|
عندما
وقعت حوادث 11 سبتمبر في كل من نيويورك
وواشنطن اهتزت مشاعر الأمريكيين غضبًا
وإحباطًا، وانطلقت مشاعر البعض ضد
العرب والمسلمين، بعدما توجهت وسائل
الإعلام -ومن بعدها أجهزة التحقيقات-
لتحصر الاتهام في العرب والمسلمين.
ولهذا
الموقف أسباب عدة منها ما هو نابع من
المسلمين ذاتهم، ومنها ما هو نابع من
الغرب ذاته، ولنتأمل معًا في بعض ما
كتبه كل من محمد أسد، والشيخ محمد
الغزالي في تحليل أسباب تلك الظاهرة:
استعلاء
وعنصرية الغرب
فالغرب
كان -ولا يزال- ينظر إلى ذاته على أنه
مركز العالم، وأعلى حضارة إنسانية
فيه، ومن ثَم ينظر نظرة استعلاء إلى ما
سواه من الأمم والشعوب والحضارات،
يقول محمد أسد في مقدمة كتابه "الطريق
إلى الإسلام": "هل يمكن أن تكون
طريقة التفكير اليونانية الرومانية
القديمة التي قسمت العالم إلى
يونانيين ورومانيين من جهة، وبرابرة
من جهة أخرى، لا تزال مكينة في الفكر
الغربي إلى درجة أنها لم تستطع أن تقبل
-ولو نظريًّا- بالقيم الإيجابية لأي
شيء يقع خارج مدارها الثقافي الخاص؟"
إضافة
إلى هذا الشعور الغربي الذي ينظر للآخر
من أعلى، ترسب على مدى العصور شعور
بالكراهية تجاه الآخر المسلم بصفة
خاصة، والنظر إليه من منظار مشوَّه،
ولندعْ "محمد أسد" يوجز لنا ذلك
الشعور بقوله:
"لقد
أعطت تجربة الحروب الصليبية أوروبا
وعيها الثقافي وكذلك وحدتها. ولكن هذه
التجربة نفسها كان مقتضيا عليها منذ
ذلك الحين فصاعدا بأن تهيئ اللون
المزيف الذي كان على الإسلام أن يبدو
لأعين الغربيين به، ليس فقط لأن الحروب
الصليبية كانت تعني إراقة الدماء؛ إذ
إن كثيرًا من الحروب قد أُثيرت بين
الأمم ثم تناستها فيما بعد، وأن كثيرًا
من العداوات والأحقاد قد انقلبت إلى
صداقات بعد أن ظُن في حينها أنها غير
قابلة للزوال. ولا شك في أن الأذى الذي
جلبته الحروب الصليبية لم يقتصر على
اصطدام استُعملت فيه الأسلحة، بل كان
–أولا وقبل كل شيء- أذى عقليا نتج عنه
تسمم العقل الغربي ضد العالم الإسلامي
عن طريق تفسير التعاليم والمثل العليا
الإسلامية تفسيرًا خاطئًا متعمدًا؛
لأنه إذا كان للدعوة لحملة صليبية أن
تحتفظ بصحتها؛ فقد كان من الواجب
والضروري أن يوسم نبي المسلمين بعدو
للمسيح، وأن يصور دينه بأكلح العبارات
كيسوع للفسق والفجور والانحراف عن
الحق. وفي أيام الحروب الصليبية ذاتها
تخللت العقل الأوروبي، وبقيت فيه تلك
الفكرة المضحكة القائلة بأن الإسلام
إنما كان دينًا يدعو إلى عبادة الشهوة
وإلى القوة الوحشية، ديناً يدعو إلى
إقامة الشعائر الدينية بدلاً من تطهير
القلب…وكان العصر الذي استطاع روح
التقصي المستقل أن يرفع رأسه فيه
بعيداً كل البعد عن أوروبا في ذلك
الحين؛ ولذا كان من السهل على القوى
السائدة آنذاك أن تزرع بذور الكراهية
السوداء لدين ومدنية كانا يختلفان إلى
حد كبير عن الغرب ومدنيته. وهكذا لم يكن
من قبيل الاتفاق أن ينظم نشيد رولاند
الذي يصف انتصار المسيحية على
المسلمين الوثنيين في فرنسا الجنوبية،
ليس في إبان تلك المعارك بل بعدها
بثلاثة قرون؛ يعني قبل الحملة
الصليبية الأولى بقليل، ليصبح فوراً
ضرباً من النشيد الوطني لأوروبا. كذلك
لم يكن من قبيل الاتفاق أن هذا الشعر
الحربي الحماسي يسم بزوغ فجر الأدب
الأوروبي تمييزاً له عن الآداب
المحلية السابقة؛ لأن العداوة للإسلام
إنما صاحبت ظهور المدنية الأوروبية.
وقد يبدو من سخرية التاريخ أن يظل هذا
الحقد الغربي القديم ضد الإسلام
قائمًا، بطريقة لا شعورية، في زمن خسر
فيه الدين القسم الأكبر من تأثيره في
مخيلة الغربي. بيد أن هذا الحق لا يبعث
على الدهشة، فنحن نعرف أن شخصًا ما
يمكنه أن يفقد بالكلية المعتقدات
الدينية التي لُقِّنها في طفولته، ومع
ذلك فإن انفعالاً معيناً ذا صلة بتلك
المعتقدات أصلاً يستمر -دونما وعي- في
حالة العمل إبان حياته فيما بعد".
نماذج
مشوهة من المسلمين
لكن
من يؤكد هذه النظرة السلبية للإسلام
وأهله أو ينفيها هم المسلمون أنفسهم،
وللأسف فإن الكثيرين منهم يشعرون
بالدونية تجاه الحضارة الغربية،
ويقدمون نماذج مشوهة تؤكد النظرة
الموروثة لدى الغربيين عن دينهم.
ولنقرأ للشيخ الغزالي في ذلك:
"يوجد
في إنجلترا نحو خمسة ملايين من
المسلمين، كان في الإمكان أن يشرحوا
بالإسلام صدوراً كثيرة، وأن يردوا
شبهات منتشرة، أجل كان من المقدور أن
يكونوا جسورا تعبر عليها الرحمة
المهداة، ويشيم الأوروبيون فيها
أنوارا هم أحوج الناس إليها في عقائدهم
وخلائقهم، لا سيما ما يتصل بالعلاقات
الجنسية، والتفرقة العنصرية. إن شيئا
من ذلك لم يقع، إن القادمين للارتزاق،
أو لأغراض أخرى يحسون أنهم أدنى من
أرباب الحضارة الحديثة.. ومن ثَم فهم
تابعون لا متبوعون، ومقودون لا قادة،
واليد العليا هنا ليست لأولئك
المسلمين القادمين".
ويضيف
"المسلمون من آسيا أو أفريقية -بيضاً
كانوا أم ملونين- ليسوا نماذج معجبة
لعقيدة التوحيد، وما تنشئه من فضائل
القوة والعفة والإقدام والرسوخ. ليسوا
نماذج معجبة للإنسان الذي ينفع ولا
يسيء، ويعطي ولا يمد يده، ويعاف الكسل.
ليسوا نماذج معجبة للترفع عن الشهوات
وتقديس الدماء والأموال والأعراض.
ليسوا نماذج معجبة لإقام الصلاة
وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر".
ويضيف
تأكيداً وإيضاحاً، فيقول "الصورة
التي ارتسمت في أذهان الغربيين عن
الإسلام وأمته تبعث على الخجل؛ فطلاب
المتع من أغنيائنا ألجموا أفواهنا عن
أي اعتذار.. المال الإسلامي يراق بسفه
غريب في علب الليل، وموائد القمار
والخمر، وأنواع التهتك التي تسبق
الخيال! والغربيون ليسوا أغبياء! إنهم
يقولون: أما على هذا المال رقابة؟ من
أين اكتسب؟ وفيم أنفق؟ وهم يعلمون أن
جماهير غفيرة من المسلمين ذهبوا ضحايا
الجفاف والقحط، ومن بقي منهم في آسيا
أو أفريقية بقي جلدا على عظام، أو
ملامح تصرخ بالبأساء والضراء.
أين
المواساة التي يتحدثون عنها في دينهم؟
أين التواصي بالمرحمة؟ وقبل ذلك أين
التقوى التي تحجز عن المحارم وتقهر هذا
العهر السافر المشهود بالليل والنهار
من شباب العرب وشيبهم؟؟ الحق أن الصورة
التي عرفت عنا لا تشرف دينًا ولا تغري
بنظر فيه".
وهكذا
تكتمل أركان تشوه الصورة، استعلاء من
الغرب، وعداء تجاه الإسلام وأهله،
وشعور بالدونية من المسلمين، ونماذج
مشينة يندى لها الجبين يقدمها
المسلمون هنا وهناك.
دورنا
في رسم تلك الصورة السلبية
إذا
كان بعض المسلمين يقدمون نماذج لا تجذب
الآخرين للتعرف على دينهم بسبب انحراف
سلوكياتهم، فإن البعض الآخر ربما لا
يتصرف تلك التصرفات المشينة، ولا يقدم
تلك النماذج المشوهة للإسلام، بل إنه
يسعى لكي يدعو هؤلاء لدينه، بعكس
الآخرين الذين لا يشغل الأمر بالهم،
لكنه مع ذلك يفهم الإسلام بطريقة مشوهة
تتضخم فيها الفروع حتى لكأنها أصول
للإسلام، ويتقدم فيها كلام الشارح
للنصوص حتى لكأنه من كلام الشارع،
وتتجاور في دعوتهم التقاليد القومية
جنبا إلى جنب مع الشرائع السماوية،
والخاسر في النهاية هو الإسلام الذي
يقدم للقوم بتلك الصورة فينفر أقوام،
ويتوه آخرون.
ولنسمع
للشيخ الغزالي، وهو يرسم بعض الرتوش
التي تقدم بعض تفاصيل الصورة، فيقول:
"ما يلقاه الإسلام من سوء حظ في
أواسط أفريقية يتكرر في أقطار أوربا
وغيرها، لماذا؟! لأن ناسًا لهم أمزجة
شاذة، ومعارف ضحلة هم الذين يدعون إليه
ويعرفون به. إنهم يعسرون ولا ييسرون،
ويُنفِّرون ولا يُؤلفون!، سنن العادات
يجعلونها سنن عبادات، ويلزمون الناس
بما لا يلزم! إذا اشتجرت الآراء في
موضوع هل هو مباح أو مكروه، رجّحوا
الكراهية، هل هو مكروه أو محرم؟ رجحوا
التحريم. وقد يكون في الفقه الإسلامي
ما يوافق بعض التقاليد السائدة في
الأمم التي ندعوها إلى الإسلام، بيد
أنهم يحاربون هذه التقاليد؛ لأنهم
أتباع مذهب يرى تحريمها".
ثم
يؤكد على ما يجب أن ندعو إليه غير
المسلمين: "التعاليم التي ندعو
إليها هي الأركان المتفق عليها
والنصوص المقطوع بها. أما ما يحتمل عدة
أفهام فلا دخل له في ميدان الدعوة! وإذا
كان المسلمون أنفسهم في سعة أمام هذه
الأفهام العديدة، وإذا قالوا: لا
يُعترض بمجتهد على مجتهد آخر، فكيف
نلزم الأجانب بفقه خاص؟ إننا نضع
العوائق عمدا أمام الإسلام حين نفرض
على الراغبين فيه تقاليدنا في الحكم
والاقتصاد والمجتمع والأسرة، وأغلب
هذه التقاليد ليس له سند قائم، بل
أغلبه وليد عصور الانحراف والتخلف. ومن
الممكن بعد اقتناع الراغبين في
الإسلام من اعتناقه، أن نترك لهم حرية
الاختيار من الفروع التي لا حصر للخلاف
فيها، ولا ميزة لرأي على آخر. إننا ندعو
إلى الإسلام، لا إلى الاقتداء
بالمسلمين! ندعو إلى الكتاب والسنة، لا
إلى سيرة أمة ظلمت نفسها ولم تنصف
تراثها. ذلك أن دين الله جدير
بالاتباع، أما مسالكنا نحن فجديرة
بالنقد والبعد".
ويقدم
الغزالي أنماطا من القضايا التي
تُقدَّم على أنها من أصول الإسلام وهي
ليست كذلك؛ وهو ما يصد الناس عن دين
الله؛ فإذا ناس يقولون: ضموا إلى هذه
الأركان والمعالم المقررات الآتية:
الشورى لا تقيد الحاكم إداريًا ولا
وزاريًا ولا قضائيًا! وضموا كذلك إلى
أركان الإسلام ومعالمه المقررات
الآتية: لبس البدلة الفرنجية حرام، كشف
وجه المرأة حرام، والغناء حرام،
والموسيقى حرام، التصوير حرام،
الكلونيا حرام، إعلاء المباني حرام،
ذهاب النساء إلى المساجد حرام… هذه
الضمائم الرهيبة تُضم إلى كلمة
التوحيد، وقد تسبقها عند عرض الإسلام
على الخلق؛ فكيف يتحرك الإسلام مع هذه
الأثقال الفادحة؟ إنه -والحالة هذه–
لن يكسب أرضًا جديدة بل قد يفقد أرضه
نفسها".
الصورة
الحديثة
وإذا
كانت هذه هي ملامح الصورة كما صورها
قلم أسد والغزالي في أوقات سابقة من
القرن العشرين، فإن الصورة قد أضيفت
إليها بعض الملامح الجديرة بالذكر:
-
هناك نمو في وعي الجاليات الإسلامية في
الغرب، اكتسبته من خلال خبرة العمل،
ومن خلال تطور الفكر عبر السنين، وسوف
يساهم ذلك –بالتأكيد- في تخفيف حدة
السلبية في الصورة.
-
لكن ربما يعادل ذلك الصورةُ الجديدة
التي بات يرسمها الإعلام الغربي
للمسلم الإرهابي الممسك بالمصحف في يد
والقنبلة أو الرشاش في يد أخرى، والتي
رسبتها حوادث العنف التي حدثت في بلاد
مثل مصر، والتي حدثت وتحدث في الجزائر،
والتقاتل الذي يحدث في أفغانستان منذ
إخراج الروس منها، ثم حوادث التفجيرات
السابقة في أمريكا.
-
وربما حدث تشويه أو طمس لصورة المسلم
الإرهابي؛ بحيث لم تعد الملامح واضحة
بين استخدام العنف دون مبرر ضد
المدنيين، وأعمال مقاومة المحتل، وذلك
بفعل التأثيرات الإعلامية الصهيونية
ومحاولاتها دمغ الجهاد الفلسطيني بسمة
الإرهاب.
-
تمكننا من خلال الإنترنت أن نساهم
بالفعل الإيجابي، ومن خلال التفاعل مع
مؤسسات المجتمع المدني العالمية في
دعم قضايانا وتحسين صورتنا، متذكرين
دائما قول الرسول حول حلف الفضول الذي
شارك فيه في الجاهلية: قال رسول الله (صلى
الله عليه وسلم): "لقد شهدت في دار
عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به
حمر النعم، ولو أدعى إليه في الإسلام
لأجبت".
المصادر:
اقرأ
أيضًا:
|