 |
|
شيعة
دمشق يحيون الذكرى في قرية السيدة
زينب |
حينما
يبدأ شهر المحرم يعم الحزن كافة دور
المسلمين؛ فالشيعة منذ اليوم الأول
يجتمعون في إحدى الدور الفسيحة ويقوم
واحد منهم برواية الفجيعة على الجميع،
فيبدأ البكاء والنحيب والعويل، وضرب كف
بكف، واللطم على الصدور والرؤوس قائلين:
"آه، ليتنا كنا معهم"، وتتجلى
سحابة ألم وحزن عميق، ثم يقرأ ما تيسر من
القرآن الكريم، ويعود كل واحد إلى بيته
مبللا بالدموع.
وهكذا
كل يوم حتى العاشر من محرم؛ حيث ينظم
موكب حافل من شيعة دمشق بكافة أحيائها،
ويسير الموكب متجها إلى قرية "السيدة
زينب" التي تبعد حوالي 25 كم عن
العاصمة، ويتقدم الموكب الرجال
الأقوياء وبأيديهم العصي والحراب
القصيرة، وفي الوسط تابوت مجلل بالبياض
إشارة إلى تابوت الشهداء، وخلفهم
الشيوخ فالنساء، وأصوات الصراخ والبكاء
تملأ الموكب، ويضرب الناس على رؤوسهم
وأجسامهم حتى يصلوا قبر السيدة زينب،
وهناك تقام بعض مراسم الأدعية والصلوات
والذكرى، وبعضهم يبقى ثلاثة أيام
بلياليها، ومنهم من يعود إلى داره.
أما
السُنة فإنهم يشتركون بالتفجع والآلام
والبكاء على ما حدث لآل الرسول (صلى الله
عليه وسلم)، ولكن بدون صياح أو ضرب، مما
لا يرضاه الدين، علاوة على ذلك، يصوم
المسلمون في العاشر من محرم "عاشوراء"،
ثم يفطرون على طعام الحبوب، ظنا أن ذلك
يُعد عملا بسنة سيدنا نوح عليه السلام
عند نزوله من السفينة إثر الطوفان
ويوزعون من هذا الطعام على الفقراء
والجيران.
كان
هذا جانباً مما أورده "محمد حلمي
العلاف" في كتابه " تاريخ دمشق مطلع
القرن العشرين"؛ حيث تقام طقوس "عاشوراء"
في كل المدن الإسلامية تقريبا ومنها
دمشق.
وكما
أن لكل المواسم احتفالاتها الخاصة، فإن
للحزن احتفاليته أيضا، وذلك رغم الفارق
اللغوي الكبير بين كلمتي احتفال وحزن،
يتجلى ذلك بأفضل صورة في اليوم الأول
للسنة الهجرية الشريفة حيث يبدأ شهر
محرم الذي تقام في أيامه العشرة الأولى
طقوس إحياء ذكرى مقتل الإمام الحسين
الذي تعتبره المذاهب الإسلامية على
اختلافها الشهيد الأول في تاريخ
الإسلام.
"حزب
الله" حفيد الحسين
 |
|
مواكب
التفجع التي تلاقي معارضة السنة و
بعض مرجعيات الشيعة |
في
هذه الأيام، تبدو فضاءات أحياء منطقة
السيدة زينب في دمشق -التي يعتبر أغلب
ساكنيها من الإيرانيين والعراقيين-
مجللة بسواد لافتات قماشية كتب عليها
دعوات للمشاركة بمجالس العزاء وإحياء
ذكرى الحسين رضي الله عنه.
في
هذه المنطقة يعمل السيد طبطبائي الوكيل
الشرعي للسيد الخامنئي -"مرشد الثورة
الإيرانية"- في دمشق، ويتحدث عن ذكرى
عاشوراء وأهميتها الدينية والروحية
قائلا: إن إحياء ذكرى مقتل الإمام
الحسين عليه السلام هو تمجيد لشجاعته
وتضحيته في سبيل نصرة الإسلام والحق ضد
الباطل والظلم حتى لو كان الثمن هو
الحياة نفسها.
كما
أن إحياء ذكرى الإمام الحسين عبر طقوس
عاشوراء وفي مجالس العزاء والحسينيات
هي تأكيد على المكانة المقدسة للإمام في
ضمير وتاريخ المسلمين.
ويرى
السيد طبطبائي أن هذا ما يجعل من الشيعة
على مدى تاريخهم ثوارا على الظلم والذل
ورفض قبول المهانة، كما فعل أحفاد
الحسين "جماعة حزب الله" في جنوب
لبنان الذين لم يرتضوا بتسلط اليهود
عليهم، وهذا أمر من عند الله يخضعون له.
ويضيف
السيد الطبطبائي أن مجالس العزاء تقام
في كل المدن والقرى في إيران والعراق من
أول محرم إلى آخر صفر، ولهذين الشهرين
طقوس خاصة وتقدير واحترام كبيران.. حيث
لا يحبذ فيهما الزواج أو إقامة الأفراح
احتراما لمقتل الحسين والفاجعة التي
حلت بأهل بيته.
الضرب
بالقامات.. فعل الجهال
وحول
ما يقوم به البعض من ضربٍ بالقامات
والسيوف والخناجر وإسالة الدماء، يؤكد
السيد الطبطبائي أن هذه الأفعال مرفوضة
شرعا، ويقوم بها بعض الجهلة الذين لا
نتمكن من منعهم؛ فبعض الشبان يفعلون ذلك
تعذيبا للنفس وتعبيرا عن الحزن والتفجع
على الحسين، ولكننا بدأنا باستمالة
هؤلاء الشباب لحضور طقوس عاشوراء في
مجالس حسينية تتم فيها إقامة الصلوات
ورفع الأدعية والتعمق في الدين وتلاوة
القرآن الكريم، وهذه المجالس ليست
للعزاء وحسب، بل لأخذ العبرة والتمثل
بنهج وتضحية الإمام الحسين عليه السلام.
أما
المفكر الإسلامي السوري الدكتور"نبيل
الحلباوي" فيرى أن حزن عاشوراء هو حزن
إيجابي يدفع للسير على خطا الإمام
الحسين والتضحية العظيمة التي بذلها في
سبيل نصرة الإسلام والمسلمين.
ويقول
الدكتور الحلباوي عن عاشوراء كمفهوم
وحدث تاريخي لم يخف وهجه بمرور الزمن:
عاشوراء
هي الأيام العشرة الأخيرة من حركة
الحسين حفيد الرسول (صلى الله عليه وسلم)
وابن علي والزهراء (عليهما السلام)، هذا
الإمام العظيم هو أحد الأئمة الاثني عشر
الذي قام بثورته دفاعا عن الإسلام
ونيابة عن الأمة التي ابتليت بمحاولة
العودة إلى الجاهلية. والإمام الحسين
رغم الظروف التي لم تكن مواتية والتفاوت
الذي بين إمكاناته وبين ما لدى الحكم في
ذلك الوقت، لم يتقاعس بل استنفر أصحابه
وآل بيته ليقوم بأكبر عملية استشهادية
في تاريخ الإسلام.
عاشوراء
هي ثورة لمصلحة الإسلام ولنصرة القيم
الإنسانية العالية كالخير والعدالة
والحرية والكرامة الإنسانية، وهي لا
تزال وقودا ينفح كل الثوريين والأحرار
على مدى التاريخ ومن مختلف الأديان،
ويتم إحياؤها في كل عام خلال الأيام
العشرة من محرم التي تكون بمثابة منبر
لبث القيم الإنسانية والأفكار
الإسلامية المعمقة، وتحليل أبعاد تلك
الثورة وأهميتها في الإسلام؛ لذلك تعقد
المجالس في أصغر القرى وأكبر المدن، حيث
يتلى القرآن، وتلقى المحاضرات
والدراسات، وتقرأ أبيات شعرية بنغم
مؤثر وشجي، وبعدها يتم استعراض الحادثة
الكربلائية بأداء يلامس شغاف القلوب
للتعاطف مع الحسين وثورته وبالتالي مع
الإسلام.
والقصائد
التي تروى في المجالس الحسينية هي قصائد
لشعراء معروفين عبر التاريخ، منقولة
شفاهية أو مكتوبة؛ فهناك مئات الآلاف من
هذه الأبيات التي يختار كل قارئ في مجلس
العزاء شيئا منها لتلاوته.
واليوم
تسعى "دائرة المعارف الحسينية"
لتسجيل كل ما جمع من هذه الأناشيد
والقصائد والأبيات على مدى ألف
وأربعمائة عام.
ويرى
الدكتور الحلباوي أن السبب في كون هذه
الذكرى وإحيائها حاضرة بهذه القوة رغم
ظروف عصرنا الصعبة، أن هذه الثورة هي
أسوة لكل المسلمين الرافضين للذل ولا
يملكون من السلاح سوى أرواحهم
وإيمانهم، لم يكن لدى الإمام الحسين
سلاح ولا رجال، لم يكن يملك سوى سلاح
الدم فجعل من موته سلاحا في وجه أعدائه
وانتصارا عليهم، وهذا ما يعيشه أبناء
الانتفاضة المباركة اليوم؛ إذ يحاصرون
عدوهم البغيض بفيضان الدم الذي سيغرقهم
في النهاية ولن يتمكنوا من الهروب منه.
وبرأيي
فإن هذه الذكرى تصلح أكثر ما تصلح لهذا
اليوم حيث الطغيان والظلم والحقوق
المغتصبة التي لم يبق من سبيل
لاستعادتها سوى الاقتداء بالإمام
الحسين وبتضحيته الجليلة.
كربلاء..
مسرحة الذكرى
ما
سبق قد ينقلنا إلى ما يقال عن بعض
الأعمال الفنية -المسرحيات العراقية
على الخصوص- أن فيها "نفسا كربلائيا"،
ويأتي هذا التوصيف من كون العمل الفني
يحمل جرعة عالية من الألم والحزن أو
الفجائعية في قصته أو أسلوب عرضه.. هكذا
تبدو قصة كربلاء، عاشوراء، مقتل الإمام
الحسين مصدرا استلهم منه عدد كبير من
الأدباء والشعراء والمسرحيون قصصهم
وأشعارهم وأعمالهم الأدبية المختلفة.
يقول
الكاتب العراقي جواد الخالصي في بعدها
الفني: استلهمت قصة عاشوراء على الصعيد
الشعبي بشكل موسع، خاصة في المناطق التي
عاشت هذه الحادثة مثل الكوفة وكربلاء
والنجف أو المناطق القريبة منها؛ حيث
كان يقام ما يشبه العمل المسرحي الذي
يصور حادثة عاشوراء، ويتناسب هذا العمل
مع إمكانيات الناس هناك.
ولعاشوراء
بعد عاطفي مركز في ضمير الأمة عموما،
وبعد عقائدي مهم أيضا؛ لأن ثورة الحسين
جمعت بين دوافعها العقائدية وتفاصيلها
الحزينة الموغلة في التراجيديا.
القصة
كانت تستلهم على المنابر وفي المجالس
الحسينية حتى إن الثقافة الكبرى حول
الحادثة تشكلت عند الناس بفضل هذه
المنابر التي تركزت على تفاصيل الحادثة
وبعدها العاطفي.
مسيرة
الحسين هي امتداد لسيرة آل البيت، وهي
تصوير متكامل للإسلام بصورته الحقة،
هناك كتاب معروف وقديم وإن كان مؤلفه
مجهولا، ومصدره من العراق أو إيران وهو
"روضة الشهداء" ومكتوب باللغة
العربية، ويعرف رواته بأنهم "قراء
الروضة" المختصون بسيرة الحسين في
بدايات تدوين التاريخ الإسلامي، وكل من
كتب في الأعمال الأدبية أشار إلى قصة
الحسين، حتى في كتب التاريخ والجغرافيا
والرحلات نجد ذكرا لحادثة عاشوراء، كما
في كتب الطبري، وتاريخ دمشق لابن عساكر
وغيرها.
وهناك
بعض المؤرخين الذين أشاروا بشكل خاص
لقصة عاشوراء في كتب خاصة، مثل ما قدمه
الشيخ المفيد المعروف بابن المعلم في
كتابه "الإرشاد".
ملحمة
الحسين.. كتابا وسينما
وهناك
من المتأخرين ممن كتبوا في قصة الحسين،
مثل ما كتبته بنت الشاطئ بعنوان "بطلة
كربلاء"، في إشارة إلى زينب أخت
الحسين وابنة فاطمة الزهراء التي حضرت
المعركة وعاشت انعكاساتها المأساوية من
العراق إلى الشام ثم إلى المدينة
المنورة.
ومن
الكتب الجليلة في هذا المجال أيضا ما
كتبه "عبد الحميد جودة السحار"
الذي شارك في وضع سيناريو فيلم "الرسالة"
الذي أخرجه "مصطفى العقاد"، وله
كتاب قيم "أهل بيت النبي" أفرد فيه
فصلا خاصا عن حياة الحسين وأورد فيه ما
جرى في كربلاء.
ولعبد
الرحمن الشرقاوي ملحمة مسرحية -كما هو
معروف- من جزأين هي "الحسين ثائرا"
و"الحسين شهيدا" يقرأ فيه الممثلون
مقاطع شعرية مطولة تروي حادثة قتل
الإمام وكل ما تبعها من حزن وندم.
في
السينما، أنتج في إيران فيلم "السفير"
الذي يحكي قصة الرجل الذي أرسله الحسين
سفيرا إلى الكوفة قبل وصوله، وكيف قتل
هذا الرجل -ابن مسلم- على يد حاكم الكوفة
أمام حشد من الناس لأنه دعا للحسين.
واليوم
يُحضر لعمل درامي كبير يسعى البعض
لتنفيذه اسمه "الحسين"، وتتم
المفاوضات مع المخرج مصطفى العقاد
للقيام بإخراجه.
أما
عن تفاعل الناس مع هذه الأعمال الفنية
فيقول الخالصي: إن أصل الحادثة
وتأثيراتها النفسية تركت في الناس
الكثير من الآثار القوية سمحت للأعمال
الفنية التي جرت حولها أن تأخذ بُعدها
في نفوس الناس أيضا، ولكن أي عمل جديد لا
بد في البداية أن يلقى نوعا من التوجس
والخشية عند بعض الناس كما حدث عندما
عرض تاريخ الإسلام فقد حدثت بعض
الإشكاليات حول ظهور بعض الشخصيات بشكل
مباشر على الشاشة، ولكن المخرجين
الفنيين الذين أشرفوا على الأمر
وبالتنسيق مع بعض المؤسسات والمرجعيات
الدينية استطاعوا تجاوز الأمر، كما حصل
في الأزهر عندما تصدى لبعض الإشكاليات
أو كما حصل في إيران، الأمر الذي ساعد
على وصول هذه الأعمال إلى نفوس الجماهير.
ومثال
على ذلك ما جرى في فيلم "الرسالة"
حيث كان هناك إشكاليات في البداية حول
ظهور بعض الشخصيات واستطاعوا أن
يتجاوزوها بشكل فني. أو كما حصل في مسلسل
الإمام علي بن أبى طالب الذي عمل في
إيران وكان من الأعمال الناجحة جدا حتى
إن الشارع الإيراني كان يخلو من المارة
ساعة عرض المسلسل.
اقرأ
أيضًا:
|