بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

أوتار و أنغام

مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة


نصير شمّة.. موسيقي يؤسس مدرسة إصلاحية

2001/09/04

أحمد زين - مصر

نصير شمّة

أثناء الحوار... اقتحم أحد تلاميذه خلوتنا... وسط صوت العود وضبط الأوتار... وسلم.... وأقبل الأستاذ عليه يقبله؛ فمنعه التلميذ… لا لا… أنا مريض… واللوزتان ملتهبتان تمامًا، لكن الأستاذ أصر على تقبيله ترحابًا بتلميذه النجيب الذي يراه كل يوم… وسأله عن زيارة الطبيب والأدوية واطمئن عليه… ثم همس في أذنيه: تعرف ما الذي يفيدك؟ وصفة قديمة تفعلها العجائز عندنا في قرى العراق.. أحضر قطنة وبلها في (الميكروكروم) ثم أمسح بها حلقك... ستجد النتيجة هائلة...

هكذا رأيت نصير شمّة حين اقتربت منه، فهو مزيج من البساطة والتواضع والإيمان بكل ما هو إنساني وأصيل... حينما ذهبت لأقابله دون موعد محدد... سألت عنه في بيته "بيت العود" الذي أسسه في دار الأوبرا المصرية منذ سنتين تقريبًا... فتح قلبه وتحدث عن حلمه الذي بدأ منذ كان تلميذًا صغيرًا في مدارس الموسيقى بالعراق... حين كان يحلم بأكاديمية للعود تدرسه صناعة وعزفًا ونقدًا ومنهجية... كان "نصير شمة" وهو صغير يتوق إلى قدوة تأخذ بيده ليس فقط في تكنيك العود، ولكن في بنائه لذاته وشخصيته وتطوير أفكاره بل وتأسيس أخلاقه. يقول نصير: "لم أجد في تاريخ الموسيقى أو العود على الأقل عازفًا لديه هاجس تأسيس عازفين آخرين وأجيال جديدة تحمل هم الفن" فسألته:

* لماذا الفن؟ وماذا تجني من ورائه؟

وكأنني لمست جرحًا طريًا قال: "الموسيقى طريق روحاني نظيف إلى الله فقط لو تعاملنا معه كما ينبغي… الموسيقى والعبادة كانتا صنوين دوما، في دور العبادة في حضارات بابل ووادي النيل والإغريق والكنائس.. أنا مؤمن أن الموهوبين هم رسل للإنسانية لهم دور خاص أن يجعلوا الحياة أرقى… ودورهم لا يختلف عن المصلحين في مجالات الدين والفكر أبدًا وإنما يتشابك ويتكامل مع أدوارهم.. ولذا تجدني في الشق النظري الذي أعلمه لتلامذتي أركز على الفنانين العظماء في مواهبهم والذين تميزوا بدور إنساني وفكري كبير… الذين أثروا مجتمعاتهم وأسهموا فيها…

 وعن بيت العود قال: إنني فكرت في إنشائه في الأوبرا المصرية؛ لتخريج أجيال جديدة من العازفين يتخصصون في آلة واحدة، ومدة الدراسة سنتان والدراسة يومية بين النظري والعملي ونحن نعطي في سنتين ما قد يتحصل عليه العازف في ست سنوات في أماكن أخرى… وأختار بين المتقدمين من ألمح فيه موهبة حقيقية أو حتى مجرد الرغبة في التعلم… ويضحك نصير ثم يستكمل: "تعرف، أحيانًا اختار من لا علاقة له بالفن إلا أنه يحبه إذا لمحت في عينيه الطيبة والإقبال وأحيانًا أختار من أرى أنه في حاجة للتغيير، ولا تعجبني سلوكياته، لكنني أعتقد أن الفن سيغيره فأعطيه هذه الفرصة ليتغير بالموسيقى إلى الأفضل".

* محطتك الأولى كانت تونس ثم مصر ثم إلى أين؟

تجربتي في تونس كانت مختلفة، فكنت أقوم بالتدريس في المعهد العالي للموسيقى مدة خمس سنوات، ولكن كان العود مادة ضمن مواد أخرى، ولكن في بيت العود كانت التجربة أكثر خصوصية للآلة التي أعشقها… ومع ذلك فإن تلامذتي في تونس أصبحوا رموزًا للعود هناك فـ "يسرا الذهبي" مثلا أصبحت لها حفلاتها المستقلة في أوروبا، ونالت الجائزة الأولى في مهرجان العود الأول بالأردن ولحسن الحظ أنها نالتها مناصفة مع "نهاد السيد" أول تلامذتي المتخرجين في بيت العود بالقاهرة.

* لاحظت خلال حواري مع تلامذتك تقارب وجهات نظرهم تقريبًا في مختلف القضايا التي ناقشتها معهم.. نظرتهم إلى العود وإلى الفن وإلى رسالة الفنان في الحياة..

الواقع أنا لا تقتصر فكرتي على تخريج عازفين أو إقامة مدرسة فنية، ولكنني أهدف إلى تكوين مدرسة فكرية فنية، فأنا أنظر للموسيقى من زاوية الفكر والوعي.. أن تستخدم العود لجعله آلة ذات فكر تستطيع مناقشة كل المواضيع الفكرية والسياسية والاجتماعية من خلاله.

* ما الذي يجنيه المبدع من وراء إبداعه غير القلق والتوتر؟

حينما تنظر إلى أعظم الموسيقيين في العالم… لن تجد لكل ما امتلكه من أموال وحسابات بنكية تأثير الآن، لكن الذي بقي هو العمل الذي أبدعه.. الذي يتواصل به مع الناس، الإنسان له عمر معين، لكن المبدع عمره بمقدار جودة عمله وصدقه… لذا من يبحث عن حياة أطول لا بد أن ينشغل بما صنع له الابتكار والإبداع.. يمكن أن يجعله يعيش زاهدًا في الدنيا، لا تغره مظاهرها وبريقها.. أي يهتم بعمله وإبداعه لا أمواله وما يملكه.

* لماذا العود هو البطل دائمًا في الموسيقى العربية… ما عبقرية هذا الصندوق الخشبي البسيط؟

 اكتسب العود عبقريته من مرافقته لأغلب الملحنين؛ لسهولة العزف عليه من ناحية، ومن ناحية أخرى لسعة العود الصوتية، وسهولة التنقل من موقع لآخر على أوتاره، وكذلك التلوين في طرق الأداء واتساعه ليشمل معظم الأصوات البشرية.

* رغم أنك تنتمي للمدرسة العراقية في العود فإنك لا تفرض أسلوبها على طلابك؟ وما حكاية عود الفارابي؟

أنا أدرس المدارس كلها (العراقية والمصرية والتركية) والطالب في السنة الثانية هو الذي يختار، لأنني أرى أن لكل مدرسة ميزتها التي لا تنكر..

أما العود ثماني الأوتار فقد وضع أسسه الفارابي منذ ألف عام، وكتب مخطوطة بذلك، لكنه لم يخرجه للنور عمليًّا، وعثرت على هذه المخطوطة في أيرلندا، ولأن أحدًا لم يصنع العود من قبل فقد فكرت في صنعه؛ لأنه يعطي للعازف مساحة كبيرة لتنويع وتلوين الأداء؛ لأنه يحتوي على (4) مساحات صوتية، والعود العادي يحوي مساحتين فقط، وأحيانًا أستخدم هذا العود في حفلاتي كهدية للجمهور وعزفه أصعب من العادي كثيرا.

* لم لا تفكر في تلحين أغنيات لمغنين مشهورين ومحترفين؛ لتنال شهرة أكبر بين جماهير الناس؟

الانتشار والشهرة متوفرة والحمد لله… حينما بدأت في مصر 1997 كانت د. رتيبة الحفني رئيسة الأوبرا خائفة؛ لأنها لم تتوقع أن يحضر الناس حفلة للعود فقط دون غناء أو آلات مصاحبة، لكنني أكدت لها أن علينا أن نخوض التجربة، وكان اعتقادي أن المثقفين المصريين الذين حضروا حفلاتي في أوروبا سيتوافدون مع أصدقائهم وسيملئون المسرح فسعة 600  متفرج سهلة، ولم يكن عندي مشكلة أن أراهن على 50 متفرجًا فقط، فأنا أراهن على حساسية الناس وحسهم الفطري…. الذي ربما لا علاقة له بالثقافة.

وحين أؤلف أغنية ما فأنا أنحاز للفكر في هذه الأغنية فمثلا قدمت تجربة اسمها (ليلة العشق الإلهي) أخذت أشعار بعض الشعراء المتصوفة ولحنتها لستة أصوات جديدة من المغرب وتونس ومصر قدموا أشعار "رابعة العدوية"، و"طاهر أبو فاشا" وغيرهما، لكن الألحان التجارية الراقصة هذا مرفوضة تمامًا.

* ألا تعتقد أن رهانك على الجمهور رهان خاسر.. أليس هذا الجمهور هو الذي يعجب بالأغاني الراقصة؟…

أنا أحترم الجمهور جدًّا، وأقدره، ولا يداخلني أبدًا ظن أن الجمهور متدن أو سفيه على امتداد الوطن العربي، الجمهور نبيل وذكي وعميق، ولذا فأنا أحترمه ليحترمني.. أتمرن كثيرًا وأتدرب وأمرن الآخرين حتى أخلق علاقة مشتركة راقية، فالجمهور يستحق العناء والتعب والإخلاص؛ لأنك تستطيع توجيهه والارتقاء به طالما تمكنت من دواخله وقلبه.

* علاقتك بطلبتك وإنسانيتك لافتة للنظر في حوارنا معهم بحيث ترصد تواصلا عاليا معهم .. ما قولك؟

علاقتي بتلامذتي مركبة فلا بد أن يشعروا أنني أب وأخ وصديق.. حتى في مشاكلهم الإنسانية وأزماتهم فأنا أؤسس فكرا فنيًا جديدًا يخضع للأخلاق.. فالأخلاق أولاً ثم الفن وحتى أؤسس الأخلاق لا بد أن أتواصل مع تلامذتي إنسانيًا، إنني أحبهم جدًّا وأتواصل معهم حتى بعد تخرجهم، ولا أتخل عنهم، أصبحت الآن أوزع حفلاتي التي أُطلب فيها على تلامذتي؛ حتى أضمن لهم مستوى مادًّيا معقولا يستطيعون من خلاله الإبداع، فمثلا طُلب مني التدريس في السعودية وعمان فأرسلت لهم تلامذتي، وبدءوا العمل بالفعل، السفارة الفرنسية في القاهرة طلبت مني حفلاً فسألتهم تريدون أعمالي أم شخصي؛ فقالوا: أعمالك فأرسلت لهم حازم شاهين أحد تلامذتي؛ فأدى وأبدع رغم تخوفهم الشديد في بادئ الأمر…

* دعني أسألك.. ما كل هذه الثقة في نفسك… وكيف تمنع نفسك من حيازة شهرة جديدة أو إضافة رصيد إلى حسابك البنكي .. ألا تخاف على الأقل من منافسة تلامذتك لك؟

هذه ليست ثقة شخصية في ذاتي لكنها ثقة من يملك قناعة أن ثمة موتا ينتظرنا… فأنا مؤمن أن الموت حولي في كل طرفة عين… والأمانة في عنقي ثقيلة والوقت يدهمني… لا بد أن أؤدي أمانتي قبل أن تدق ساعة الرحيل… أنا في سباق مع الزمن لأورث هذه الأمانة لمن بعدي… وأنا ليس لي طموحات مادية، ولا أستطيع أن أفعل.. أنا سعيد بحياتي البسيطة أنام مرتاحا وأصحو مرتاحا..الفنان لا بد أن يزهد أحيانًا… يعيش حياة بسيطة؛ حتى ينشغل بفنه… وما أسعدني حين أمد يدي بشيء فأجد أيادي تلاميذي تسبقني إليه؛ لتعطيني إياه.

* وأين العراق في فنك؟ أهو "حدث في العامرية" التي تعزفها في كل حفلة فحسب؟

العراق أخذ من مشروعي ووجداني أكثر من أي شيء في الدنيا.. منذ 10 سنوات وأنا أسخر موهبتي المتواضعة للعراق…. الوضع السياسي لا يعني لي شيئا، لكن الشعب كقيمة حضارية هو الذي يعني لي كل شيء.. العراق الحضارة الضاربة في أعماق التاريخ.. لقد عزفت في أمريكا وإنجلترا وكل دول العدوان… وأريتهم الوجه الحقيقي للعراق في فنه وإبداعه واستجابوا وسمعوا رغم تشويش الإعلام الغربي على شعبنا… ودوري لا يقتصر فقط على الفن أو على (حدث في العامرية) .. ولكنني ما زلت أصطحب أطباء من تونس ومن مصر التي ساهم 500 من أطبائها في قوافل طبية إلى العراق، ليس فقط هذا، وإنما أطباء من المغرب وإيطاليا وأسبانيا وإنجلترا وأمريكا وأسسنا جمعيات لمناصرة الشعب العراقي وقضيته العادلة…

من أكثر الأشياء التي استلفتتني في "جماعة نصير شمة" وجود طالب كويتي يدرس الموسيقى، وهذا جعلني أوقن أن الفن والإنسانيات الراقية أعلى وأجمل كثيرًا من الخلافات، وأن الموسيقى تحلق بحرية فوق الحدود الجغرافية، وأنها توحد الأرواح، وتقرب القلوب، وتقلل الهموم، وتخفف الأحزان، وهذا تمامًا ما يحلم به "نصير شمة" ويحاول تحقيقه حين يعلم تلاميذه، أو حين يجلس على أي مسرح بأي مكان في العالم؛ ليعزف، ويقنع القلوب بالارتقاء معه إلى الآفاق. 


مساحات ثقافية |تراث وحضارة | لغة وأدب |فنون تشكيلية | سينما ومسرح |ميديا | أوتار وأنغام |مساهمات الزائرين|دردشة

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع