English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

مساحات ثقافية

مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة


تابع ملف عاشوراء.. مازوكية أم نضالية ؟ >>

"التشابيه" و "الحسينيات".. الدخول لكواليس الطقوس*

2002/03/24

تبدأ ذكرى عاشوراء في الأول من المحرم من كل عام حتى العاشر منه. وقد تستمر أربعين يومًا هي فترة الحداد في التقليد العربي– الإسلامي المتبع. غير أن الأيام العشرة الأول من المحرم هي ذروة الذكرى؛ لأنها تماثل رحلة الحسين إلى كربلاء (وصوله إليها مطلع الشهر وحتى مقتلة في العاشر منه). وتشتمل الذكرى على أداء شعائر عدة ضمن ما يعرف بالمأتم أو التعزية. وهذه الشعائر هي مجالس العزاء والمواكب الشعبية، ومنها مواكب الضرب على الظهور بـ "الجنازيل" (الجنازير).

وتصل الشعائر إلى ذروتها عند تشبيه مقتل الحسين في العاشر من المحرم، ثم تختتم بعد ذلك بموكب كبير، تجدر الإشارة إلى أن الشكل الشائع لعاشوراء على النحو المعروف لنا في الوقت الحاضر (أي رواية سيرة الحسين في محافل شعبية) تعود جذوره –على الأرجح- إلى القرن العاشر للهجرة/ السادس عشر للميلاد، عندما اعتلى الصفويون سدة الحكم في إيران، واتخذوا من التشيع عقيدة رسمية لدولتهم، بتشجيع من علماء شيعة كانوا قد هاجروا إلى إيران من جبل عامل في لبنان، وكانت إيران قبل ذلك التاريخ ذات أغلبية سنية.

التشبيه من القاسم إلى الحسين

في الأيام الثلاثة الأول من عاشوراء تستهل الذكرى، في كربلاء ذاتها، بالشؤون السياسية والاجتماعية العامة وبالقراءات الشعرية، وفي اليوم الرابع يبدأ تشبيه موت أحد أبناء آل البيت، العباس أو القاسم أو علي الأكبر، بتلاوة سيميائية (محاكاة) لقصته. فمثلا، في اليوم الذي تكرس فيه الذكرى لمقتل القاسم، تتلى قصائد عن الحب والجمال والتغزل بالشباب، إشارة إلى أن المقتول من آل البيت –المحتفى بذكراه في ذلك اليوم– كان عريسًا في مقتبل العمر.

وفي يوم التاسع من المحرم، أي ليلة العاشر منه وهي ليلة مقتل عبد الله –الابن الرضيع للحسين– يوزع الحليب على الأطفال للدلالة على أن المقتول المحتفى بذكراه في تلك الليلة كان طفلاً رضيعًا.

أما يوم عاشوراء، أي عاشر المحرم، فيكرس في كربلاء وفي عموم بلدان الشيعة، لتشبيه مقتل الحسين. وهو يوم عطلة رسمية تبدأ فيه الاستعدادات للاحتفال الكبير منذ الفجر، حيث تتجمع في ليلة عاشوراء مواكب رجال يلبسون الأكفان البيضاء ويضربون رؤوسهم الحليقة بقطع خشبية حتى الفجر لتخديرها؛ تمهيدًا للاحتفال الرسمي الذي يبدأ مع خروج مواكب "اللطمية" و"الضربية" في الصباح. عندئذ، يضرب هؤلاء رؤوسهم بالمُدى وصدورهم بالأيدي وظهورهم بالجنازيل. ويرافق موكب "اللطمية" بوق تنطلق منه الصيحات وفريق من المشاركين يدعى "الشواقيف"، أي حملة القطع الخشبية. ومسؤولية الشواقيف هي مد القطع الخشبية كحاجز يحول بين الرؤوس والمدى وذلك لمنع "الضريبة" من تجاوز حدود المعقول في الضرب على رؤوسهم، حتى لا تتأذى من المدى ثم ينهي "الضريبة" مسيرتهم ما بين التاسعة والعاشرة صباحًا، ويذهبون إلى الحمام بالتناوب، وبعد ذلك تلتقي جموع المواكب في الحسينية، حيث يقام المأتم الرئيسي ثم تختتم المراسيم بتشبيه مقتل الحسين.

ويتم انتقاء الممثلين لتشبيه المقتل على أساس من تراتبية دينية– اجتماعية، كما هو الحال في تنظيم المواكب. فشبيه الحسين يتم اختياره من الأسياد (الذين يعتقد بانتسابهم لسلالة النبي). ويمثل دور أنصار الحسين أشخاص من عامة الناس عرفوا بالتدين والتقى. أما دور عسكر يزيد بن معاوية، فيقوم به أشخاص عرفوا بالانحطاط المسلكي أو التشوه الخلقي، كالخرسان والعوران. ورغم أن دورا كهذا هو إمعان في الحط من شأن هؤلاء، فإنهم يتمثلون الدور بحماس، اعتقادًا منهم بأن المشاركة من جانبهم في إكمال مشاهد مقتل الحسين تطهر حالهم وتعلي من شأنهم. ويستمر تشبيه المقتل ثلاث ساعات أو أربعا. وفي تلك الأثناء، يقوم ممثلو دور أبناء مسلم بن عقيل (ابن عم الحسين ومبعوثه إلى الكوفة) بالدوران حول حلقة الشبيه وهم يصرخون: "العطش العطش يا جداه"، إشارة إلى مقتل الحسين وهو عطشان، عندما حالت قوات ابن زياد بينه وبين ماء الفرات.

وفي البحرين

ولا تختلف تفاصيل الشعائر كثيرًا في البحرين أو لبنان أو إيران، عنها في كربلاء ذاتها، ففي البحرين مثلاً، تعقد ثلاثة مآتم يوميًا في الصباح والظهيرة والمساء، وتُتلى فيها وقائع كربلاء وسيرة شهداء آل البيت، وذلك حتى السابع من المحرم، حيث تبدأ المواكب الرسمية بالخروج إلى الشوارع. وتخرج المواكب عادة في الليل ما عدا يوم عاشوراء، حيث تخرج صباحًا وعصرًا فقط؛ والبحرين هي الدولة الخليجية الوحيدة التي تخرج فيها مواكب اللطم إلى الشوارع، فيما يمارس اللطم داخل الحسينيات في الدول الخليجية الأخرى. ويخرج كل مأتم أو حسينية موكبًا، وكما هو الحال في كربلاء، تتبع مواكب البحرين تراتبية الأحياء والمهن. ففي مدينة المحرق، مثلاً، تسمى الأحياء بمهن سكانها، وهناك مأتم خاص بالبناءين وآخر بالصاغة وثالث بالحداد... إلخ، كما توجد مآتم للجماعات الإثنية المختلفة؛ فمثلا، للشيعة من أصل إيراني مأتم يخرج موكبه الخاص به.

في اليوم السادس من المحرم، تبدأ في حسينيات البحرين التلاوات التي يترافق معها تشبيه مقتل أحد أبناء آل البيت، بعد أن تكون التلاوة قد سردت فضائله. والشائع أن يتم تشبيه مقتل خمسة من آل البيت، خلال الأيام الأربعة أو الخمسة الأخيرة من الذكرى؛ وهؤلاء هم: العباس، القاسم، علي الأكبر، عبد الله الرضيع، والحسين. ووقائع سير الشهداء الخمسة مستقاة –أو مستوحاة- من مبالغات وردت في رواية أبي مخنف في تاريخ الطبري، ومن إضافات أسطورية لاحقة، وردت في كتابات الشيعة الشعبية.

لبنان.. تسييس الطقوس

وللمآتم في لبنان تراتبية اجتماعية لها صبغة سياسية واضحة. فرغم وجود حسينية في كل قرية شيعية تمارس فيها الشعائر بصيغتيها الدينية والفلكلورية، فإن مآتم من نوع خاص تقام في منازل الشخصيات المتنفذة من الطائفة. فمثلاً، كان كامل الأسعد "رئيس مجلس النواب الأسبق" يحرص على إقامة مأتم في منزله، رغم أنه لم يعرف عنه التدين. ويحرص نبيه بري، رئيس حركة أمل والرئيس الحالي لمجلس النواب، على عقد مأتم في منزله كذلك. ويعتبر عقد المآتم في منازل وجهاء الطائفة، مقياسًا لنفوذهم في الأوساط المحسوبة عليهم في مناطقهم الانتخابية؛ خاصة إذا ما كان الوجيه زعيم تنظيم سياسي، أو يجمع في شخصه بين الوجاهة الاجتماعية التقليدية، والنفوذ السياسي أو الاقتصادي في الحاضر.

أما المثقفون الشيعة، فيشغلون الحسينيات كنواد تعقد فيها المحاضرات الثقافية، فضلاً عن الاجتماعات العامة في المناسبات السياسية الهامة. وقد برز هذا الدور الثقافي – السياسي للحسينيات إبان الحرب الأهلية في السبعينيات والثمانينيات، وتجدر الإشارة إلى أن خريطة التوزع السياسي لشيعة لبنان ظهرت خلال العقدين الأخيرين، في ثلاثة مآتم كبرى هي: المأتم الحاشد الذي يعقده حزب الله في مناطق البقاع والنبطية والضاحية الجنوبية من بيروت، ويشارك فيه عشرات الآلاف، وهو أكبر المآتم عددًا وأكثرها تشددًا في ممارسة الشعائر؛ ويليه من حيث الحجم المأتم الذي تقيمه حركة أمل في حسينيات الضاحية الجنوبية من بيروت.

شمس الدين.. عقلنة الطقوس

أما المأتم الثالث، فتعقده المؤسسة العاملية، التي يشرف عليها المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الذي كان يرأسه قبل وفاته الشيخ "محمد مهدي شمس الدين"، وهذا الاحتفال كان أقرب إلى مناسبة وطنية عامة منه إلى مأتم؛ إذ يأخذ هذا الاحتفال طابع تجمع لبناني عام يحضره مندوبون رسميون عن الدولة والطوائف الإسلامية والمسيحية وأعضاء من البعثات الديبلوماسية، وكان يعقد في العاشر من المحرم فقط، ويقتصر على الخطبة الرسمية التي يلقيها الشيخ شمس الدين، وخطب الوفود من رجال الدولة وزعماء الطوائف الإسلامية والمسيحية، وتتضمن الخطب في العادة شؤون الساعة من قضايا سياسية واجتماعية، وبعضها يعرج على ما يجب تعلمه من ثورة الإمام الحسين ضد الظلم.

وهكذا في كل عام، تتكرر شعائر الذكرى مرئية ومسموعة ومشبهة، وللشبيه فيها – كما للشعائر– مضامين وإيماءات معروفة سلفًا لجمهور المشاهدين/ المشاركين. والشبيه هو عرض مسرحي يشير إلى المضامين الدينية والسياسية للشهادة، أكثر بكثير مما يهدف إلى تمثيل دور الشهيد. ورغم الاعتقاد السائد بأن تمثيل المقتل يقتصر على الحسين دون باقي الشهداء، فإن الشبيه يحصل في حالات أبرز شهداء آل البيت، والأكثر تميزًا بين أصحاب الحسين.

"جيفارا" في معسكر الحسين

وفيما تتسم الشعائر بالثبات النسبي من حيث الشكل، فإن مضامين قراءاتها تتغير من عام لعام، تبعًا للظروف السياسية المحلية في البلد المعني، أو تلك الظروف الدولية التي تمس عموم العالم الإسلامي ومنطقة الشرق الأوسط. وقد تتطرق الخطابات لأوضاع بلاد في العام الثالث يتماثل حالها مع حال العرب والمسلمين. وغالبًا ما يتم ربط مضمون ما يجري في الحاضـر –محليًا أو عالميًا– بالمعاني التي حملتها كربلاء الحسين؛ فلكل عصر ولكل بلد حسينه ويزيده.

في العام 1967، العام الذي اندلعت فيه حرب حزيران بين العرب وإسرائيل (وهي الحرب التي احتلت فيها إسرائيل باقي أراضي فلسطين –الضفة الغربية وقطاع غزة– فضلاً عن الجولان من سوريا وسيناء من مصر)، في ذلك العام، تمحورت قراءات عاشوراء في كربلاء ذاتها حول الحرب، وقورنت عذابات الفلسطينيين في تلاوة السيرة الحسينية بعذابات آل البيت، فكان شعب فلسطين نظير الإمام الشهيد، فيما كان الاحتلال الإسرائيلي نظير يزيد بن معاوية وجنده الملعونين. وفي العام 1968 (العام الذي اغتيل فيه إرنستوتشي جيفارا) كان جيفارا في قراءات السيرة الحسينية، في كربلاء أيضًا، صنو الإمام الشهيد، ورمزًا من رموز التضحية والفداء للإنسانية جمعاء. وأما الاستخبارات الأمريكية الـ cia (التي ذكر بأنها كانت وراء اغتياله)، فماثلت في القراءات جند يزيد بن معاوية.

كذلك شهد العالم كله على شاشات التلفزيون، كيف أن ذكرى عاشوراء في إيران في العام 1978، حفزت على الثورة ضد نظام الشاه، وبينت كيف أن الأمة الإيرانية بمختلف فئاتها الدينية والعرقية كانت تعيش أزمة وطنية عامة استحال معها استمرار النظام السياسي في ذلك البلد على حاله، واستحال معها استمرار الإيرانيين على المنوال نفسه. وقد لاحظت الكاتبة هغلاند hegland في حينه، التغير الذي طرأ على مضمون عاشوراء في قرية علي آباد الإيرانية. ففي عاشوراء ذلك العام، تحول الحسين من شفيع intercessor ترجى شفاعته عند وقوع مرض أو حلول مصيبة، إلى نموذج أعلى للثائر الشهيد، الذي فضل الشهادة على العيش الذليل. كما لوحظ أن مواكب عاشوراء لذلك العام لم تقتصر على الشيعة، بل شارك فيها الإيرانيون من مختلف الطبقات والإثنيات والطوائف، مستلهمين حس الثورة من المناسبة. أي أن منطق الثورة revolution في ذلك العام، غلب منطق الكمون concealment of faith، فحلت الثورة بذلك، محل التقية، التي لجأ لها الشيعة طويلاً في عهد الشاه محمد رضا بهلوي.

الحرب الأهلية.. استدعاء الذكرى

وفي لبنان، شهدت احتفالات عاشوراء تكثيفًا ملحوظًا واتخذت مضامين جديدة إبان العقود الثلاثة الأخيرة التي شهدت الحرب الأهلية والاجتياحات الإسرائيلية المتكررة؛ فما نتج عن الحرب من تهجير جماعي وسقوط مئات الآلاف ما بين قتلى ومفقودين، اتخذ طابعًا دراميًّا صارخًا، تماثل في دراميته مع عاشوراء من حيث تعدد وجوه المأساة. وقد عبر الشيعة عن تفاعلهم مع هذه الأحداث باستلهام المعاني الكفاحية من كربلاء الحسين. ففي معالجة الشؤون الداخلية اللبنانية، مثلاً، تركزت خطابات عاشوراء على حقوق المحرومين (أي أبناء الطائفة الشيعية التي كانت تحس بالغبن ضمن تركيبة التوازنات الطائفية في لبنان).

وفي مواجهة تبعات الحرب الأهلية الطاحنة، دعت الخطابة في ذكرى عاشوراء إلى الوحدة الوطنية وسيادة القانون على جميع المواطنين بالتساوي. وفيما يتعلق بالاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على قرى الجنوب ذي الكثافة الشيعية، ركزت الخطب على وحدة الشعب اللبناني في مواجهة الاحتلال؛ أي أن الذكرى في سياق المواجهة مع إسرائيل، كانت مناسبة لمخاطبة اللبنانيين بمختلف أطيافهم السياسية لا الشيعة وحدهم.

وإثر اجتياح إسرائيل لجنوب لبنان في العام 1978، خرجت مسيرات عاشوراء متراصة الصفوف يدًا بيد وكتفًا إلى كتف، في إشارة إلى التماسك الوطني في مواجهة الاحتلال؛ فيما لوحظ أن الصفوف لم ترص بهذا الشكل عندما كان الوجود الفلسطيني المسلح في جنوب لبنان موضع انتقاد بعض اللبنانيين. ولا غرابة في ذلك، فعلى مستوى الضمير الديني، كان هناك تماثل من حيث الواقع والمصير بين شيعة جبل عامل والفلسطينيين، وهو تماثل وضع الطرفين في معسكر الإمام الشهيد ضد معسكر يزيد بن معاوية، الماثل بدولة إسرائيل.

اقرأ أيضًا:


* هذه الموضوع تم إعداده من كتاب "الإمام الشهيد في التاريخ والأيدلوجيا.. شهيد الشيعة مقابل بطل السنة" للدكتورة سلوى العمد.


مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع