|
البرديات
العربية موروثنا الذي يكشف ويوثق ما
كانت عليه الأمة من تقدم وازدهار في
مختلف فترات التاريخ؛ وهي الوعاء
الذي حفظ لنا العلوم والفنون والآداب ،
كما كان لها دورا رئيسيا في التواصل
الحضاري، ونقل احداث التاريخ
الإسلامى إلى الأجيال المتعاقبة
وتأثير واضح في تطور الحضارة
الإنسانية.
وحول
البرديات العربية وأهميتها وبدايات
الكشف والتنقيب عنها والمنهج العلمي
في نشر نصوصها وتصنيفها وفهرستها،
وغير ذلك مما يتصل بها، كان هذا الحوار
مع الأستاذ الدكتور سعيد مغاوري،
الباحث بالمجلس الأعلى للآثار،
والمشرف على البرديات العربية بدار
الكتب والوثائق المصرية.
*
بداية متى بدأت العناية بالبرديات
العربية والتنقيب عنها وحفظها، و
نشرها؟
بدأت
العناية بالبرديات العربية والتنقيب
عنها عندما عثر بعض الفلاحين مصادفة في
منطقة سقارة بمحافظة الجيزة بمصر سنة
1824م على جرة صغيرة من الفخار وبداخلها
لفافتان من ورق البردي، استطاع قنصل
فرنسا في مصر آنذاك اقتناءهما،
وأرسلهما في نفس العام إلى المستشرق
الفرنسي المعروف "سلفستردي ساسي"،
الذي اعتنى بهما ونشرهما في مجلة
العلماء الصادرة في باريس عام 1825م،
وبعد هذا النشر تسابقت دول أوروبا
والولايات المتحدة الأمريكية عن طريق
قناصلها في مصر لشراء البرديات؛ إما عن
طريق التجار، أو الفلاحين، أو عن طريق
بعثات التنقيب عن الآثار في مصر آنذاك،
ولم تمض سنوات طويلة حتى تكونت مجموعات
عالمية للبرديات في عدد كبير من الدول
الأوروبية والولايات المتحدة.
عشرة
مجلدات
*
ما المساحة الزمنية التي تغطيها مختلف
البرديات؟ وإلى من يرجع السبق والفضل
في أنشطة العثور عليها وإخضاعها للبحث
العلمي؟
البرديات
تغطي مساحة شاسعة من التاريخ المصري
القديم، وكذلك العصور اللاحقة؛ فهناك
برديات يونانية ولاتينية وآرامية
وعبرية وقبطية وعربية. أما من يرجع
إليهم الفضل في البدء بالدراسات
والبحوث المتعلقة بالبرديات فهم بعض
المستشرقين؛ منهم: "برنارد مورتز"،
الذي كان أول مدير لدار الكتب المصرية
عام 1869م وحتى عام 1911م، و"جوزيف
كاراباتشيك" و"مرجليوث" و"ألبرت
ديتريش" و"كارل فسلي" و"كار
هنري بيكر". أما أشهرهم على الإطلاق
فهو العالم النمساوي "أدولف جروهمان"،
ومن أبرز أعماله دراساته الموسعة حول
البرديات العربية في عشرة مجلدات
والمحفوظة بدار الكتب المصرية، وقد
صدر المجلد الأول منها في 21 من أغسطس
1934.
البرديات
والمخطوطات
*
البرديات والمخطوطات يجمع بينهما
أنهما من الوثائق القديمة الناردة
غالبا؛ فهل هناك فوارق جوهرية بين كل
منهما؟
البرديات
ليست كالمخطوطات؛ لأن الأخيرة كتبت
غالبيتها على الورق "الكاغد"
العادي، أما البرديات فقد كتبت على نوع
معين من الورق يصنع من نبات البردي،
كما أن المخطوطات متعددة الصفحات
والأوراق، أما البرديات فهي لفافة قد
تكون طويلة أو قصيرة حسب الموضوع
المنفذ بها؛ لذلك فإن العمل في
البرديات ونشرها يختلف إلى حد كبير عن
نشر المخطوطات؛ لأن المخطوطة ربما
كانت نسخة أصلية كتبت بيد صاحبها أو
بيد تلميذه، أو ربما كتبت وقرئت على
مؤلفها، بينما الوثيقة البردية -رغم
أنها وثيقة مخطوطة لا تقل قيمة أو
أهمية عن قيمة المخطوطة- ربما كتبت بيد
كاتب متمرس يعمل في الديوان أو بيد
وتوقيع شخص عادي، وربما نفذت البردية
بأقلام متعددة، ونلاحظ ذلك في كتابة
العقود؛ حيث لوحظ وجود خطوط متعددة
ومتنوعة للشهود في نهاية العقد (زواج-
بيع- شراء- إيجار-عمل)، كما نلاحظ
أحيانا أن كتابة وجه البردية ربما تمت
بيد شخص يختلف عمن كتب الظهر مع اختلاف
موضوع الكتابة؛ ففي بعض الأحيان يصادف
الباحث أن موضوع الوجه عبارة عن عقد
بيع مثلا، ثم يلاحظ أن موضوع كتابة
الظهر عبارة عن خطاب شخصي يتعلق بأمور
مالية وسداد ديون وغيرها.
الصيانة
والترميم
*
في حالة الكشف عن لفائف أوراق البردي؛
ما هي أفضل الطرق للحفاظ على كلماتها
وحروفها من الطمس والضياع؟
في
أغلب الأحوال يتم العثور على وثائق
البرديات في لفائف محفوظة داخل جدار
فخارية أو صناديق، أو غيرها من وسائل
الحفظ؛ لأن البردي -كما هو معلوم- سهل
التقصف، ولا يتحمل الضغط الشديد؛ لذلك
فإن أولى المشكلات التي تواجه الباحث
عند نشره لنصوص البرديات العربية أنه
ربما يتعرض لدراسة بردية ما زالت على
شكل لفافة، وهي مشكلة تتطلب منه
الاستعانة بأهل الخبرة المتخصصين في
مجال الصيانة والترميم، وهي تحتاج
لصبر وتأنٍّ حتى يتم فرد اللفائف
وبسطها؛ ليتمكن الباحث من قراءة
النصوص؛ سواء تلك التي على الوجه أو
الظهر.
وهناك
عدة طرق لبسط اللفائف، منها طرق قديمة
لجأ إليها المستشرقون في الماضي، ومع
التقدم العلمي ظهرت طرق حديثة منها:
1-
يتم فرد لفائف البردي الجاف الذي تعرض
لعوامل طبيعية قاسية بواسطة رشه برذاذ
بعض المحاليل، مثل: محلول "كريوكس"
مخلوطا بالكحول الإيثيلي بنسبة 50%؛ حيث
يتم وضع لفائف البردي المندي برذاذ هذا
المحلول على ورق نشاف خال من الحموضة،
وبعد ذلك يتم فرد اللفافات بملقاط خاص
بحرص بالغ وصبر وتأن شديدين.
2-
وهناك طريقة لتقوية لفائف البردي الهش
أو المتهالك تتم بواسطة رش اللفائف
برذاذ خفيف من محلول "البيداكريل"
أو محلول "النايلون" السائل أو
محلول صمغ عربي وجلسرين وقطرات من
اليثمول.
والهدف
من هذه الطرق مساعدة الباحثين
والدراسين في قراءة النصوص بشكل واضح
ميسر وبطريقة متكاملة، مع المحافظة
على البردية للأجيال القادمة.
موضوعات
البرديات
*
ما أهم الموضوعات التي تضمنتها نصوص
البرديات العربية؟ وهل اقتصرت على
المكاتبات الحكومية والديوانية
الرسمية، أم أن هناك أيضا نصوصا تضمنت
مكاتبات بين الأفراد؟
تتعدد
موضوعات نصوص البرديات العربية
باعتبارها تغطي تقريبا جميع نواحي
الحياة في الدولة الإسلامية؛ فهناك
على سبيل المثال المكاتبات الديوانية
ورسائل الخلفاء والأمراء للولاة،
والخطابات الموجهة للعمال ورجال
الشرطة والقضاة، وإيصالات الجزية
والخراج، وهناك السِّيَر والمغازي
والعقود بشتى أنواعها بين مختلف
الأفراد (زواج- بيع- شراء- إيجار- عمل)،
والمكاتبات الشخصية للاطمئنان وطلب
الحوائج، وكشوف العمال والأجراء
والحرفيين والصناع والمزارعين
والتجار، وأيضا النصوص الأدبية من شعر
ونثر، وبعض أوراق مدون بها آيات من
القرآن الكريم وبعض الأحاديث النبوية
الشريفة، وغيرها كثير ومتنوع.
منهج
التصنيف
*
ما الأسلوب العملي والعلمي السليم
لتصنيف البرديات موضوعيا، بحيث يكفل
للباحثين الاطلاع عليها بسهولة ويسر؟
أشار
الدكتور "جروهمان" إلى بعض النقاط
المهمة في عملية تصنيف البرديات
العربية بصفة خاصة؛ فأوصى الباحثين
عند اختيارهم للنصوص عليهم أن ينتقوا
منها أهمها ليكون في مقدمة ما ينشر،
وأشار إلى ضرورة إعطاء النصوص الكاملة
حظها من العناية والتصنيف والنشر، مع
عدم إغفال القطع الصغيرة؛ حيث إنها لا
تقل قيمة أو أهمية عن النصوص الكاملة،
وغالبا ما تكون للقطعة الصغيرة أهمية
قصوى في إظهار تاريخ البردية أو إيضاح
حقيقة تاريخية أو حادثة معينة.
ومن
ناحية أخرى فإن بعض الباحثين قد أورد
في بعض دراساته منهجا ميسرا لعملية
تصنيف البرديات العربية، ويمكن
تلخيصها على النحو التالي:
1-
تجمع الوثائق المتصلة بالموضوع
الواحد؛ كالرسائل الديوانية،
ومكاتبات الخلفاء للولاة، والعمال،
وغيرها.
2-
ترتب الأوامر المؤرخة حسب الوقائع.
3-
مراعاة نشر الطرز أولا، وذلك لكونها
اللصق الأول في درج البردي.
4-
تلي الطرز النصوص القانونية، ثم
الوثائق التي تتضمن أعمال الإدارة، ثم
النصوص الاقتصادية والخطابات الخاصة،
ثم النصوص الأدبية.
5-
تجمع العقود -وخاصة عقود الزواج- في
مجموعة متكاملة؛ وذلك لأن موضوعاتها –وخاصة
الافتتاحية والخاتمة- تكاد تتشابه إلى
حدٍّ كبير، وجمعها في دراسة واحدة له
قيمته العلمية؛ لبيان مقادير الصداق
والمهور وغيرها.
6-
يجب مراعاة حصر الكشوف والسجلات
وإيصالات الجزية والخراج لما تحتويه
من معلومات وحسابات وأرقام مختلفة،
وجمعها في وحدة متكاملة يساعد على عمل
مقارنات للأموال المدفوعة أو المتجمعة
في فترة معينة.
7-
أحيانا يتم العثور على مجموعة من
البرديات في قرية أو مدينة معينة؛ مثل:
بردي "كوم إشقاو" و"بردي الفيوم"
و"بردي الأشمونين" وغيرها، وجميع
هذه النصوص تتعلق بأحوال هذه المدينة
أو القرية؛ خاصة مقادير الجزية
والخراج وأنواع الضرائب والمكوس
وأحوال المزارعين وبيت المال في فترة
زمنية معينة؛ لذا يوصى بجمعها في دراسة
متكاملة لتحقيق الاستفادة القصوى من
النشر.
8-
مراعاة إرفاق أجزاء البردية الواحدة
في دراسة متكاملة ووضع أجزائها داخل
إطار واحد للحفظ في الخزانات، وهذه
العملية تكون سهلة للباحث المتخصص؛
حيث تمكنه خبرته من إدراك أسلوب الكاتب
ونوع الورق إذا كانت البردية غير
مؤرخة، وفي هذه النقطة تجدر الإشارة
إلى أهمية ذكر الأجزاء الناقصة
للبردية، وخاصة تلك التي تسربت من مصر
وحفظت في مجموعات عالمية إذا توافرت
معلومات عنها؛ حتى يتسنى للباحثين
فيما بعد إكمال النصوص عن طريق التصوير...
إلخ، أو من خلال تبادل المعلومات
لمجموعات البردي العالمية داخل مصر
وخارجها.
خطوات
الفهرسة
*
ما المنهج العلمي لفهرسة البرديات
العربية، والخطوات الواجب اتباعها من
جانب الباحثين في هذا الصدد؟
لا
يوجد حتى اليوم سجل أو فهرس واحد متخصص
في حصر البرديات العربية في دولة
معينة، وكل ما تمَّ عمله حتى اليوم
إنما هو محاولات لنشر مجموعات مختارة
من النصوص البردية في مصر والنمسا
وألمانيا وإنجلترا وفرنسا وجمهورية
التشيك وغيرها؛ لذلك فإن فهرسة
البرديات تحتاج من الباحث إلى عدم
إغفال أدق التفاصيل في البردية
الواحدة؛ لأنها قد تساعد في كشف أمور
بالغة الأهمية عن أسلوب الكاتب ومكان
البردية وتاريخها وموضوعها، وغيرها من
المعلومات المهمة، ويمكن على سبيل
الإجمال ذكر عدة نقاط في منهج فهرسة
البرديات، وهي على النحو التالي:
1-
تحديد مقاس البردية: من حيث طولها
وعرضها أو حدود حافتها وجاذبيتها،
وذلك إذا فقدت البردية الشكل المألوف
من حيث الطول والعرض؛ فأحيانا نجد
البردية ممزقة من جانبيها وأطرافها،
وتقتضي الأمانة العلمية ذكر أبعادها
جميعا بشكل دقيق.
2-
لون البردية: عادة تختلف ألوان
البرديات؛ فمنها ذو اللون القاتم،
ومنها سمراء اللون، ومنها البني
والبني الغامق والفاتح، ومنها الصفراء
والبيضاء ... وغيرها.
3-
سمك البردية: يشار إلى كون البردية
سميكة أو رقيقة أو إلى نوع صقلها -صقل
ألياف الورقة- هل هي ناعمة أم خشنة؟ كما
يشار إلى عدد طيات البردية واسم الكاتب
إن وجد.
4-
الثقوب والتمزقات وحالة ألياف البردية:
يجب تحديد الثقوب والتمزقات في
البردية وتحديد أماكنها في المقدمة أو
في النهاية أو في أحد الجوانب، ثم
تحديد مقاسات هذه الثقوب والتمزقات.
5-
المداد ونوع الخط وعدد الأسطر أو
أجزاؤها: وهذه أمور مهمة؛ لأنها ربما
تساعد الباحث في معرفة كاتب البردية من
خلال أسلوب كتابته وخطوطه، ونوع الحبر
الذي يكتب به؛ فهناك أحبار سوداء
قاتمة، وأحبار فاتحة، وهناك نوع من
الخطوط السميكة، وخطوط أخرى دقيقة
ومتداخلة، وغالبية الكتابة على ورق
البردي كتبت بالخط اللين -الخط الحجازي
اللين أو خط التحرير المخفف-. أما عن
معرفة الأسطر الموجودة في البردية أو
أجزاء هذه الأسطر فإنها قد تساعد في
معرفة الأجزاء المكملة للبردية في
مجموعات أخرى عالمية.
6-
ذكر أول نص البردية وآخره: مثل
الافتتاحية والخاتمة، كما في عقود
الزواج والخطابات، وغيرها.
7-
ذكر موضوع البردية وتاريخها إذا كانت
موثقة: ويشار إلى تاريخها على وجه
التقريب إذا لم يستدل على تاريخ لها من
خلال أسلوب الكتابة ومقارنتها ببرديات
أخرى شبيهة تحمل تاريخا محددا؛ مثل:
برديات الوالي الأموي "قرة بن شريك
العبسي"، وبعض عقود الزواج التي عثر
عليها في منطقة "الأشمونين"،
وغيرها.
8-
يذكر مكان حفظ البردية ورقم سجلها
ومكان العثور عليها وحالتها وقت
اكتشافها واسم آخر شخص آلت إليه ملكية
البردية (متحف- جامعة- مكتبة- شخص معين)،
وغيرها.
9-
الإشارة إلى الأجزاء المكملة للبردية
داخل مصر وخارجها لإكمال النصوص إذا
توافرت معلومات للباحث.
10-
ضرورة ذكر اسم ناشر البردية إذا كان قد
تم نشرها من قبل، وإذا لم تكن منشورة من
قبل فيجب على الباحث ذكر من ساعده في
دراستها وتصويرها وقراءة نصوصها وكل
من أمدَّه بمعلومات حول البردية
المراد نشرها.
اقرأ
أيضًا:
اقرأ
دليل المواقع:
|