بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

فنون تشكيلية

مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة


زنزانات الأحرار تطلق فنًا

2002/07/25

** اعتدال قنيطة-فلاح الصفدي

"تستطيع أن تسحق الزهرة لكنك لن تمنع عطرها".. هكذا أراد السجان الإسرائيلي بغطرسته وقضبانه؛ حيث ظن أنه بمنعه الأسير الفلسطيني من تنسم هواء الحرية يقيده، ويمنع أحلامه، ويقتل إبداعه، ويحوله عالة إلى الأبد.

ولكن هيهات فقد جاء رد الأسير بأن جعل من تلك القيود مدارج للصعود نحو الحرية وإن بقي حبيس زنزانته، وأطلق لأحلامه العنان، غير معترف بقضبان أو سجان، لتخرج هذه الأحلام إبداعا يطوف الأرجاء، وتجعل من أبسط الأشياء.. من نوى الزيتون وأزرار الملابس مسابح للذكر، بل إن هؤلاء الأحرار قد أخرجوا المسابح من أخبث الأشياء من علب السجائر.. وهكذا تتنوع التحايلات لتجعل من الفراغ فنًّا ومن اليأس قدرة على الاستمرار.

هذا ما ستردده إذا ما خضت بقدميك نحو حي الرمال الجنوبي بغزة، وتحديدا في مبنى شؤون الأسرى والمحررين، حيث المعرض الدائم لتراث الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال -والذي أنشأته وزارة الأسرى بتاريخ 17-4-1993 لحماية التراث الفني للأسرى- لترى بأم عينك كيف حول الأسرى المهملات لتحفة فنية متميزة تحفظ التاريخ والآلام، وتحكي قصة أجيال ذاقت مرارة الأسر من عدوها، ولتعلم كيف جعلوا من مخلفات طعامهم رسومات ومجسمات للمسجد الأقصى وقبة الصخرة، وحولوا حجارة زنزانتهم لمسابح تحكي مع كل تسبيحة وجع قيد يتردد.

تجولنا هناك وحاولنا أن ننقل صورة لهذه اللوحة الفنية التي فاقت كل إبداع، ليس بشكل اللوحة وحدها بل بالظاهرة ككل فكانت هذه الكلمات، وتلكم اللقطات.

تسبيح النوى

بعد اندلاع الانتفاضة الأولى بتاريخ 8-12-1987 صبّ الاحتلال جام غضبه على الشبان الفلسطينيين، وأودع الآلاف منهم داخل معتقلاته التي بنيت في داخل أراضي فلسطين المحتلة عام 67 دون أدنى متطلبات العيش الآدمي، ودون أي وسيلة لشغل الفراغ أو التثقيف.

لم يستسلم الأسير الفلسطيني، وكانت البداية باستغلال حبات الزيتون المعدودة التي يقدمها له السجان مع وجبات الطعام، وذلك بنحتها في أرضية المعتقل الخشنة المصنوعة من "الباطون" حتى تصبح أسطوانية الشكل ناعمة الملمس؛ ومن ثم يتم ثقبها عن طريق سلك من الحديد ينتزعه الأسير من الأسلاك الشائكة المحيطة بالمعتقل خلسة دون أن يراه السجان الإسرائيلي ويطلق عليه النار؛ ليصبح النوى جاهزا لينتظم في خيط من النايلون، ينتزعه الأسير كذلك من غطاء نومه، ومن ثم تزيّن بخيوط ملونة يصنعونها من البشاكير (الفوط) لتصبح المسابح جاهزة للذكر، أو يسارع الأسرى بإهدائها لذويهم، وذلك بتهريبها عبر الأسلاك والشباك أثناء الزيارة.

ولم يكتف الأسير بنوى الزيتون لإنتاج المسبحة، خاصة أنه غير متوفر دائما، بل تعداه إلى نوى "الخوخ" كمسبحة تراثية تشبه تلك التي يتمنطق بها شيوخ الزوايا الصوفية، فيستخدمها للزينة نظرا لكبر حجم النوى، بالإضافة إلى المسبحة التي يتم جدل حباتها على شكل عقد من الخيوط والحبال الرفيعة الملونة.

أخرجوا الذكر من الخَبَث

وقد يستغرب البعض أن يخرج من تلك المادة الخبيثة "السجائر" النقيض الطيب الذي يرطب الألسن بذكر الرحمن، فقد نجح الأسرى في استخدام أوراق القصدير الرقيقة الموجودة في صندوق السجائر لصنع المسابح، عبر الضغط عليها لتصبح على هيئات وأشكال دائرية، ويتم خرقها وجمع حباتها على شكل مسبحة من طراز آخر.. حتى الملابس المستخدمة تستخدم كمادة خامة للمسابح عندما يتم اقتلاع الأزرار منها وجمع كل ثلاثة أزرار أو ستة أو أقل على شكل حبة لتصبح واحدة في سلسلة حبات تشكل المسبحة بألوان زاهية.

وقد استخدم البعض الحجارة الصغيرة بعد صناعتها بأشكال رباعية وسداسية ودائرية في هيئة المسبحة، فضلا عن خلط بياض الخبز "الفينو" والسكر معا وتشكيل حبات دائرية.

إنتاج المسابح في السجون الصهيونية يأخذ أشكالا جمالية إبداعية وأخرى تجارية، وبعضها للذكرى عبر استخدام الخرز الصغير والملون لهذه الغايات لتصبح كأنها تحفة عالية الجودة تتم صناعتها بعناية فائقة يتباهى صانعوها بجودتها وأنماط صناعتها المختلفة بين سجن وآخر ومعتقلين وآخرين، معتمدين على توفر المادة الخام.

الرسم على الملابس الداخلية

مجسم استاد الكرة .. وفي الزاوية الأهلي 1/ الزمالك صفر!!

ولم يقتصر "الفن الأسير" أو إنتاج الأسرى على المسابح، فقد أطلق الأسير لخياله العنان، وبرزت مواهب عديدة في الفن التشكيلي حيث كان الرسم على القماش بأقلام الحبر الجاف. ولحظة وقوفنا أمام إحدى تلك اللوحات التي زُينت بعبارة "الجنة تحت أقدام الأمهات" وصف لنا الأسير المحرر أسامة أبو سمرة -مرافقنا- وهو أحد المشرفين على معرض التراث كيفية الحصول على هذا القماش بقوله: إذا توفر لنا بعض "المحارم" القماشية البيضاء رسمنا عليها، وأحيانا نستخدم ملابسنا الداخلية البالية "الفانيلات"، نقطعها على شكل مربع بالحجم المناسب لنرسم عليها ما يعبر عن معاناتنا داخل السجون لنهديها إلى أهلنا لعلها تكون سلوى لهم.

وتعددت الموضوعات التي تفنن الأسرى في رسمها على القماش، فهي إما اجتماعية كتلك التي تتحدث عن الأم والأولاد والزوجة وتحثهم على الصبر، أو سياسية ترمز لحب الوطن ورموزه، مثل رسم المسجد الأقصى وقبة الصخرة، أو رسومات طبيعية كالأشجار والزهور، وإن غلب على هذا النوع رسم الطيور أو الحمائم؛ دلالة على عطش الأسير لحرية الطائر المحلق بلا قيود.

ولم يكن القماش وغيره من المواد السابقة هي وحدها التي يستخدمها الأسرى في فنهم وإنتاجهم، فقد أدهشنا مجسم على شكل "قارورة" صنعت من الورق المقوى ثم غلفت من كل الجهات بقشور الفستق الحلبي فكانت بشكل رائع وجذاب.

ويوضح لنا أبو سمرة أن الفن في داخل السجون الإسرائيلية مر بمراحل متعددة تبعا للأوضاع السياسية والأمنية في الأراضي الفلسطينية التي تنعكس على عدد الأسرى وحجم التضييق والتشديد الذي يتعرضون له داخل السجون.

أصحاب الأحكام أكثر إبداعا!

ربما كان النوع السابق من الفنون "العاجلة" هو موضع اهتمام الأسرى ذوي الأحكام المخفضة، أو من كانت مدة اعتقالهم محدودة وقصيرة، لكن المعتقلين ذوي الأحكام العالية والتي عادة ما تزيد عن خمسة أعوام قد ابتكروا فنا آخر أكثر تقدما وهو صناعة المجسمات ونحت الحجارة. وتستغرق عملية الحفر لبعض الحجارة ما بين يوم إلى ثلاثة أيام لتصبح لوحة فنية توضع في غرفة الضيوف أو تعلق على الصدر والعنق أو تستخدم "قرطا" للأذن.

فمن سجن عوفر أرسل المعتقل الإداري محمود عبد الرحمن داود -39 عاما- من قلقيلية شيئا من عمله اليدوي الجديد والمتمثل بالحفر على الحجارة على مدار 15 ساعة يوميا على أقل تقدير، محاولا استغلال الوقت وإنجاز ما يمكن من لوحات فنية محفورة على الحجارة يعبر من خلالها عن همومه وأحزانه.

وتعتبر لوحة "دمار" من أروع ما قام داود بحفره، موظفا مجال دراسته العليا في علم النفس وإسقاط دراسته على الحجارة التي برزت فيها قبة الصخرة المشرفة تطل عليها "بومة" وتجاورها من إحدى الزوايا قدم صغيرة وكف يد تلاطم الواقع الصعب، فيما تستقر هياكل عظمية صغيرة للكف الأخرى، بينما تقف خيام صغيرة على بوابة أنفاق مجهولة تعبر عن وضع الاعتقال الإداري وشبح التجديد للمعتقلين.. وكل هذه المعاني استقرت على حصاة حجرية بحجم حبة التين الصغيرة.

وتتخذ الحجارة بعد النحت والتهيئة إشكالا عدة مثل القرط واللوزة (قلب الحب) وخارطة الوطن الفلسطيني والأهرامات والورود والمعين والزمردة والماسة، وطالما شاهد المعتقلون زميلهم داود منكبا على الحفر ووضع لمساته الفنية في ساعات الليل متكئا على صندوق بلاستيكي، مستغلا الإضاءة الليلية المقدمة في السجن. وقد أتقن الكثيرون هذه المهنة السريعة والدقيقة، بينما تبدو المادة المحفورة على شكلين: الأول "بارز" والآخر "غائر" بشكل منحدر، بمسحة فنية لا تقل عن مثيلتها.

قبة معجون الأسنان

مجسم القبة .. كلف الأسرى 50 علبة معجون

وإن كان الأسرى لم يتركوا للنفاية شيئا إلا استخدموه فلا هم ألقوا لها بنوى الزيتون، ولا بمعلبات السجائر، فلا نحسب أنهم سيلقون بعلب معجون الأسنان، حيث يكمل لنا أبو سمرة بعد أن توقفنا بدهشة أمام مجسم رائع لقبة الصخرة المشرفة وقال: "عادة ما تصرف إدارة السجون لكل أسير علبة واحدة من معجون الأسنان في كل شهر فيتم فتح الفارغة منها طوليا وتقطيعها بأشكال هندسية مناسبة لتشكل قبة مسجد الصخرة، أما الأرضية فعبارة عن قطعة من الكرتون دائرية الشكل نقتطعها من علب البسكويت التي يحضرها لنا الأهل أثناء الزيارة، أما نوافذ المجسم فتغلق بأوراق الحلوى الملونة".

ويذكر لنا أبو سمرة أن مجسم قبة الصخرة المتوسط الحجم يحتاج في صناعته حوالي 50 علبة فارغة من معجون الأسنان، ويتعاون الأسرى مع بعضهم بتجميعها بالتناوب، وتستغرق صناعته حوالي أسبوع تقريبا.

سفينة أعواد الثقاب

مجسم السفينة من أعواد الثقاب الممنوعة

وفي أواخر التسعينيات ابتكر الأسرى الرسم بحبات الخرز الصغير الملون لرسم لوحات فنية تحمل صورة الحرم القدسي الشريف أو صناعة الحلي لبنات الأسرى.

وأثناء تجولنا في المعرض لفت انتباهنا مجسم لسفينة مصنوعة من أعواد الثقاب، رغم أن أعواد الثقاب ممنوع إدخالها داخل السجون الإسرائيلية؛ لأنها تشكل مصدر خطر على أمن جنود الاحتلال حسب ما يدعي الجانب الإسرائيلي؛ لأن الأسرى يمكن أن يصنعوا منها مواد متفجرة، وهو ما زاد دهشتنا من هذه اللوحة، وكيف استطاع الأسرى الحصول على هذا الكم الهائل من أعواد الثقاب؟

وحول هذا يضيف أبو سمرة: "صانع هذا المجسم جند كافة أسرى سجن نفحة في جميع أعواد الثقاب المستعملة التي يلقي بها جنود الاحتلال بجانب الأسلاك أثناء عملهم، وأحيانا يتم إغراء جنود الاحتلال لبيع ما لديهم من أعواد الثقاب"، وقال: "لا يوجد عند الأسرى في سجون الاحتلال شيء اسمه مهملات؛ فكل شيء قابل للاستغلال ويمكن إعادة تشكيله وتصنيعه للاستفادة منه من جديد".

هذه لقطات مما شاهدنا بعد جولة قصيرة في معرض الأسرى الذي إن قدر لك أن تزوره يوما فستخرج مستعظما هذه الروح التي يتمتع بها الأسرى الفلسطينيون الذين لم يفلح السجان بسحق حريتهم، وإن لُفّت أجسادهم بالقيود وتعالت حولهم أسوار السجون. 

اقرأ أيضا:


** فلسطين - مكتب الجيل للصحـافة


مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع