|
لم
تعد المجالس العائلية أو لقاءات
الأصدقاء، تخلو من حوارات تدور حول ما
يبثه اللاقط الفضائي "الستالايت"،
هذا المنتج الذي أصبح ذا رواج كبير في
البلاد العربية.
ولأن
المجتمع العربي ذو خصوصية قد يخدشها
الاستعمال الخاطئ للدش، فإنه لا بد من
طرح بعض الأسئلة المهمة، التي تدور في
فلك إمكانية استخدام هذه التكنولوجيا
بشكل إيجابي يرقى بها إلى مصاف
الضروريات، أو حصر استخدامها بشكل
سلبي يهبط بها إلى مستوى الكماليات
المترفة، التي يمكن الاستغناء عنها،
بل ومحاربتها.
الأسرة
قبل كل شيء
وعلى
الرغم من أن اللاقط الفضائي من وجهة
نظر الطب النفسي متهم بتشويه البنية
الأسرية ونشر الكآبة، فإن آراء أخرى
تعارض هذه الوجهة، وتعتقد أن المواطن
بشكل عام سواء أكان مالكا لجهاز
اللاقط أو غير مالك، يعاني من ضغوط
وعوامل كثيرة تبعا للتغير الحاصل على
قدرته المعيشية وعلى مجريات الحياة
في المنطقة ككل، وهذا على حد زعمهم
كان السبب في تزايد الحالات النفسية
الكئيبة.
وفي
استعراض بعض النظريات الطبية، نجد أن
سلبيات سوء استخدام الدش لا تقتصر على
النواحي النفسية أو الاجتماعية أو
المادية، بل تتعداها إلى النواحي
الصحية؛ إذ يؤكد الأطباء أن الجلوس
الطويل والتحديق في الشاشة لهما
أثرهما السيئ على الصحة العظمية
والعصبية والعيون، خاصة إذا كان ثمة
إفراط في المشاهدة أو سوء في تنظيم
الوقت أو في وضعية الجلوس.
اللاقط
بين السلب والإيجاب
وبينما
يوشك أساتذة علم الاجتماع على قرع
ناقوس الخطر تجاه الطريقة التي
نتعامل بها مع هذا الزائر الغريب،
تحجم بعض الأسر عن اقتناء الدش خشية
آثاره السلبية على أطفالها، في حين
يعتقد أساتذة مختصون في علم النفس
التربوي أن الدش الفضائي كان له الفضل
في توسيع المدارك الخيالية للمتلقي،
وجعله على احتكاك مباشر بأحدث
المنجزات والاختراعات العلمية، وهذا
قد يحثه على المزيد من العمل، ومحاولة
الإبداع والتقدم.
لكن
أطباء علم النفس يتخذون من اللاقط
الفضائي موقفا متشددا، يخالفون فيه
رؤية أساتذة علم النفس التربوي، فيرى
الدكتور "أحمد خلف" أن هناك
تغيرا ملموسا في شكل الحالات التي
تراجع العيادة النفسية بعد انتشار
الدش، وتتراوح هذه الحالات بين القلق
النفسي والشعور بالكآبة، بينما ترصد
حالات من الأنانية المسيطرة والفردية
على الأسر التي تقتني هذا الجهاز.
ونظرا
لعدم وجود دراسات متخصصة تربط بين
وجود الدش ومستوى التحصيل الأكاديمي
صعودا أو هبوطا لدى مشاهديه من
الطلاب، وكذلك عدم وجود دراسات لعلم
الاجتماع تربط بين الدش وهبوط أو صعود
القدرة الإنتاجية لدى الفرد، فإن أي
محاولة لاستبيان أي ترابط ستكون
صعبة، وكذلك إعطاء إجابات إحصائية
دقيقة ستبقى غير متوفرة.
الأطفال
أكثر تأثراً
الدكتور
"حلمي ساري" الأستاذ المحاضر في
علم الاجتماع في الجامعة الأردنية،
يرى أن الأطفال في السنين الأولى من
عمرهم (6-12)، هم الأكثر تأثرا بما تبثه
اللواقط من منتج ثقافي؛ فطفل في
السادسة من عمره، حين يتعرض يوميا
لخمس ساعات من البث، يكون مجموع ما
تعرض له في الأسبوع 35 ساعة، أي بمعدل
140 ساعة شهريا.
ويضيف
د. ساري أنه إذا تابعنا هذه النسبة
بشكل سنوي، إلى أن يصل الطفل سن
الثامنة عشرة أو العشرين، ندرك حجم
البعد الذي حدث بينه وبين ثقافة
مجتمعه، من خلال ما يمارسه من قيم
وأنماط حياة شكلتها له هذه الثقافة،
وما تلقاه بهذا التعرض في سني نموه.
ويؤكد
المشاهد "مهند النعيمات" على هذه
الملاحظة فيقول: إنه عاد من اغتراب
دام سنوات، فوجد في مجتمعه العربي
تغيرا واختلافاً كبيراً، بحيث أصبح
أكثر تشبهاً بالحياة الأمريكية.
ويضيف أنه رصد بعد عودته عددا من
المظاهر السلبية والغريبة عنه كعربي،
مشيرا إلى أن ذلك تزامن مع انتشار
اللاقط الفضائي.
نصف
الحقيقة
وتشير
السيدة "أمل الجراح" إلى أن وجود
اللاقط في منزلها ساهم في تقليل
الحوار العائلي فيه، وأن أولادها
يعيشون جدالاً شبه يومي، غالبا ما
يتحول إلى مشادات كلامية، حول
البرامج التي يرغب أحدهم ولا يرغب آخر
بمشاهدتها، وهنا يشير د. "ساري"
إلى أن حالات الخلاف العائلي الممكن
حدوثها بسبب الدش هي مشكلة أصغر
كثيرا، وأقل ظهورا من المشاكل
الأخرى، التي من أهمها البعد
التدريجي للشباب عن ثقافة مجتمعهم
الأصلية.
ولا
تشفع لامركزية المعرفة التي يتيحها
هذا الجهاز له عند علم الاجتماع؛ إذ
يعتقد الدكتور ساري أنه نوع من الغزو
الثقافي الأمريكي لثقافتنا
وإعلامنا، لكن الكاتب الصحفي "فؤاد
أبو حجلة" يخالفه، ويقول بأن
اللواقط الفضائية سلبياتها كثيرة،
لكن لا يمكن لأحد أن ينكر دورها في
تطوير الإعلام العربي، وفي خلق جو
تنافسي للحصول على المعلومة الأصح،
والأصدق، وعرضها بأسلوب أكثر وأقوى
حرفية من ذي قبل، ولا ينفي "أبو
حجلة" دور بعض الفضائيات في تشويه
الحقائق، وممارسة الإعلام المغرض.
ويضيف أن استناد عدد من المحطات
الفضائية على الحقائق، لا يبرئها من
كونها تستغل هذا الاستناد لتشويه
الرأي العام، فـ"أن تقول نصف
الحقيقة، هو كالكذب تماما".
أداة
للتجهيل السياسي
وثمة
آراء لا تتفق وهذه الرؤية، وتقول بأن
الدش مشهود له في سرعة التقاط الحدث،
ونشره خلال ساعات من وقوعه، وفي حين
يشير البعض إلى أن الدش يتيح للمشاهد
فرصة استبدال البرامج السياسية
ونشرات الأخبار ببرامج المنوعات
الغنائية أو المسابقات أو التمثيليات
الدرامية، وهو ما يجعل من اللاقط أداة
للتجهيل في المعلومة السياسية، يرى
بعض آخر أن عزوف المواطن عن تلقي
المعلومة السياسية ومشاهدة نشرات
الأخبار، ناتج عن حالة اليأس
والإحباط التي تواجه المشاهد أمام ما
يراه من هموم سياسية لا يملك أن يكون
له دور فاعل في حلها.
لا
أمكنة محددة
وتستنج
آراء تسويقية متخصصة قامت بدراسات عن
الأمكنة والمناطق التي انتشرت فيها
اللواقط، أن هذه الأجهزة منتشرة في كل
المناطق، سواء أكثرها رقيا أو شعبية؛
إذ ليس هناك فئة ذات ثقافة معينة أو
مستوى علمي أو اجتماعي أو مادي معين
تهتم دون غيرها بشراء "الستالايت"،
ولعل إطلاق الأقمار الصناعية العربية
وتعدد المحطات العربية، زامنه انتشار
أكبر لهذا الدش لدى الفئات الأقل
ثقافة، أو الشعبية، بينما التقسيط
والتسهيلات الكثيرة التي تطرحها سوق
البيع، والمنافسة القوية بين الشركات
المنتجة والبائعة، جعلت بإمكان
الكثيرين الحصول على هذا الجهاز.
وتشير
هذه الآراء إلى أن عدد اللواقط
المباعة منذ بداية عام 2001 هو 40000 لاقط
فضائي، في العاصمة الأردنية عمّان
وحدها، وربما يكون الرقم أعلى كثيرا
من ذلك، أو أقل بقليل منه؛ حيث من
المتعذر رصد جميع الأجهزة المباعة،
بسبب اختلاف مصادر الحصول عليها
وتنوعها.
الكتاب
والأجيال
وهنا
ينبه الطبيب النفسي الدكتور خلف إلى
أن مناخ مجتمعنا الاقتصادي
والاجتماعي غير متطور بما يتناسب
واستيعاب أفراده للطريقة المثلى في
التعامل مع هذا المنتج، وأن هناك هوة
حقيقية بدأت تظهر بين الجيلين القديم
والحديث، تأثرا بثقافة هذا المنتج
البعيدة جدا عن ثقافتنا الاجتماعية
وما تربى عليه الجيل القديم. ويضيف
الدكتور خلف أن المحبط في الأمر أن
الدش لا يطرح ثقافة وسطا بين الجيلين.
وبمناسبة
الحديث عن الثقافة يقول "فتحي البس"
رئيس اتحاد الناشرين الأردنيين، نائب
رئيس اتحاد الناشرين العرب، بأن موقع
الكتاب بين وسائل الإعلام
والتكنولوجيا الحديث سيظل متميزا،
يضعف أحيانا، ويشتد أحيانا، ويعتقد
أن وسائل الإعلام الحديثة يمكن
الاستفادة منها لترويج الكتاب والحث
على القراءة. ويؤكد "البس" أنه لا
يمكن لهذه الوسائل وما فيها من
تكنولوجيا حديثة أن تكون بديلا
للكتاب إلا في مجالات ضيقة، ويوضح بأن
مبيعات الكتب قد تتأثر بإقبال الناس
على وسائل الإعلام والتكنولوجيا
الحديثة، إلا أن ذلك لن يحول دون أن
يكون للكتاب جمهوره، تماما كما بقي
للسينما جمهورها بعد ظهور التلفزيون
والفيديو، ومؤخرا اللاقط الفضائي أو
الستالايت.
ويخالف
عدد كبير من المطلعين على أمور
الثقافة هذه الرؤية، ويشكون عزوفا
كبيرا من قبل الأفراد عن القراءة،
ويرون أن الطلب على الكتاب تغير من
حيث مضمون الكتاب، وموضوعه، وفكرته،
وهذا في رأيهم تزامن مع وجود اللاقط.
أما
الكاتب "عريب الرنتاوي" فيرى أن
محطات التلفزة العربية، فيها برامج
سياسية أكثر غنى وتنوعا من البرامج
السياسية المحلية؛ ولذلك يمكن أن
تتاح للمشاهد فرصة الاطلاع على آراء
ووجهات نظر ليست في متناوله بالمعتاد.
ويضيف "الرنتاوي" أن إلزام
المشاهد بمتابعة البرامج المحلية
التثقيفية السياسية، من خلال منعه من
اختيار القناة التي يريد، هو دلالة
على ضعف البرنامج السياسي المحلي،
وليس دلالة على الرغبة في البقاء في
مستنقع الجهل.
عنف
وجنس وإثارة
وعن
برامج العنف والجنس والإثارة التي
يتاح للمشاهد متابعتها دون رقابة
محلية كما في التلفزيون، يدافع أنصار
اللاقط الفضائي عنه بالسؤال: لماذا
يبحث المشاهد عن هذه البرامج وأمامه
كم هائل غيرها؟ هل الذنب ذنب الدش،\ أم
ذنب المشاهد في توجهه نحو ما يريد أن
يراه؟ خاصة أن أسلوب التشفير المتبع
في كثير من القنوات جعل لأول مرة
المشاهد يدفع لقاء ما يشاهده؛ إذ هو
المسؤول عن الكم والكيف اللذين يدفع
من أجلهما. في حين يؤكد د. ساري أن هذه
البرامج لا تختلف في تأثيرها السلبي
عن تأثير العنف المتلفز ككل.
وسواء
أجمعت الردود على سلبية اللاقط
الفضائي، أو على إيجابيته، تبقى
الرقابة الأسرية، والضبط من قبل
الوالدين أو أولياء الأمور، وتنظيم
المشاهدة وأوقاتها، ضرورة من ضرورات
تواجد هذا المنتج التكنولوجي في
بلادنا، وانتشاره على النحو الذي
نراه. كما أن تطوير القنوات الفضائية
والتلفزة المحلية والعربية، تطويرا
ينافس بث المحطات الأخرى، من حيث
المعلومة وكيفية عرضها وطرق التثقيف
الاجتماعي والترفيه، وتحسين أداء
منتجي الكتب من حيث المضمون والشكل
والتوزيع- هو الحل الأكثر إمكانية
ونجاحا لخلق التوازن والصمود أمام
هجمة التكنولوجيا ووسائل الإعلام
الحديثة.
|