|
من
معايبنا أننا نخلط بين المعرفة
والثقافة، فنحن نعتبر التحصيل المعرفي
ثقافة، والحاصل على المعرفة مثقفا،
وهو رأي يحتاج في تقديري إلى مراجعة
شديدة.
إن
البعض قد تتاح له المعرفة، فهو يقرأ
ويشاهد ويستمع ويتعرف إلى الخبرات،
لكن ذلك كله يغيب في آرائه وتصرفاته،
في سلوكيات حياته اليومية، وفي علاقته
مع نفسه، ومع الآخرين.
المواطن
الذي يفيد من المعرفة في العمل
السياسي، إنما هو مواطن مثقف يفيد من
ثقافته في الانشغال بقضايا بلاده،
ربما جاء فعل السياسة محملاً
بالإيجابيات التي تسعى إلى الإضافة
والتطوير والتقدم، وربما اتسم
بالسلبية التي تُعنى بالانتهازية
وبتحقيق المكاسب الشخصية مقابلاً لسلب
مكاسب الآخرين.. لكن الفعل ينتسب في
الحالين إلى مثقف حاول أن يفيد مجتمعه
– أو نفسه – بما حصل عليه من مخزون
معرفي.
دور
المثقف في العمل السياسي لا يقتصر على
التأريخ للأحداث السياسية، أو
المشاركة في الأحداث السياسية
القائمة، لكنه يتجاوز ذلك إلى تحليل
التطورات، واستقرائها، ووصْل الحاضر
بالماضي واستشراف المستقبل، التنبؤ
بالأحداث ارتكازًا إلى استقراء أحداث
سابقة ومعاصرة، مهمة أولى للمشتغل
بالعمل السياسي وهو ينطلق في تلك
الرؤية الشاملة – كما أشرت – إلى
معرفة عميقة وفهم لتطورات الأحداث،
ووصْل النتائج بأسبابها.
دور
السياسي المثقف
والمفروض
أن مشاركة المثقفين في العمل السياسي
لا تعتمد على المهارة في الخطابة، ولا
إعداد البيانات، ولا محاولات الإثارة
والتهييج، بل ولا حتى النَّيل من
الخصوم بالمعايب الشخصية، إن مشاركة
المثقف ينبغي أن تصدر عن المعرفة
والفهم والإدراك؛ لتشرح وتوضح وتضيف
وتطور.
نحن
نلحظ – على سبيل المثال – أن العالم
الإنجليزي ج. هالدين لم يقصر اهتماماته
على العلم وحده، لكنه انشغل بالعمل
السياسي انطلاقًا من يقين بأن العلم
يجب أن يجعل حياة الناس قائمة على
الحرية والعدل والجمال، وعندما حدث
الغزو الثلاثي على مصر في 1956 قدم
هالدين استقالته من منصبه الجامعي،
وسافر إلى الهند، وطلب منحه الجنسية
الهندية، وقال: إن إنجلترا دولة مجرمة
منذ قامت بهذا الغزو، أنا لا أريد أن
أموت إنجليزيًّا، لكنني أريد أن أموت
حاملاً جنسية أكثر مدنية.
ولا
شك أن صورة المشتغل بالعمل السياسي في
العقود الأخيرة – على مستوى الأقطار
العربية – تختلف – إلى حد كبير – عن
الصورة التي ألفها مجتمعنا العربي
قديمًا.
لم
تكن القيادة ولا الجندية ولا السياسة
شأن المواطن العربي مهما تبلغ ثقافته،
قد يتاح له التعبير عن رأيه في قضايا
بلاده، لكنه لا يستطيع أن يؤطر تلك
الآراء في تنظيم، أو في تنظيم يتولى
قيادته على أقل تقدير، وحتى عندما أتيح
للمثقفين العرب أن يمارسوا العمل
السياسي فقد كانت القيادة دومًا
للطبقات العليا في المجتمع، تلك كانت
صورة المجتمع العربي إلى نهاية الفترة
العثمانية، وكان الحزب الوطني (حزب
مصطفى كامل عند قيامه في 1907) – رغم أن
معظم قياداته كانت تنتمي إلى طبقة
الأثرياء من المصريين- استثناء بين
الأحزاب التي أُنشئت في العام نفسه؛
حيث كانت قياداتها من طبقة
الرأسماليين والإقطاعيين.. وبلغت
المأساة حد تزعم النبيل "عباس حليم"
لحزب العمال المصري!.
إن
الهم السياسي، والفعل لسياسي بالتالي
تفرضه عدة عوامل مهمة: الحرية، وما
يتصل بها من أسس الديمقراطية، والحقوق
الطبيعية للإنسان، والتعامل مع كل
المواطنين باعتبارهم ينتسبون إلى وطن
واحد.
العامل
الاقتصادي وتأثيره البالغ على المواطن
في مراحل حياته المختلفة، وانعكاس ذلك
العامل – بصورة أشد – على المواطن
الذي أتيحت له فرص التعلم، فهو يعاني
التأثيرات، ويدرك بواعثها في الوقت
نفسه، بحيث إنه قد يجاوز الرأي إلى
الفعل، يعني أنه قد يشارك في بعض
التنظيمات السياسية، أو التي تعنى
بالسياسة كالأحزاب أو الهيئات الأهلية.
الكلمة
الأخيرة
المؤامرات
الاستعمارية على المنطقة، والتي بلغت
أقصى تجسيداتها في زرع الكيان
الصهيوني في قلب الوطن العربي.
إن
الأهداف المعلنة لدولة إسرائيل،
واتجاهها إلى التوسع، والسيطرة على
مقدرات المنطقة، تفرض على مواطني
المنطقة – بصرف النظر عن مستويات
تعليمهم، أو مخزونهم المعرفي أو حظهم
من الثقافة – أن ينشغلوا بأبعاد
الصراع العربي الصهيوني؛ لأنه لا يتصل
بمجرد الحق التاريخي ولا الجغرافي ولا
وجوب أن يمارس الشعب الفلسطيني
استقلاله على ترابه الوطني، وإنما هو
يتصل بالتطورات الآنية في المنطقة
واستشرافات المستقبل.. والصورة في
عمومها تطلب الوعي والتنبه والانشغال
بالأحداث السياسية في مستوياتها
المختلفة.
على
سبيل المثال، لقد فرضت القضية
الفلسطينية على المثقف العربي
والمواطن العربي بعامة، وعيًا
متناميًا بالقضايا المشتركة،
وبالمصير المشترك، في مواجهة التحديات
الاستعمارية التي كانت إسرائيل
تجسيدًا بشعًا لها.
وإلى
قيام إسرائيل بالاعتداء على كتيبة
مصرية في سيناء عقب قيام ثورة 1952 بعام
واحد، كانت الشعارات المعلنة يغيب
عنها الحس القومي، مثل: الاتحاد
والنظام والعمل، والتعاون، وغيرها.. ثم
كان ذلك الحدث إنذارًا مؤكدًا بالخطر
القابع وراء الحدود، ومن ثم بدأت عملية
البحث عن السلاح، التي اصطدمت بغطرسة
أمريكية، انتهت باللجوء إلى الاتحاد
السوفييتي (سابقًا)، وما تلا ذلك من سحب
أمريكا عرضها بالإسهام في بناء السد
العالي، وأحداث العدوان الثلاثي،
وغيرها.
وبالطبع،
فثمة عوامل أخرى فرضتها العولمة،
وثورة الاتصالات، وثورة المعلومات
وتقدم العلم، والتكنولوجيا، تحول
العالم إلى ما يشبه القرية الصغيرة،
والواحدة. إن ورقة السياسة تختلط
بأوراق كثيرة، بل إنها تدخل في نسيج
حياتنا اليومية. السياسة هي الواقع
الذي نحياه، حتى الرياضة لها صلة مؤكدة
بالسياسة، ولعلنا نذكر أن الرياضة هي
التي أعادت العلاقات بين الصين
والولايات المتحدة، بعد أعوام طويلة
من العداء.
ونطرح
السؤال: هل أصبح شبابنا المثقف أشد
ابتعادًا عن السياسة، قياسًا إلى ما
كانت عليه الأحوال منذ بضعة عقود؟ هل
يشي منع التنظيمات السياسية غير
المعلنة، ومنع المظاهرات والإضرابات
بغياب اشتراك الشباب المثقف في العمل
السياسي؟
في
مصر، كانت هناك تنظيمات القمصان
الزرق، والقمصان الخضر، والعشرات من
التنظيمات المعلنة والسرية التي
استوعبت في أنشطتها شبابًا مثقفًا من
الجنسين، وكانت انتخابات الاتحادات
الطلابية في الجامعات تعبيرًا عن ذلك
كله، ثمة تيار إسلامي وتيار ماركسي
وتيار ليبرالي... إلخ، ولكل تيار أنصاره
وخصومه.
والحق
أن اتهام شباب الجيل الحالي بعدم
الجدية، تنقصه المبررات الموضوعية،
إنه يقرأ في السياسة، ويناقش القضايا
السياسية، ويحلم لنفسه وللوطن، ويعيب
على الحكومة بعض تصرفاتها، ويأخذ على
الأحزاب بعض اتجاهاتها.. لكن ذلك كله
يظل في حدود السلب، لا يتجاوز إلى
الإيجابية التي يحققها بالفعل.
إن
فعل السياسة مرتهن بإرادة أخرى غير
إرادة الشباب، إنها إرادة السلطة التي
تهب الحدود وتقرر المسموح والممنوع؛
فبعد أن كانت المظاهرات ظاهرة مألوفة
في حياتنا، انعندمت الظاهرة، أو
تلاشت، في ظل تسمية القلة المنحرفة،
والتي تشمل كل من يحاول أن يجاهر برأيه
على أي نحو، وشُغل العام الدراسي
جميعًا بالمقررات، وبالامتحانات،
وحظر النشاط السياسي عن الأسر
الجامعية بصورة معلنة أو مضمرة.. المهم
ألا تشهد الجامعات نشاطًا سياسيًا من
أي نوع، ولنا أن نستعيد المظاهرات التي
كانت تهتف بسقوط الاستعمار والملك
وأحزاب الأقلية، ونقارن بين ما كان
عليه الحال، وما أصبح عليه الآن.
أخيرًا،
لعله يجدر بي أن أذكر بقول أستاذ
الاقتصاد الأمريكي "كينيث جالبريث":
إن التقدم العلمي والصناعي ليس وحده
الدليل على تقدم المجتمع، فالتقدم
الفني والثقافي مهم أيضا، والمثقفون
هم الذين يقولون الكلمة الأخيرة عن
تقدم هذا المجتمع أو ذاك.
اقرأ
أيضًا:
|