|
حول
العرض المسرحي الفلسطيني "قصص تحت
الاحتلال" للمخرج "نزار الزعبي"
ملحمة الانتفاضة الفلسطينية إلى واقع
ساخر تتقاطر مرارته في قلوب المشاهدين
العرب؛ لتفجر ضحكاتهم باكية من كم
السخرية والكوميديا السوداء التي
يحملها الواقع الذي نقله العرض لجمهور
عربي مكبل بالمحظورات والإحباط؛ نتيجة
العجز عن الفعل على اتخاذ مواقف حقيقية
تعمل على تغيير الواقع المر الذي تعرض
له المسرحية.
والعرض كما أكد أعضاء فرقة مسرح "القصبة
الفلسطينية" جاء ارتجاليًّا في
محطاته الأولى أثناء عرضه في مدينة رام
الله بفلسطين، وتطورت آفاقه وخطه
الدرامي مع تطور أحداث الانتفاضة التي
مضى على انبعاثها ما يقارب العام؛ فجاء
تطور المواقف الكوميدية مع تطور
لاعقلانية الممارسات الصهيونية في
تخليق واقع يومي للموت والجرح ونسف
البيوت وعذاب الاعتقال ضمن إطار لوحة
سريالية لا أفق منظور لها.
أين
نمضي؟
يخرج الممثلون من تحت أربعة أكوام
كبيرة من ورق الصحف يحتل اثنان منها
ركني مقدمة المسرح، واثنان يتلاصقان
في وسط خلفية المسرح، علق فوقها كرسيا
يحمل دمية سوداء محشوة بنفس نوعية
الورق، مشكلة مجتمعة عناصر الديكور
الذي يستخدمه العرض، ويقوم الممثلون
بتحويله عبر الحوار ضمن سياق العرض إلى
طريق وجبل ووادي وغرفة نوم وصالة
وأسوار للمسجد الأقصى ومادة للقراءة
ومدرسة وحقل، وغير ذلك.
يبدأ العرض بسير افتراضي للممثلين في
طريق غير مرئي، ويعبر أحدهم عن جمالية
الطريق وهو يمشي دون هدف، ويؤكد أنه
يمشي في الطريق في رؤية نسبية متغيرة
في كل مرة مع إصرار على أنه لا هدف من
وراء هذا المسير سوى الجمالية التي
يفترضها.
تدلل هذه الافتتاحية على أبعاد سياسية
تحمل غمزا في القيادة الفلسطينية
المرموز لها بالدمية السوداء المعلقة
فوق كرسي في الجهة اليمنى من خلفية
المسرح، كأنها تجلس في برج عاجي فوق
الجميع باختيارها سلاما غير محدد
الملامح ولا الأهداف، كما تبين في
توقيع هذه القيادة لاتفاقيات أوسلو
عام 1994؛ حيث أصبح الحديث عن السلام
واقعا لا معنى له.
كما تقدم الافتتاحية سؤالها غير
المنطوق: إلى أين نمضي؟ ونحن نسير هكذا
بدون هدف يحدد كل خطوة للمسار القادم،
تمهيدا لفتح المشهد الفلسطيني اليومي
بإقباله على الحياة وملاحقة الموت له،
والتعامل مع الموت والقمع والقهر كأمر
مفروض يتم التعامل معه في ظل العجز
بإصرار على استمرارية الحياة رغم
سخرية وسوداوية الوضع المفروض.
أبجديات
يقوم الممثلون بالتركيز على حب المكان
والطبيعة المشكلة له والعلاقة بينهم
والمجتمع؛ لينتقلوا من خلال ذلك إلى
المشهد التعليمي الذي يحدد من نحن ومن
عدونا، عبر لعبة الحروف ضمن إطار من
السخرية الكلامية، وإعطاء الحروف
كلماتها التي تضفي بعدا معرفيا بأخذ
الحرف أكثر من معنى.
فحرف الشين يصبح شجرة ويكون شارون (رئيس
وزراء الكيان الصهيوني)، والنون تصبح
نكبة إلى آخر ذلك من لعبة الكلمات،
متصاحبة بحركات تشكيلية، وملامح يقوم
الممثلون بتكوينها بحركاتهم الجماعية
وتغيير ملامح وجوههم بالمعنى الفردي،
وهو ما يكسب اللعبة الساخرة بعدا يحمل
على التعلم ويقيم إطارا من المصداقية
لعلاقة الحب القائمة بين الإنسان
والواقع المحيط به من طبيعة ومن مجتمع
ومن رغبة في التعلم.
فنتازيا
الصورة ومأساوية الواقع
يستند العرض إلى عنصر الفنتازيا لدفع
السخرية إلى مداها الأبعد والأعمق، من
خلال عدة مشاهد من أبرزها مشهد متخيل
لممثل عاشق للسينما والرقص والموسيقى،
يقوم خلاله عبر حوار داخلي بتصوير مشهد
سينمائي يتخيل فيه أن زيارة إريل شارون
للمسجد الأقصى جزء من فيلم يقوم شارون
ببطولته.
ويتحول
الجنود الإسرائيليون والشباب
والأطفال الفلسطينيون إلى فنانين
مساعدين في هذا الفيلم، ويتخيل الممثل
نفسه جزءًا من أفراد الكومبارس
الفلسطيني، فيبذل جهدا كبيرا في رجم
جنود الاحتلال على أمل أن يشاهده مخرج
الفيلم فيرشحه لأدوار البطولة في
أفلامه المقبلة.
ولكنه
يكتشف في نهاية المشهد أنه متعب جدا من
كم المجهود الذي بذله، وأنه فقد صديقه
وابن عمه الذي استشهد أثناء مواجهة
شارون، ويكتفي بذلك مبتعدًا عن
التمثيل؛ فالواقع أكثر قسوة من أن يكون
فيلما، خصوصا بعد أن فقد أهله بشكل
تدريجي ما بين الهجرة والقتل
والاعتقال.
واعتمد مشهد ثاني على تحويل الواقع
المأساوي إلى وضع طبيعي على طريقة
الكاتب الفلسطيني "إميل حبيبي" في
روايته "سعيد أبو النحس المتشائل"
التي تستند على فكرة: جيد ما حدث أفضل
من أن يحدث الأسوأ، عبر مكالمة هاتفية
مفترضة بين الأب الذي يعيش تحت
الاحتلال والابن الذي هاجر إلى
الولايات المتحدة الأمريكية.
يصور الأب أن الأمور جيدة رغم أن أقل
حدث قام بنقله لابنه كانت حادثة اعتقال
شقيقه، إلى جانب أخبار عن أشقائه
وأصدقاء جرحوا أو ماتوا أو أصيبوا
بالعجز؛ فكل شيء اعتمادا على حوار الأب
جيد ما دامت الحياة مستمرة.
إضافة إلى مشهد متخيل يتطرق فيه أحد
الممثلين الخمسة المشاركين في العرض
إلى نظرته الرومانسية لحياة القرية
بطبيعتها وحيواناتها وعلاقاتها
الاجتماعية، خصوصا الحمار الأبيض الذي
كان الممثل يحبه، وكيف استولى عليه
الإسرائيليون، ومن خلال ذلك يفتح
حوارية مع النبي سليمان يطالبه فيه
بإرجاع حماره له.
لكنه يتذكر الواقع المر وحالة الإرهاق
والتعب التي يعيشها؛ فيقرر التنازل عن
حماره الأبيض والذكريات الجميلة للنبي
سليمان، مقابل أن يأخذ بني قومه (الإسرائيليين)
بعيدا عن الأرض الفلسطينية؛ حتى
يستطيعوا العيش بأمان وراحة بال.
تستكمل الفنتازيا في المشهد الختامي
عندما يقوم الممثلون الخمسة بتحويل
أكوام الورق إلى مقبرة يدفنون أنفسهم
تحتها، ليعودوا إلى إخراج أيديهم وبعض
من أجسادهم تدريجيا من تحتها، آخذين عن
الأسطورة الكنعانية أحد أهم رموزها في
عودة الحياة، وهي أسطورة "طائر
الفينيق – أحد رموز إله الكنعانيين
الوثني بعل-" الذي كلما مات رمزا
لفصلي الخريف والشتاء عاد إلى انبعاث
من جديد والخروج إلى الحياة مع انطلاقة
الربيع.
عرض
فني يستحق الجائزة
جاء فوز العرض الفلسطيني في الدورة 13
لمهرجان المسرح التجريبي بالجائزة
الأولى تقديرا حقيقيا لجمالية العرض،
حوارًا وحركة ومؤثرات صوتية وضوئية؛
فهو يقدم حوارًا بسيطًا مع جمالية
التشكيل التي يحققها الممثلون،
مستفيدين من أكوام ورق الصحف العادة
تشكيلها بما يخدم الحوار، مترفقة بنشر
الضوء على كامل المسرح، أو تركيزه على
أحد الممثلين أثناء حواره الداخلي أو
المتخيل.
وقد
استطاعت فرقة مسرح "القصبة"
الفلسطينية أن تقدم عرضا احتوى على
دلالات متعددة أكدت على معرفة العدو
وعلى الذات، ضمن حوار وتشكيلات استندت
على البساطة في تطوير فنتازيا متخيلة،
تنبع من واقع مر لا يتخيله عقل في
التعامل مع أهم أسئلة الإنسان
المتعلقة بالإنسان ونظرته للموت، ضمن
رؤية تؤكد على إقبال الفلسطينيين على
الحياة، ورفضهم أن يتحولوا إلى مجرد
أرقام من الموتى والجرحى والبيوت
المهدمة تنشر كخبر في الصحف اليومية.
واعتبر
فوز العرض الفلسطيني عودة للمهرجان في
دورته الأخيرة لتركيز على النص
المسرحي؛ حيث ركزت الفرق المشاركة في
التجريب على النصوص، خصوصا من
كلاسيكيات المسرح الشكسبيري
واليوناني القديم، إضافة إلى النصوص
الحديثة لصامويل بيكت وآخرين، بعد أن
ركزت الدورات السابقة على مسرح الحركة
والرقص المسرحي والتعبيري.

اقرأ
أيضًا:
|