقيق قدرٍ من
الكوميديا يتناسب مع إقبال الجماهير، الأمر
الذي مثل عملية نصب غير مباشرة للاستيلاء على
أموال الجماهير دون تقديم المقابل الكوميدي
المكافئ الذي ينتظرونه.
وفي
ذروة ذلك كان من السهل أن تتم عملية نصب
مباشرة على الجماهير لم يقم فيها المنتجون
بتقديم أي شيء لهم، ولا حتى الكوميديا، مثلما
حدث في فيلمي (عودة مدرسة المشاغبين)، و(فلاح
في الكونجرس) اللذين فضلنا ألا نفرغ لهما أي
مساحة خاصة حتى لا نشارك في عملية النصب تلك.
اقرأ
أيضًا:
**
كاتب مصري
|