|
حذَّر
أكاديمي عربي بارز من أن تعليم العلوم
الدقيقة في الوطن العربي بلغات أجنبية
غير اللغة العربية من شأنه أن يصيب
أجيال الأمة بالفصام الفكري، ويهدِّد
هويتها بالضياع، فضلاً عن تسببه في
ضحالة التحصيل العلمي، وحرمان الطالب
من الفهم الصحيح للمعاني، في ظلِّ
القصور عن تمثل اللغات الأجنبية،
وإدراك دقة تراكيبها، وذلك بخلاف
اللغة العربية، التي ينشأ الطالب
معها، ويتشربها على امتداد مراحل عمره
التعليمي.
ففي
دراسة له عن "التجربة السورية في
تدريس الطب بالعربية"، اعتبر
الدكتور "هاني مرتضى" رئيس جامعة
دمشق أن الوطن العربي يواجه اليوم
مشكلة إقصاء اللغة العربية عن مجال
تدريس العلوم الطبية في معظم أقطاره.
واعتبر
أن حل المشكلة ليس "على قدر من
الصعوبة لو توفر العزم الصحيح على
حلها، ولن يكون العرب بدعًا بين الأمم،
إن أرادوا اتخاذ اللغة العربية لغة
تعليم جامعي".
وقال:
"إن الأمم المتقدمة وغير المتقدمة
سلكت هذا السبيل بعد أن أيقنت أن
الطالب، الذي يتلقى علومه بلغة غير
لغته الأم يصاغ فكرًا وثقافة من خلال
هذه اللغة الغريبة. وأضاف "نحن العرب
حينما ننادي بالتعريب فإن أملنا هو
السعي إلى الاتصال بالعلوم المعاصرة،
وتمثلها ضمن إطار من لغتنا العربية،
وفي هذا أخذ عن الغرب دون الانصهار
فيه، حفاظًا على هويتنا من الضياع".
وأوضح
أن تعريب الطب لا يعني "نسخ اللغة
الأجنبية من عملية التعليم، بل الحرص
كل الحرص على معرفتها لغة أجنبية فحسب،
لا لغة الثقافة والتفكير؛ لأننا نعني
بالثقافة مجموعة العوامل الحضارية،
التي تضم المعارف والمعتقدات والأخلاق
والعادات المكتسبة، ويوم تكون لغة
العلم غير لغة الثقافة تُصاب الأمة
بفصام فكري، كهذا الذي يُلاحظ في بعض
المجتمعات، وفي فئة من أبناء بعض خريجي
الجامعات".
وقال
الدكتور مرتضى في دراسته، التي حصلت
"قدس برس" على نسخة منها: إنه "لا
يوصي بتعريب الطب اعتزازاً منا
بلغتنا، وتأكيدًا لهويتنا الثقافية
فحسب، بل يتعداهما إلى تدارك خطر مؤكد،
يتهدد التعليم الجامعي نفسه بالسطحية،
وحرمان الطالب من الفهم الصحيح،
وقصوره عن تمثل ما يتعلمه بلغة أجنبية،
ودفعه أحيانًا إلى الاستظهار دون
إدراك المعنى الدقيق".
وأضاف
أنه "لا ينكر أحد ظاهرة الضعف في
تعلم اللغات الأجنبية في المدارس
الإعدادية والثانوية؛ إذ باتت هذه
الظاهرة أمرًا ملموسًا، حتى إن العديد
من الطلاب يصلون إلى المرحلة الجامعية
ولا يعرفون من اللغة الأجنبية التي
تعلموها إلا النزر اليسير، ويراد منهم
بهذا المقدار الضئيل استيعاب علوم
يستصعب أبناء اللغة الأجنبية نفسها
دراستها بلغتهم. وهذا الأمر هو الذي
يدفع الطلاب العرب إلى البحث عن
التراجم ومعاني الكلمات في المعاجم،
مضيعين بذلك وقتًا كان من الأجدر صرفه
في المادة الدراسية.
توصيات
اليونسكو
وقد
أوصت منظمة "اليونسكو" باستخدام
اللغة الوطنية في التعليم إلى أقصى
مرحلة ممكنة، إذا كانت اللغة تسمح
بذلك، ولغتنا العربية تسمح بذلك
والحمد لله، كما يضيف الدكتور مرتضى،
ولا بد أيضًا من التفكير بأن التعليم
بلغة أجنبية يتطلب وجود أساتذة يتقنون
اللغة، التي يتم التعليم بها فهمًا
وإلقاءً، كما يتطلب وجود الطالب الذي
يتقنها فهمًا واستيعابًا وتحدثًا
وكتابة، ومن المؤسف أننا سمعنا
محاضرات طبية أُلقيت في قاعات جامعات
عربية مرموقة بلغة هجينة، اختلطت فيها
العامية المحلية بالمصطلحات الأجنبية
اختلاطًا عجيبًا.
بين
الإنجليزية والفرنسية والإيطالية
تدرس
العلوم الطبية في جُل كليات الطب في
الوطن العربي بغير العربية؛ فالمشرق
العربي يدرس بالإنجليزية، باستثناء
سوريا التي تدرس بالعربية، والكلية
اليسوعية في بيروت تدرس بالفرنسية،
ويعتمد المغرب العربي اللغة الفرنسية
في التعليم، كما تعتمد الصومال
الإيطالية، والسودان بدأ يدرِّس الطب
منذ أكثر من سنتين بالعربية، وهناك
كليتان تدرسان الطب بالعربية في
الجماهيرية الليبية، وقد اتخذت كلية
طب جامعة الأزهر قرارًا بتدريس الطب
الشرعي والصحة النفسية بالعربية.
وقد
نشأت ظاهرة تدريس الطب بغير العربية في
ظل ظروف قاسية، لم تكن البلاد العربية
تملك فيها إرادتها المستقلة، وشكَّلت
هذه الظاهرة جزءاً من سياسة ترمي إلى
تجريد الأمة العربية من أصالتها،
وإلحاقها ثقافيًّا بمن كان يتحكم في
أمرها؛ للحدِّ من استردادها لشخصيتها،
فراحت كلية طب القاهرة تدرِّس
بالإنجليزية بعد أن درست بالعربية نحو
ستين عامًا من سنة 1827م حتى سنة 1887م،
وحدث ذلك تحت الضغط السياسي وحده.
لقد
وضع رواد تعريب الطب في تلك الحقبة
أعمالاً ضخمة، من بينها أربعة معجمات
طبية ثنائية اللغة، وأصدروا مجلات
طبية بالعربية، منها: اليعسوب،
والمنتخب، والثناء، كل هذا بالإضافة
إلى الكتب الطبية.
ويرى
الدكتور مرتضى أنه ما توقف التدريس
بالعربية في القاهرة لِعِلَّة في
لغتنا، بل انصياعًا للضغط الاستعماري
يومئذ، ولا بد من الإشارة إلى أنه في
تلك الحقبة تأسست الكلية الإنجيلية
السورية في بيروت (وهي التي تعرف اليوم
باسم الجامعة الأمريكية) عام 1866م،
واعتُمدت العربية لغة التدريس في
كليتي الطب والصيدلة فيها، ولكنها
أُقصيت عنهما سنة 1884م، وحلَّت
الإنجليزية محلها لأسباب نحن في غنى عن
شرحها الآن، لكن العربية منها براء.
ويقول
الدكتور مرتضى: "إن صلاح اللغة
العربية لاستيعاب العلوم أمر مسلَّم
به بالنسبة إلينا، ونرى أن الكلام عن
قدرتها على الاشتقاق والوضع والقياس
والنحت، وعن خصائصها المرنة تكرار نحن
في غنى عنه، ونرى أن العائق الحقيقي
الذي يقف في سبيلها هو ما يفتعله من لا
يؤمنون بالتعريب لسبب أو لآخر، كما
أننا نحرص الحرص كله على تعليم لغة
أجنبية، منطلقين من أن التعريب الصحيح
لا يعني الانعزال والبُعْد عن الاطلاع
على ما تقدمه اللغات الأخرى من ينابيع
علمية".
ويرى
الدكتور مرتضى أن أنظمة جامعاتنا قد
راعها هذا الأمر؛ فجعلت الطالب يتابع
دراسة اللغة الأجنبية مدة خمس سنوات
جامعية، ويخضع لفحوص لها تماثل خضوعه
للمواد الطبية؛ هذا في الدراسة
الجامعية الأولى، أما في مجال
الاختصاص فعليه أن يتقدم لإجراء فحص
بمقررين طبيين من اختصاصه باللغة
الأجنبية، علمًا بأن هذين المقررين
يُدرسان بلغة أجنبية.
ويضيف
قائلاً: إنه استنادًا إلى اتصالاته
الشخصية بخريجي كليتنا العاملين في
الولايات المتحدة والبلاد الأوربية
توصلت إلى اقتناع كامل بأنهم يتابعون
الدراسة في البلاد التي يذهبون إليها
للتخصص فيها بقدرة لا تقل إطلاقًا عن
قدرة الطلاب العرب الآخرين الذين
درسوا الطب بلغة أجنبية في بلادهم، هذا
إن لم يتفوقوا عليهم رغم الصعوبات
الأولية التي يواجهونها في الأشهر
الأولى من تدريبهم!.
نجاح
التجربة السورية
وبالرغم
من عدم إلمام الكثير من الجامعات
العربية بالتجربة السورية، فإنه قد
مضى خمسة وسبعون عامًا أو نحوها
وأساتذتها يدرِّسون أحدث نظريات الطب،
ويعملون بأدقِّ الأجهزة، ويتحاورون
حول الأمراض بلغة عربية سهلة واضحة لا
يتعثر في فهمها المستمع طالبًا كان أم
طبيبًا. ويضيف الدكتور مرتضى معقبًا
على ذلك بالقول: "خمسة وسبعون عامًا
مضت، وطلابنا منتشرون في جميع أصقاع
الأرض، نفخر بعلمهم، كما نفخر
بإنجازاتهم العلمية حيثما كانوا".
ويقول
عن تجربته الشخصية: "لقد درستُ الطب
باللغة العربية، وتابعتُ اختصاصي في
كندا، وحصلت على شهادة البورد
الأمريكي في الأطفال، وعلى شهادة LMCC
لممارسة الطب في كندا، وعلى شهادة
زمالة الكلية الملكية الكندية FRCP، ولم
أَلْقَ أي صعوبة في التدريب أو اجتياز
أي امتحان".
وقال:
"إن هذا مثال واقعي ينطبق على عدد
كبير من خريجي جامعة دمشق، الذين
يتبوءون مراكز علمية، أو يمارسون الطب
بنجاح في أوروبا وأمريكا". وقال: "إنه
تمنى أن يصل هذا الاقتناع إلى كل فرد في
الأمة العربية، ويصبح تعليم الطب
باللغة العربية في جميع الدول العربية
مألوفًا، أسوة بشعوب العالم الأخرى،
التي تدرس العلوم بلغتها الأم.
اقرأ
أيضا:
|