|
عندما نقرأ الأدلة التي تقدمها على
صحة ما تقول يصبح ما تقدمه واضحا
وبسيطا، بمعنى:
إذا قلنا فجأة في التسعينيات إن
العراق دولة إرهابية فماذا كنا
نسميها في الثمانينيات؟ وهل حدث تغير
في النظام العراقي بين العهدين؟
ولماذا كنا نساعدهم في الثمانينيات؟ وتلك
هي انتقاداتك للسياسة الخارجية
الأمريكية.
-لو
قال لنا جورج بوش الابن مثلما فعل
مؤخرًا ومعه بلير: (إنه ليس بوسعنا
الإبقاء على صدام حسين فهو أشد البشر
شرًا في التاريخ، لقد استخدم أسلحة
كيميائية ضد شعبه)؛ فأنا أتفق معه لو
توقفنا عند هذا الحد، لكن النفاق يخجل
من قائل هذا الكلام.. وعلينا أن نضيف: (نعم
لقد استخدم الأسلحة الكيميائية ضد
شعبه، بدعم من بابا بوش، الذي استمر
في دعمه بعد ذلك وكان يعرف تمامًا ما
يفعله صدام، وما فعله حين طور أسلحة
الدمار الشامل ورحب به بوصفه صديقًا
وحليفًا، وأعطاه مساعدات كثيرة بعد
أن ارتكب صدام العديد من الجرائم…)،
وما لم تضف هذا فإن الكلام السابق
يخجل النفاق حقًا، ولكن لا أحد يقول
هذا.
يمكنك
قراءة التعليق والرأي الأكاديمي
وآراء القيادات العامة.. الجميع يتوقف
عند (استخدام صدام الأسلحة
الكيميائية ضد شعبه) الآن هذا ليس
عسيرًا على الفهم.. يمكنك أن تشرح هذا
للأطفال في المدارس. وتبذل الطبقات
العليمة ببواطن الأمور مجهودا خارقًا
لمنع الناس من معرفة هذه الأمور. إنه
التزام حقيقي من الأسهل جدًا أن تقول
الحقيقة وهذا مجرد مثال واحد ولكنه
دال حقًا.
في
نهاية التسعينيات كان ثمة جوقة كبيرة
للمديح الذاتي في الغرب تغني حول
الحقبة التاريخية الجديدة التي
ندخلها حيث تجلب الدول المتنورة
المثل الإنسانية للعالم، ولأول مرة
في التاريخ وفقًأ للمبادئ والقيم،
والدليل على هذا أننا نقصف صربيا،
أليس كذلك؟ حسنًا في نفس اللحظة، كان
نفس هؤلاء المغنين يؤيدون أفظع
الأعمال الإرهابية التي تجاوزت أفعال
ميلوسفويتش في كوسوفا بكثير، في
الواقع كنت عائدًا من أحد تلك المواقع
جنوب شرق تركيا حيث كانت أعمال
إرهابية بالجملة ترتكب.
حيث كانت الحكومة التركية ترتكب
الفظائع ضد الشعب الكردي.
-
نعم هذا حقيقي، ولكنني أرى أن الصواب
أن نقول بأن حكومة الولايات المتحدة
هي التي ارتكبت الفظائع...
عن
طريق الدعم الذي تقدمه للحكومة
التركية؟
-
عن طريق تقديم 80% من السلاح بتدفق
متزايد مع تزايد الفظائع وتوفير
الدعم الإعلامي ومنع انتقاد تركيا،
وساعدت الصحافة بعدم الكلام عن هذه
الفظائع، وفي الواقع فإن الأكثر
إثارة للدهشة والعجب هو أن تركيا
تُمدح هنا بوصفها نموذجا لمعاداة
الإرهاب أي من خلال ارتكاب أشد
الأعمال الإرهابية في التاريخ في
التسعينيات.
دعم
الدكتاتوريات.. مهمة تاريخية
لو كنا مجلس العلاقات الخارجية ونحن
لسنا هذا فسنقول لك: حسنا يجب أن نرى
تركيا في إطار إستراتيجي أوسع؛ فهي
دولة عصرية علمانية وشعبها مسلم، فما
هو ردك على هذا؟
-لذا
ينبغي أن نساعدها على طرد مليونين إلى
3 ملايين من منازلهم وتدمير آلاف
القرى وقتل 50 ألف نسمة؟! (من الواضح
السخرية المريرة في كلام تشومسكي،
وهذا جزء من أسلوبه الخاص الذي نراه
في كتاباته أو حتى في حواراته.. إنه
دائمًا يستخدم فكرة الطرح المضاد
للمألوف للوصول لفكرة جديدة مغايرة
تمامًا للرؤية التي يعرفها القارئ
واعتاد عليها) المترجم.
بالطبع لا.. حسنًا، أكمل
-حسنا
تلك هي المسألة، أعتقد أننا نضر تركيا
حين نفعل هذا نحن ندعم أشد الفصائل
رجعية في تركيا، كما قلت كنت هناك
وتكلمت عن هذه الأشياء. الناس تدعم
المعارضة ضد النظام الذي يديره
العسكر دعمًا هائلا، ونحن ندعم
النظام الذي يديره العسكر، نحن نمنع
تطوير وتحديث وتنمية تركيا، وفي
الواقع هذا ما يحدث في أغلب بقاع
الأرض، ولكن حتى لو كان هذا حقيقيًا،
أي أننا نساعد التحديث، فإن هذا لا
يبرر إطلاقًا المشاركة في أفظع
أعمال الإرهاب في التاريخ الحديث،
وربما أسوأ، لا أدري. والأفظع من
المشاركة أننا نمدح هذا النظام
الإرهابي على أنه نموذج مضاد للإرهاب
من خلال ارتكابه لأشد أنواع الإرهاب
والجرائم.
ويمكننا
أن نعمم من خلال هذا النموذج، يكفينا
أن نذهب لمكان آخر، إندونيسيا مثلا،
عندما كانت إندونيسيا تسير في طريق
مستقل في الخمسينيات وأوائل
الستينيات كانت الولايات المتحدة
تعارض بشدة، وفي الواقع حاولت تقسيم
إندونيسيا عام 1958، وأخيراً وقع
انقلاب عسكري بمساعدة الولايات
المتحدة الأمريكية في 1965، وذبح رجال
الانقلاب حوالي 200.000 نسمة وربما مليون
نسمة لا أدري ولا أحد يدري، ومعظمهم
من الفلاحين المعدمين، وتم الترحيب
بهذا الانقلاب هنا بشكل مذهل، ووصف
بدقة قالت النيويورك تايمز: "حمام
دماء فظيع"، وقالت التايم: "حمام
دماء يفور".. والكل مدح ما حدث،
مدحوه لأن ما يسمونهم المعتدلين
الإندونيسيين، أي من ارتكبوا المذابح
كانوا يحولون البلاد إلى دولة عميلة
للولايات المتحدة، ومنذ هذا التاريخ
65
حتى 1998 كنا نكيل المدائح لسوهارتو
وندعمه بوصفه رجلا عظيما، وهو أحد
أسوأ الديكتاتوريين في التاريخ.. أسوأ
من صدام حسين وأحد المجرمين العتاة في
العصر الحديث، أسمته إدارة كلينتون
"رجلنا" لأنه كان يخدم مصالح
الولايات المتحدة، وفي نفس الوقت
يرتكب أفظع المذابح، ويدون أسوأ
سجلات الفظائع في العالم، ماذا حدث
لكل هذا في مضابط التاريخ؟ أنت تعرف
أنه التاريخ، ولكنه ليس ما نعلمه
للشباب في المدارس الثانوية كما يجب
أن يحدث في دولة حرة، وتلك مسئولية
المثقفين، عليك أن تكون حذرًا حتى لا
يفهم أحد ماذا يحدث وتلك مسئولية ضخمة
حقًا. (يقصد تشومسكي الدور الذي يلعبه
المثقف والإعلامي الأمريكي المرتبط
بجهاز الدولة بشكل مصالح لا وظيفة)
المترجم.
أنت ترى أن هناك نوعين من المثقفين:
أحدهما الذي يخدم السلطة ويكافأ على
ذلك، والنوع الآخر هو الذي يقف خارج
السلطة ويقول للأعور أنت أعور.
-نعم
نحن نتفق على هذا عندما نتكلم عن
الأعداء؛ لذا عندما نتكلم عن الاتحاد
السوفيتي نتفق جميعًا أن ثمة فرقا بين
المفوضين (أعضاء الحزب في البلاد
الشيوعية السابقة) المترجم.
والمعارضون المفوضون هم أولئك الناس
داخل السلطة الذين ينشرون دعاية
الدولة، والمعارضون جماعة صغيرة على
الهامش تحاول أن تقول الحقيقة وتقول
للأعور أنت أعور، ونحن نحترم
المعارضين وندين المفوضين.
احترام
المعارضة.. للأعداء فقط
لأنهم يعملون هذا في صفوف أعدائنا؟
-بالضبط
ولكن عندما ننظر إلى أنفسنا سنجد
الأمر معكوسًا، نحن نحترم المفوضين
وندين المعارضين، وهذا هو دأب السلطة
في كل العصور على مر التاريخ، لنعد
لعصر الإغريق والتوراة، من شرب السم
في عصر الإغريق؟ (إشارة لسقراط
الفيلسوف اليوناني القديم والذي
أجبرته السلطة على شرب السم بتهمة
إفساد العامة) المترجم.
هل
كان مفوضًا أم معارضًا؟ ولو عدنا إلى
التوراة وقرأت السجلات التوراتية
هناك أولئك المسمون بالأنبياء، النبي
يعني المثقف، كانوا أولئك الناس
الذين يقدمون تحليلا سياسيًا
جغرافيًا ودروسا أخلاقية وما شابه؛
نسمي هؤلاء المثقفين اليوم، إنهم
الذين كان القدماء يكرمونهم بوصفهم
الأنبياء، ولكن كان هناك أيضًا أولئك
الذين يدينهم الناس بوصفهم الأنبياء
الكاذبين، لكن لو نظرت للسجلات
التوراتية كان الأمر معكوسًا أيضًا،
كان الكذبة هم المكرمون، وطُرد
الأنبياء إلى الصحراء وسجنوا، نعم
كان هذا هو الحال عبر التاريخ، ومن
المفهوم أن السلطة لا تحب من يخربها.
هناك نقطة أود التأكيد عليها وهي أنك
تقارن قصفنا للصرب في الوقت الذي كنا
لا نفعل شيئا في تيمور الشرقية في
إندونيسيا أو غيرها من البلاد.
-حسنًا
لم نكن نقف مكتوفي الأيدي...
حسنا كنا نفعل الفعل
الخطأ
-كنا
نفعل شيئا، كنا نقوي قدرة المجرم على
ارتكاب الفظائع.
الأمر
المثير حقًا هو دور وسائل الإعلام في
خداع الذات، لقد نسينا ما نفعله
في أحد الأماكن، وكان الأمر بسيط
جدًا علينا، فقط أن نوقف المساعدة
العسكرية، وفي مناطق أخرى كصربيا
مثلا بدأنا القصف ولم نعبأ بمصير
الأبرياء.
هذا موضوع آخر، إنه أمر خارج عما كان
يجب علينا أن نفعله في كوسوفا.. في
وسعك أن تسأل هذا السؤال، ولكن كل ما
تظهره أن كل ما نفعله ليس إنسانيًا..
انظر إلى كل شيء حدث وستعرف أن هذا
صحيح، ماذا كان علينا أن نفعل في
كوسوفا؟
حسنا،
هناك عليك النظر إلى السجلات
والسجلات مدهشة، وقد تم التغاضي عما
فيها، هناك كتابات هائلة عما حدث ولو
نظرت في هذه الكتابات والوثائق فستجد
أن هناك نوعا من الحذف المنتظم لبعض
الأشياء، أي التسجيل الواقعي لما
حدث، على حد علمي لدينا سجلات ضخمة من
وزارة الخارجية ووزارة الدفاع
البريطانية وحلف شمال الأطلنطي (الناتو)
والأمم المتحدة، وللأسف هناك كتاب
واحد تحت الطبع يتكلم عن هذه السجلات:
كتابي وبالطبع الكتاب مدان؛ لأنه
يراجع السجلات، فما تظهره السجلات
مذهل: كان البريطانيون (وهم أكثر
العناصر تشددًا في التحالف) يعتبرون
الفدائيين المصدر الرئيسي للفظائع
حتى قبل القصف بوقت قليل، وكان هذا
مذبحة راشاك في كوسوفا.
تعني
الفدائيين الألبان؟ (أو جيش تحرير
كوسوفا ) المترجم
-
نعم، قال البريطانيون إنهم أساس
المتاعب، ما كانوا يحاولون فعله هو أن
يحدثوا رد فعل صربيا عنيفا، وهو ما
حدث، وكانوا يتوقعون أن يؤدي إلى تدخل
الغرب، وهو ما حدث.. أنا لا أصدق هذا
شخصيًا، ولكن هذا رأي البريطانيين.
نحن
نعرف أنه لم يحدث تغير كبير في الموقف
حتى بداية القصف، أعني أن الناس على
الجانبين ليسوا الأخيار في الأفلام؛
فالمحتلون الصرب كانوا يقومون بأعمال
مروعة، ليس على مستوى ما نفعله في
أماكن أخرى، ولكنها مروعة إلى الحد
الكافي، لكن لم يكن ثمة تغيير في
الواقع إلى أن بدأ القصف، عندما بدأ
القصف كانوا يتوقعون أنه سيؤدي إلى
ارتكاب فظائع (صربية) المترجم، وهذا
ليس مستغربًا، نحن نبدأ في قصف الناس
وهم يردون… وهذا ما حدث.. ولو نظرت
لمحاكمة ميلوسوفيتش فستجد أن أغلب
الجرائم ارتكبت بعد القصف باستثناء
واحد.
تعني
قصف الناتو؟
-بالضبط
فبعد القصف والتهديد بالغزو وكما هو
متوقع بالضبط تصاعدت الفظائع وبدأ
الصرب في طرد الشعب الألباني تلك
جرائم بلا شك، وهذا الرجل –ميلوسوفيتش-
مجرم كبير، لكن تلك الجرائم نتيجة
لاستفزاز الناتو وقصفه، ما تقرأه
الآن هو: "حسنا كان علينا أن نقصف
لنعيد الألبان لديارهم".. حسنًا،
فضلا عن حقيقة نغفلها هي أنهم لم
يطردوا من ديارهم إلا بعد أن بدأ
القصف بالطبع، كانت هناك عمليات طرد
على نطاق صغير قبل القصف، لكن الترحيل
الجماعي حدث بعد القصف، قبل القصف رأى
الغرب الموقف كما يلي:
الفدائيون
يحاولون إثارة الصرب وارتكاب الفظائع
ـ ردود فعل من الجانبين ـ هذا هو الوصف:
يمكنك أن تقرر أن ما حدث كان صوابًا أو
خطأ، لكن ما لم تنظر للوقائع فلست في
العالم الحقيقي.
على
سبيل المثال وهي حقيقة لا بد أن ننظر
إليها، يمكننا أن نسأل: هل كان ثمة
بديل للعنف؟ هل كانت ثمة حلول
دبلوماسية بديلة؟ حسنًا يمكنك أن
تلقي نظرة على الماضي وترى الوقائع.
لقد
كتبت في هذا الوقت أنه يبدو أن هناك
خيارات دبلوماسية بديلة، الصرب لهم
موقف والناتو له موقف، ولو نظرت
لنتيجة 78 يوما من القصف فستجد أنها حل
وسط بين الموقفين، لقد تخلى الناتو عن
أقصى طلباته وكذلك فعل الصرب وتوصلوا
إلى حل وسط، هل كان من الممكن الوصول
لهذا الحل دون القصف والفظائع؟
-ولكن
تذكر فإن الإثبات يقع على عاتق أولئك
الذين يقولون عليك أن تقصف وهم
يحاولون أن يلقوا بمسئولية الإثبات
على الآخرين، وليس بوسعهم فعل هذا..
فمن يستخدم العنف عليه أن يبرره.
اقرأ
في الموضوع:
اقرأ
أيضا:
* أجرى الحوار هاري كريزلر في 22/3/2002 مع البروفيسور نعوم تشومسكي
|