|
إيقاع
احتفالات متنوعة تلك التي يعيشها
العالم الإسلامي والعربي هذه الأيام
بمناسبة يوم
عاشوراء، هذه الاحتفالات
التي تتنوع من بلد لآخر حسب العادات
والتقاليد، وهذا اليوم الذي يحمل في
طياته عِبرا ومعانيَ سامية، ربما أصبح
بالنسبة للكثيرين يوما بلا معنى، وعند
آخرين يوما للبيع والشراء، أو عادة بلا
عبادة…
حرب
أهلية لإحياء الذكرى
 |
|
أطفال
المغرب وعاشوراء القنبول اليدوي |
إن
المتجول في هذه الأيام في الشوارع
المغربية لا يشك أن البلد يعرف حربا
أهلية شعواء؛ فمن حي إلى حي ومن زقاق إلى
آخر آذناك لا تسمع إلا دوي انفجارات
متتالية ومتنوعة؛ فهاهنا تجمّع لأطفال
الحي حول بائع المتفجرات النارية
يترصدون فرائسهم من المارة، ويكون سعيد
الحظ فيهم من يستطيع إفزاع وإرباك
المارين، دون استثناء للسن أو الجنس،
ولا يهم العواقب فهذا الطفل عصام (16 عاما)
يقول: نحس بسعادة مفرطة ونحن نرى امرأة
أو رجلا يهرول خائفا من شدة الانفجار،
وعما قد يسببونه بذلك العمل من عواقب
وخيمة يقول: إن الناس يتفهمون أنها أيام
احتفالية بالعاشوراء، والكثير لا يبدي
أي رد فعل عنيف.
والغريب
في الأمر أن هذه الظاهرة في تزايد مفرط
من حيث الكم والكيف؛ فبعدما كان الأطفال
وحدهم من يتراشقون بهذه الألعاب
النارية، تجاوزتهم في السنتين
الأخيرتين لتشمل حتى الشباب (20-27)، والذي
شجع على ذلك في اعتقادي هو هذا التزايد
المفرط في إنتاج أنواع نارية قوية، وهذا
ما أكده لنا الشاب عمر (23 عاما) وهو أحد
الباعة لهذه المواد: بعدما كان التمتع
بهذه الألعاب عن طريق "الميش" وهو
عبارة عن "مين" سهل الاشتعال
والانفجار، تزخر السوق المغربية اليوم
بأنواع جديدة ومغرية للكبار من قبيل نوع
يسمى "زيدان"، وهو يشتعل بطريقة
متسلسلة مصحوبة بأصوات مفزعة، وكذلك
"الصوارخ" التي تطلق دويا كدوي
الصواريخ الحقيقية عند انطلاقه في
السماء، ناهيك عن "القنبول اليدوي"
الذي يتم إنتاجه بطريقة بسيطة من خلال
جمع مادة الكربون في قنينة، وإشعاله
بواسطة وقيد ورميه، وهذا نوع خطير
ومصحوب بصوت قوي جدا.
وهذا
ما شاهدته بأم عيني في إحدى ليالي هذا
الشهر المحرم؛ حيث يجتمع شباب كل حي
ويصنعون هذا "القنبول اليدوي" إلى
جانب "الحرقية" والصواريخ...
ويتراشقون فيما بينهم إلى منتصف الليل،
وكأنك تشاهد مشهدا من مشاهد مقاومة
الفلسطينيين الاحتلال الصهيوني، يقول
خالد (24 عاما): قد يكون هذا العمل مزعجا
للسكان بالحي، لكن نعتبرها فرصة لا تعوض
لمزاولة هواية ممنوعة..
"حق
عايشور".. تسول الصغار
 |
|
العايشور
.. أطفال تلهو بالتسول |
كما
يلجأ في غضون هذه الأيام بعض الأطفال -لا
يتجاوز عمرهم عمر الزهور- إلى التسول
باسم "حق عايشور" لا يملون من الطلب
والارتزاق، هذا يصدهم، وذاك يعطيهم.. بل
إني تعرفت على أحدهم يطلب "حق عاشور"،
وهو من أسرة لا بأس بها، لما استفسرته
أخبرني أنه يفعل كما يفعل أصدقاؤه وما
يجمعه يشتري به ألعابا نارية..
لو
انتقلنا إلى شق الرجال والنساء، فإننا
نلاحظ ازدحاما بحلول عاشوراء على باعة
الفواكه اليابسة (كاوكاو- اللوز-
الكركاع- الحمص- التمر-…) على طول أرصفة
الشوارع المكتظة؛ حيث يتوافد الأزواج
لشراء ما طاب من هذه الفواكه للزوجات
والأولاد، ناهيك عن مصاحبة الأباء
أبناءهن وبناتهن لشراء الألعاب
المتنوعة
(دمى - أسلحة نارية - سيارات – دراجات-
آلات موسيقية...). يقول الأب العربي (48
عاما): إن هذه الألعاب لم تكن في
متناولنا لما كنا صغارا، كنا نلعب
بالطين ونصنع منه دمى وسيارات وغيره،
واليوم أصبحت سنة مؤكدة بحق الأطفال، لو
امتنعنا عن شراء ما يريدون في هذه
المناسبة فسنسبب لهم مشاكل نفسية
بالخصوص.. وعن نوعية الألعاب يقول: لا
نستطيع إجبارهم على شراء لعبة معينة.. كل
ما يرغبون به نلبيه لهم.
"تعشير
الرأس" احتفالية النساء
وفي
ليلة التاسوعاء يجتمع أبناء الحي
ونساؤه على شكل دائري حول نار يشعلونها
في العجلات المطاطية أو الأخشاب؛
النساء والفتيات يطبلن بالدفوف ويغنين
بأهازيج قديمة، والأطفال يرقصون
ويطوفون حول النار المستعرة، ويسمونها
"ليلة شعالة".. ومن النساء من
يغتنمنها فرصة لتزويج بناتهن عبر
استخدام أحجبة الساحرات والمشعوذين في
هذه الليلة..
كما
تقوم الفتيات خاصة والنساء عامة بتقطيع
أطراف شعورهن، تقول الفتاة نزهة (17 عاما):
إنهن يقمن بإدخال أطراف شعورهن في خاتم
من فضة ويقطعن ما يخرج منها، اعتقادا
منهن أن ذلك يحفظ الشعر من التساقط
ويجعله ينمو بكثرة…
وبمطلع
شمس عاشوراء تستيقظ بعض النساء باكرا
ويغسلن رأسهن بعشر حفنات من الماء؛ وهو
ما يسمى بـ"تعشير الرأس" -كما حكت
لنا ذلك السيدة خديجة (42 عاما)-، ثم بعد
ذلك تفتتح معارك مائية على المارة بدون
استثناء؛ حيث يقوم الأطفال والفتيات
والشبان بملء "السطول" بالماء ورش
المارة به ولو بالعنف، وهو ما يسمى بـ"زمزم"،
ومنهم من يعتلي السطوح ويرش، وتصبح
الشوارع مسرحا لرش الماء بطريقة لا تعطي
للمستهدف حق الدفاع عن نفسه أو حماية ما
يملك من أوراق
إدارية أو كتب مدرسية أو حتى ملابسه من
البلل.. وفي بعض الأحياء تطورت "زمزم"
من رش بالماء إلى تراشق بالبيض، والقوي
من يرشق بأكبر عدد ويصيب أناسا كثيرين..
ومن يعلم..؟ ربما يصبح السنة المقبلة
تراشقا بالحجارة!.
الإرث
المشوه
 |
|
الحلوى
المجففة والألعاب تملأ الأسواق |
في
رأيي أن الناس قد تنكروا لحقيقة هذا
اليوم إما جهلا أو تجاهلا؛ فأصبح يوم
تسبقه أيام الابتهاج المفرط الذي في
الغالب ينقلب إلى ضده، وكثيرا ما عاينا
حالات إسقاط حمل نساء بسبب فزعهن الشديد
جراء إلقاء المتفجرات قربهن.. أضف إلى
ذلك الحوادث والتشوهات التي تصيب
المزاولين لهذه الألعاب النارية أنفسهم
بقصد وبغير قصد، ينقلب السحر على الساحر.
ناهيك
عن إفراغ هذا اليوم من حقيقة استنانه؛
فقلما تجد من يخصصه بصوم وتعبد لله
تعالى؛ فعاشوراء اليوم توارثته الأجيال
بصورة مشوهة، كان للاستعمار يد فيه كما
الحال بالنسبة لإخواننا الشيعة
المتقدمين الذين جعلوا منه يوما لضرب
السيوف على الرؤوس وشج الرأس حدادا على
الحسين -رضي الله عنه- في يوم العاشر من
محرم إبان الاحتلال الإنجليزي، وقس على
ذلك دولا أخرى -منها المغرب- كان فيها
العدو يتربص بنا الدوائر، ولا يترك فرصة
تمر دون أن يجعل يده المدسوسة تعكر صفو
التزامنا بديننا الحنيف.
فهلا
نفضنا الغبار عما أصاب أعيادنا
ومناسبتنا العظيمة من وحل الجهل
والتجهيل؟؟؟
اقرأ
أيضًا:
|