بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

أوتار و أنغام 

مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة


محاكمة الأغنية الوطنية تحت قبة السلام

2002/08/04

شريف حمودة - مصر

البعض يرى أن اللحظة التاريخية العظيمة هي التي تفرز أغنيات وطنية خالدة، بينما تفرز اللحظة التاريخية الغامضة أغنيات وطنية مثيرة للجدل، فهل ما نعيشه الآن هي تلك اللحظة الغامضة المشوشة؟! فبالرغم من تسلح الأغنيات الوطنية الحديثة بالصور التليفزيونية الحية التي تثبت وقائع الانتفاضة الفلسطينية ومشاهد قتل واعتقال الكبار والصغار من العرب بأيدي الإسرائيليين، وهو ما يضيف إلى الأغنيات بعدًا تأثيريًّا بصريًّا قوامه الصدق والواقعية، فإن غالبية هذه الأغنيات باستثناء بعض الأوبريتات الناجحة مثل "الحلم العربي"، و"القدس هترجع لنا"- تواجه اتهامات نقدية شرسة بحجة ضعف مستواها الفني من حيث الكلمة واللحن والصوت، وسلبيتها إزاء إثبات موقف مخالف لخيار السلام الإستراتيجي المفروض، فضلاً عن الترهل والوقوع في شرك التقليد، والافتقار إلى الهيبة والحافز الحقيقي القوي وراء إبداعها، إضافة إلى الخفة والميوعة والتمسح الاستهلاكي بالمناسبات والأعياد وذكرى الانتصارات الفائتة.

من قرع الطبول إلى الألحان

وبنظرة للوراء نجد أنه في البدء كانت فكرة قرع الطبول وبعث صوت النفير عند بدء المعارك لتحميس المقاتلين، ثم تطور الأمر فأسفر عن الفرق الموسيقية العسكرية التي تتقدم طابور القوات المتجهة نحو ميدان المعركة للقاء الأعداء. وانتهى المطاف، في العصر الحديث المزدان بوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية والفضائيات، إلى ذيوع "الأغنية الوطنية" كبديل عن موسيقى الحروب التي كانت تتميز بالجدة والصرامة. وتُعَدّ الأغنية الوطنية هي التعبير المعنوي عن قوة الانتماء في ترجمتها للضمير الجمعي للشعوب.

وقد نلمس دور الأغنية الوطنية على الصعيد العربي حينما تكون هناك قضية كبرى يلتف حولها الجميع وفي هذا السياق -مثلاً- ولدت أغنيات ثورة 1919م التي لحَّنها سيد درويش مثل "بلادي بلادي" و"قوم يا مصري" و"أنا المصري"، وأغنيات القومية العربية والصراع (العسكري) العربي الإسرائيلي في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، ومنها "وطني الأكبر" للشاعر أحمد شفيق كامل التي لحنها محمد عبد الوهاب، وأغنية "الدرس انتهى لموا الكراريس‏"‏ في عام 1970م للشاعر صلاح جاهين والموسيقار سيد مكاوي التي تجسد بشاعة الجريمة الإسرائيلية بضرب مدرسة بحر البقر الابتدائية المصرية وقتل تلاميذها الأبرياء..، وغيرها من الأغنيات والأوبريتات الذائعة التي يستدل بـها على أحداث التاريخ العربي الحديث.

ويمكن القول: إنه "لا خلاف" على الدور الذي لعبته الأغنية الوطنية المصرية في المراحل التاريخية التي لم يكن فيها "خلاف" بين الصفوف العربية في وجهات النظر حول القضايا الكبرى. فعبد الوهاب يقول بقوة وشموخ "أصبح عندي الآن بندقية"، وعبد الحليم حافظ يصيح بملء فمه: "أحلف بسماها وبترابها ما تغيب الشمس العربية"؛ لأن جميع القادة العرب يقولون معًا بوضوح وصراحة: "نحن مستعدون بالسلاح والجيوش الموحدة للحرب ضد العدو الإسرائيلي وحلفاء الصهيونية"، كما أن الشعوب العربية كلها كانت تؤمن في ذلك الوقت بخيار إستراتيجي واحد لا ثاني له هو خيار "الحرب" أو بمعنى أدق المقاومة..؛ ولذلك كانت الأغنية الوطنية بموسيقاها الحماسية الصاخبة، وكلماتها النارية، وإيقاعاتها الجادة جزءاً من نسيج الواقع، تشارك بقوة في إلهاب حماس الجماهير وقت الحرب، وتساعد في التفاف الشعوب حول المشروعات القومية الكبرى التي لا تلقى معارضة من أحد.

"الحلم العربي".. "جايز"!!

وعلى مدار حوالي ربع قرن من الزمان، منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد وحتى اللحظة الراهنة، والأغنية الوطنية تواجه تحديات متتالية كانت كفيلة بإضعافها وكسْر شوكتها وإصابتها في مقتل على مستوى الكلمة واللحن والأداء. فلأول مرة ينقسم العرب انقسامات حادة حول معاهدة السلام كمبدأ وكشروط وكأولويات، ثم بعد ذلك يختلفون في أساليب التفاوض السياسية مع إسرائيل، ثم يحدث الصدع الأكبر بين العرب بغزو العراق للكويت في مطلع التسعينيات، ثم تأتي مرحلة التطبيع؛ ليمتد الاختلاف بين المواطنين العرب حتى داخل حدود الدولة الواحدة، كما أن الواقع يشهد ازدواجية أكبر وأخطر، فالدول العربية التي ترتبط مع إسرائيل بمعاهدة سلام رسمية على مستوى القادة، تواجه سخطًا شعبيًّا ضد سياسات إسرائيل المتعدية.

ماذا تفعل الأغنية الوطنية إذن داخل دوامات الصراعات والمتناقضات السياسية والأيديولوجية؟! وكيف يمكن للمطرب أن يجمع تحت لوائه مَنْ لـم يجتمعوا تحت لواء مصلح أو مفكر أو قائد عربـي؟! وما هي البدائل المتاحة أمام الأغنية الوطنية العربية لتضمن بقاءها وتأثيرها؟ وما هي "تيمات" الكلمات والموسيقى والتصوير والإخراج الأكثر ملاءمة للأغنية الوطنية في هذه المرحلة الغامضة؟!

تُعَدّ الفترة الأخيرة التي تلت الاجتياحات المتكررة للمدن الفلسطينية والأحداث المأساوية التي صاحبتها من الفترات الدالة على عرض وإنتاج أغنيات تتعامل مع مثل هذه الأحداث، والأمر الملفت والملاحظ هو أن أغلب الأغنيات المختارة للبث المتكرر هي أغنيات شعارية تدور كلماتها في المطلق، ولا تجسد واحدة منها كيفية خلاص "القدس" من مأزقها الراهن، ولا تناقش أي منها كيفية التصدي للعدوان الإسرائيلي أو كيفية التمرد على خيار السلام الإستراتيجي الذي نتشدق به نحن في حين تنتهكه إسرائيل. أي أنها أغنيات "للتنفيس الشعوري" وليست أغنيات للدعوة إلى فعل محدد، وقد نالت أغنية "عربية يا أرض فلسطين" لآمال ماهر والموسيقار عمار الشريعي نصيب الأسد من ناحية تكرار العرض، وكأن أمر "عروبة أرض فلسطين" هو الشأن الذي يحتاج إلى التأكيد والإثبات بين العرب!!

أما الأوبريت الأكثر نجاحًا وذيوعًا في السنوات الأخيرة وهو "الحلم العربي"، فبالرغم من كونه ملتقى لأفضل الأصوات العربية من مطربين ومطربات، وبالرغم من جمال الجملة اللحنية الهادئة المتكررة التي صاغها الموسيقار حلمي بكر، فإن الكلمات -التي ألفها الشاعر الدكتور مدحت العدل- لا تتجاوز كونها تعبيرُا عن "حلم" وليس عن "واقع"، فالوحدة العربية صارت "حلمًا" بعيد المنال، والمجد العربي أصبح "أمنية" وليس "وعدًا"، كما أن لهجة "الاحتمالات" (جايـز) هي المسيطرة على الأوبريت، وليست لهجة اليقين والثقة من المستقبل المبتسم للعرب‍‍‍‍‍.

الحائرة بين السلام والتعبئة

وبالعودة إلى كشف وتحليل جوهر أزمة الأغنية الوطنية وترهلها فنيًّا في ظل سيادة المتناقضات وخيار السلام الإستراتيجي المفروض، يقول الموسيقار حلمي بكر، ملحن أوبريت "الحلم العربي"، في حديثه لنا: الأغنية الوطنية -بصراحة- لا تجد مساحة الحرية الكافية التي تسمح لها بالانطلاق والتأثير في وجدان الشعوب العربية.

فهناك ازدواجية مفروضة على الجميع، فنحن في مرحلة البين بين، حيث لا نملك سلاماً حقيقيًّا نغني له، ولا نقدر أن ننادي بالحرب والحماسة في ظل اتفاقية السلام. هناك إذن خطوط حمراء تمنع الأغنية الوطنية من الانطلاق والتحليق. وقد سقطت أغنية السلام من التاريخ لأننا اكتشفنا أن حجم حديثنا عن السلام أكبر من السلام المتاح بين أيدينا نفسه! ولأن أغنيات الشحذ والتعبئة غير ملائمة لطبيعة المرحلة، فقد اتجهت الأغنية الوطنية نحو المناسباتية والاحتفال بالأعياد، وتحولت إلى تكليفات باهتة لفنانين يريدون كسب لقمة العيش بركوب الموجة السائدة. وفي تصوري أن الأغنية الوطنية يجب أن تتسلح بالحق، والحق الفلسطيني لا يعني فقط العمليات الاستشهادية والجهاد المسلح، ولكنه يعني أيضاً المقاومة والمظاهرات وألاعيب السياسة والمفاوضات وكافة السبل التي تؤدي إلى نصرة الفلسطينيين. ويبقى الصدق هو معيار نجاح أية أغنية وطنية تدعو إلى صحوة المارد العربي من غفوته، وهذا ما التزم به فريق عمل أوبريت "الحلم العربي".

البقاء لـ …

ويقسّم الموسيقار حلمي بكر أنماط الغناء الوطني إلى ثلاثة أنواع رئيسية: الأغنية الوطنية (وهي تعبير عقلي)، والنشيد الوطني (وهو تعبير حماسي)، والمغناة الوطنية (وهي تعبير حسي). أما الأوبريت الوطني فقد يكون ملحمة أو لوحات تعبيرية توضع على هيئة تشكيل جمالي.

ويقول بكر: لقد استنفدنا كل هذه التيمات للأسف الشديد في احتفالاتنا السنوية بذكرى نصر أكتوبر 1973 وأعياد سيناء وأعياد الثورة وخلاف ذلك، وأنفقنا مئات الآلاف من الجنيهات، ولكن المحصلة الفنية بين أيدينا هي عدد محدود جدًّا من الأعمال الغنائية الصادقة الناجحة. فالفن الحقيقي الخالد لا تصنعه التكليفات الرسمية ولا المصالح الشخصية.

أما الموسيقار محمد علي سليمان فقد قال لنا: الأغنية الوطنية الراهنة في موقف لا تحسد عليه، فمسيرة السلام لم تكتمل بسبب الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، ورغم ذلك فنحن ملتزمون بمعاهدة سلام، كما أن الفنان من طبعه أن يعشق السلام..، فماذا ننتظر أن تقول الأغنية الوطنية حاليًّا؟! وإذا كان القادة يتحلون بالدبلوماسية، فهل من الممكن أن تنجح أغنية وطنية دبلوماسية؟! أشك في ذلك الأمر. إننا في مرحلة فارقة من التناقضات وتعدد الآراء وانعدام الوزن وخلط الأوراق، وفي تصوري أنه على الأغنية الوطنية أن تتجه إلى الرومانسية والهدوء بدلاً من الشعارية والحماسية الزاعقة بدون وجود هدف محدد، فالأغنية الوطنية ذات الطابع الموسيقي الوجداني العاطفي (مثل عدَّى النهار لعبد الحليم حافظ وعبد الرحمن الأبنودي وبليغ حمدي) هي الأنسب لإيقاع عصرنا ومستجداته، فبالحب والقالب الرومانسي العاطفي يتعلم الناس مفاهيم الأخوة والمحبة والصفاء والغيرة على العمل والوطن، وهذا هو الهدف المرجوّ من الأغنية الوطنية. كما أن أغنيات الدعوة إلى البناء والتشييد وربط الإنسان بأرضه وبيته وجيرانه وأسرته.. وما إلى ذلك تعد أغنيات وطنية مقبولة في هذه المرحلة.

والأهم هو أن نتخلص تماماً من أغنيات الإيقاع السريع التافهة التي لا هدف من ورائها ولا قيمة تطرحها ولا قضية تتناولها، لأن مثل هذه النوعية التدميرية من الأغنيات هي ضد الوطنية وضد الكيان الإنساني السليم. إن الشعب المصري شعب يحب الموسيقى والغناء، ومن الممكن أن تجمع الموسيقى أفراده وتوحد أذواقهم، وفي تصوري أن الأغنية الرومانسية الهادئة من الممكن أن تقوم بدور وطني إيجابي أكثر من الأناشيد المطنطنة، وإذاعة هذه الأغنيات الهادئة أفضل مثلاً- من أن نعيد إذاعة أغنية "اضرب" لعبد الحليم حافظ ليل نـهار بدون أن يكون هناك توجه عام نحو "الضرب" على الصعيد الواقعي.

أما المطرب علي الحجار فقد أوضح مؤخرا في حديثه له أن مشكلة الأغنيات الوطنية تكمن في أن معظم المطربين الآن يركزون على الأغنية التي تبيع وتدر عائداً ماديًّا سريعاً؛ لأنهم لا يحملون هما قوميًّا في اختياراتهم للكلمة واللحن، ومن ثم فهناك ندرة في الأغنيات الوطنية الجادة. في حين ذكر الشاعر عبد الرحمن الأبنودي (مؤلف مئات الأغنيات الوطنية على مدار أكثر من أربعين عاماً) أن عظمة اللحظة التاريخية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي كانت وراء عظمة الأغنيات الوطنية آنذاك، بينما اللحظة التاريخية الراهنة تفرز أغنيات بحجمها وبمستواها!

وفي حديثه يقول الشاعر محمد التهامي: لا أميل إلى اتهام الأغنية الوطنية بالتقصير أو التخاذل إزاء الأحداث، بل إنني أتهم الأحداث نفسها بأنها ليست بالشموخ الكافي الذي يجبر الشعراء على التغني

استمع:


مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع