|
بعد
ثورة أسعار النفط الخام عام 1973م شهدت
الساحة الغربية موجة من الكتب
الغوغائية أسلوبًا ومضمونًا حول النفط
والعرب والمسلمين، ووجدت في حينه
رواجًا واسع النطاق، وأصبح بعض
المؤلفين "رموزًا" لتلك الحملة،
ومثالٌ على من كتب منهم بالألمانية
آنذاك مراسل تليفزيوني يُدعى "جيرهارد
كونسيلمان"، وقد نشر بضعة عشر
كتابًا، تدور محتوياتها جميعًا حول
محور واحد، وهو أنّ الصورة التي نشرتها
من قبل أفلام هوليوود –ولا تزال- عن
العربي "المتخلّف الماجن الدموي
الأحمق" صورة صحيحة، وأن جذورها
صادرة عن الإسلام!.. وكان لا بدّ من مرور
بضعة عشر عامًا قبل أن يتساقط مفعول
تلك الحملة تدريجيًّا، ومن العلامات
الفارقة لذلك في ألمانيا سقوط "كونسيلمان"
المذكور سقوطًا ذريعًا، بعد أن كان لا
يغيب يومًا عن الظهور على الشاشة
الصغيرة باعتباره "الخبير في الشؤون
الإسلامية والعربية"، وأدّى إلى
سقوطه كشفُ أحد المستشرقين من هامبورج
عن "سرقة فكرية" مارسها في كتبه
على شكل فصول كاملة منقولة نسبها لنفسه.
تطوّرات
في صالح الإسلام
لقد
كان توظيف الكتاب إلى جانب وسائل
الإعلام آنذاك في مقدّمة ما استُخدم من
وسائل لتعبئة الرأي العام الغربي؛
لتقبّل العداء المركّز ضدّ العرب على
وجه التخصيص بعد حرب عام 1973م، واستخدام
النفط الخام سلاحًا فيها، وتحوّل
النفط الخام تدريجيًّا إلى "سلاح في
أيدي مستهلكيه"، كما ازداد تفتيت
المنطقة العربية، وفُرِض الحصار على
بعض بلدانها بمشاركة بلدان عربية
أخرى، ثم تحقق في حرب الخليج الثانية
تدمير بقايا نظام الأمن العربي، وهي
المرحلة التي تزامنت مع بدء مرحلة
العداء المعلن للإسلام تحت عنوان "الأصولية"
مع مطلع التسعينيات الميلادية.. ويبدو
أن توظيف الكتاب إلى جانب وسائل
الإعلام، لا سيما الشبكة العالمية،
بدأ الآن أيضًا في إطار الحملة التي
انطلقت من واشنطن ضدّ الإسلام، تحت
عنوان "الحرب ضد الإرهاب".. فما هي
المعالم الأولى للحملة الجديدة؟ وما
هي احتمالات نجاحها أو إخفاقها؟..
إنّ
حملة ترسيخ الصورة السلبية النمطية عن
المسلمين -ولا سيما العرب- في
السبعينيات الميلادية استندت بصورة
خاصة إلى أن النسبة العظمى من سكان
البلدان الغربية، كانت إما جاهلة
بصورة مطلقة بالإسلام؛ فكانت على
استعداد لتصديق سائر ما يقال عنه، أو
معبّأة ومهيّأة للعداء نتيجة الأحكام
المسبقة المتوارثة عن حقبة الحروب
الصليبية والاستشراق والتنصير،
واعتماد الكتب المدرسية وغير المدرسية
على المصادر العدوانية التي ملأتها
بالافتراءات منذ ذلك الحين، فضلاً عن
مفعول التأثير اليهودي على الإعلام
الغربي بعد الحرب العالمية الثانية.
ولكن
في هذه الأثناء اضمحلّ في العقود
الأخيرة كثير من مخلَّفات الجهل
والأحكام المسبقة، ومن ذلك ما يرتبط
بالمصطلحات الأساسية، وعلى سبيل
المثال لم تَعُد كلمة "محمديون"
قابلة للتسويق مكان كلمة "مسلمون"؛
لنشر الوهم بأن المسلمين يعبدون
محمدًا (صلى الله عليه وسلم)، ولم يَعُد
من النادر أن تقول الأقلام الغربية: إن
كلمة "الحرب المقدسة" بالكلمات
اللاتينية ليست الترجمة الصحيحة لكلمة
"الجهاد" باللغة العربية، وحتى
كلمة "أصولية" فقدت مفعولها الأول
في مطلع التسعينيات الميلادية، وبات
معلومًا أن ما يُقصد بها في الغرب من
حيث "التحجر في تفسير النصوص
الرئيسية" يسري على مختلف الأديان،
وليس على الإسلام فقط كما كان يقال، بل
انعقدت مؤتمرات عديدة تناقش مخاطر
الصورة النمطية الخاطئة عن الإسلام
والمسلمين في الإعلام، وفي الكتب
المدرسية وغيرها، وساهم ذلك فيما يمكن
رصده من تحوّل إيجابي في مجالات عملية
خارج نطاق المصطلحات أيضًا، فلم تَعُد
شعائر الصلاة أو الصوم ولا فروض الحجاب
أو العفاف مجهولة عند غير المسلمين،
وحتى مسألة "شمول الدين للجوانب
السياسية"، بدأت تنتشر على هذا
الأساس باعتبار الإسلام يختلف عن
المسيحية مثلاً، وذلك إلى جانب
المقولة التي لا يزال يجري توظيفها
لأغراض دعائية بزعم أن "الحركات
والجماعات الإسلامية هي التي أقحمت
الدين في السياسة".
ومن
الجوانب الإيجابية أيضًا الزيادة
التدريجية في نسبة من يدعون إلى تعايش
الحضارات وحوار الأديان، رافضين ما
سبق أن حاول مفكرون أمريكيون نشره عن
"نهاية التاريخ" و"صراع
الحضارات" أو عمل ساسة أمريكيون على
تثبيته في المخططات السياسية
والعسكرية –وقد تم ذلك فعلاً- على أساس
أن "الإسلام عدو بديل" عن
الشيوعية، وفق الشعار الذي كان "تشيني"
النائب الحالي للرئيس الأمريكي، أوّل
من أطلقه في مطلع التسعينيات وهو في
منصب وزير الدفاع آنذاك.
والسؤال
المطروح الآن: هل يمكن لحملة جديدة
لتوظيف الكتاب وغيره من وسائل النشر في
استعداء الرأي العام الغربي، أن تنجح
أمام هذه المعطيات الجديدة؟..
إن
هذه الأرضية الإيجابية الناشئة تجاه
الإسلام والمسلمين، لم تمهد الطريق
أمام اتساع نطاق تفهم الإسلام وبعض
القضايا الإسلامية في المجتمعات
الغربية فحسب، بل مهَّدت الطريق
أيضًا أمام تطوّرات أخرى بالغة
الأهمية، منها:
-
ظهور
النواة الأولى لاحتمال التأثير "إسلاميًّا"
على صناعة الرأي العام وصناعة
القرار السياسي في الغرب، وهذا ما
يؤكّده نشاط المنظمات الكبرى
للمسلمين في الولايات المتحدة
الأمريكية، ويؤكّده نفاد سائر
الكتب ذات العلاقة بالإسلام
والمسلمين خلال أسابيع معدودة في
أسواق البلدان الغربية بعد تفجيرات
نيويورك وواشنطن..
-
ارتفاع
نسبة اعتناق الإسلام في المجتمعات
الغربية، وكان يقدّر عددهم بأفراد
معدودين ثم بالعشرات أو المئات
سنويًّا، والآن بالألوف أو عشرات
الألوف، وآخر ما ذكر بهذا الصدد أن
عددهم يربو على أربع وعشرين ألفًا
في الولايات المتحدة الأمريكية
فقط، وكان يقال: إن النسبة العظمى
أقرب إلى "إسلام شـكلي" بزعـم
أن سببه هو "الزواج" وليس
الاقتناع، ولكن لم يَعُد يخفى
الانخفاض الملاحظ لمتوسط "أعمار"
المسلمين الجدد، وارتفاع نسبة "غير
المتزوجين" منهم..
-
اتساع
نطاق المواقف الفكرية والثقافية
الأقرب إلى إنصاف الإسلام
والمسلمين.. وهو ما بات في الإمكان
تسجيله يوميًّا، حتى في ظل الظروف
الشديدة الوطأة، كما هو الحال في
أعقاب تفجيرات نيويورك وواشنطن..
ازدياد
توفّر الشروط المبدئية لتفهم أفضل
للقضايا الإسلامية السياسية، كقضية
فلسطين أو قضية الشيشان، أو هذا على
الأقل ما انتشرت بداياته الأولى قبل
التفجيرات المذكورة، وساهم في ارتفاع
نسبة الأصوات والتقارير التي تتحدّث
عن حقوق الإنسان بصورة خاصة، بل وبعض
ما بدأ يتحدّث عن "أصل" القضية
بمنظور إسلامي، وهو ما لم يكن له وجود
من قبل..
اقرأ
أيضا:
|