|
عرفت
الحركة الإسلامية المصرية الفنون في
وقت مبكر في الأربعينيات، عندما قدم
الأستاذ "عبد الرحمن البنَّا"
عددًا من المسرحيات الشعرية على مسرح
الأوبرا، لكن تلك البدايات المبشرة لم
يكتب لها أن تستمر نظرًا للظروف
السياسية المعروفة، ونظرًا لقلة
اهتمام القطاع الأكبر من الحركة
بالفنون التي ظلت جزءاً هامشيًّا في
الوعي والفعل.
وفي
هذا المقال أقدم "حكاية" الفنون
في إطار الحركة الإسلامية منذ أواخر
السبعينيات كما عايشتها، وهذه مجرد
محاولة بريئة لرسم معالم صورة الفنون،
مارستها من موقع النظارة والمتفرجين،
لا من موقع الممارسين المنخرطين.
السبعينيات:
الفنون من ثقب إبرة!
انخرطت
في صفوف الحركة الإسلامية منذ أواخر
السبعينيات وبالتحديد عام 1978، قبل ذلك
كنت شابًّا عاديًّا لي هواياتي
واهتماماتي والتي كان من بينها تذوق
الفنون بمختلف ألوانها، ولكن الأمر لم
يكن يتعدى عندي مجرد التذوق والإحساس
بالفن الجميل كلامًا ولحنًا ورسمًا.
وفي
فترة التحول الأولى قررت قطع الصلة بكل
الهوايات السابقة - ومنها الرسم
والتصوير الفوتوغرافي وتذوق الغناء
والموسيقى؛ حيث كانت الانطلاقة الأولى
في التدين خليطًا يغلب عليه الأفكار
السلفية التي تهتم من الإسلام بالهدي
الظاهر، وتستنكر وتحرم مثل هذه
الأمور، فهي ليست في نظرها إلا لونًا
من اللهو والعبث المنهي عنه، وعلى
الأقل فهي من إضاعة الوقت والجهد
المنهي عنه، أو من الترف والسَّرف
والسفه.
ومضى
الحال على ذلك خاصة في السنين الأولى
بالجامعة - التي التحقت بها عام 1979 -
التي كانت خليطًا من التيارات يغلب
عليه تلك الأفكار. لكنني كنت لا أزال -
ولو بخيط رفيع - أرتبط بهذه الفنون
الجميلة؛ حيث شاعت في تلك الفترة وما
تلاها وحتى أواسط الثمانينيات أناشيد
"أبو مازن" التي كانت النافذة أو
ثقب الإبرة الوحيد المتاح في تلك
الفترة على عالم الفنون، وتميزت تلك
الأناشيد بالشعر الجميل الذي كتبه
الكثير من شعراء الحركة الإسلامية،
والتي أداها أبو مازن بصوته الجميل،
ولكنها كانت بطبيعتها تدور في موضوع
واحد هو "هموم الحركة الإسلامية"،
وبالطبع لم يكن لها جمهور إلا أبناء
الحركة أو بالأحرى بعضهم.
الثمانينيات:
الأجنة المبتسرة!
وفي
عقد الثمانينيات عادت الحياة لتدب في
أوصال الحركة الإسلامية الطلابية - بعد
اعتقالات السادات لمعارضيه بكافة
تياراتهم في سبتمبر 1981 - وكانت الأصوات
السلفية والجهادية الزاعقة قد خفتت في
ساحات الجامعة، في تلك الفترة ظهر جيل
جديد من شرائط الأناشيد الحماسية
والتي كانت في الغالب عبارة عن مجموعة
من الأناشيد لمجموعات من الطلاب
الفلسطينيين في دول الخليج المختلفة
وفي الأردن، فظهرت أناشيد الرابطة،
والفجر، وصلاح الدين،… وغيرها، والتي
كانت تحمل أشعار شعراء الحركة
الإسلامية أيضًا، ولكن اختلفت نكهة
الموضوعات لتعلو فيها نبرة الآمال
بدلاً من الهموم، وذلك توافقًا مع
المرحلة التي كانت تمر بها الحركة
آنذاك، والتي كانت تشهد مرحلة من
الصعود في كل من مصر وفلسطين بصفة خاصة.
في
تلك الفترة أيضًا ظهرت روافد فنية
جديدة، الرافد الأول منها هو تجربة
مجموعة من طلاب كلية الهندسة جامعة
القاهرة في المسرح؛ حيث قدّموا
مسرحيات مقتبسة للكاتب المسرحي
الأستاذ "علي سالم" (كوكب الفئران)،
والشاعر "فاروق جويدة" "دماء
على أستار الكعبة" على مسرح
الجامعة، ودخلوا بها المسابقة
الجامعية للأعمال الفنية المسرحية
ولاقوا نجاحًا في تلك المسابقات.
الرافد
الثاني: في تلك الفترة بدأ في الجوامع
والشوارع، وتمثل في بعض أناشيد
الأفراح والتي كانت كلماتها في الغالب
ذات مصدر من اثنين: إما كلمات من الآثار
الباقية من زمن الرسول - صلى الله عليه
وسلم - والصحابة - رضوان الله عليهم -،
ربما عجزًا عن كتابة أشعار تحمل معاني
الفرح والمرح بعيدًا عن المعاني
السياسية الممثل الشرعي والوحيد
للموضوعات الشعرية لدى الحركة
الإسلامية.
وإما
أغاني من تلك الموجودة في الساحة
الغنائية العادية والتي كانت ينظر
إليها باستهجان واستنكار، ومن ثَم تم
تحريف كلماتها وتحويرها لتصبح
إسلامية، وكانت الفكرة الكامنة وراء
هذا الفعل هي فكرة "تقديم البديل
الإسلامي"، ولعل أشهر الأمثلة
وأكثرها فكاهة في ذلك والتي يحفظها
الكثيرون ممن عايشوا تلك الفترة هو
نموذج أغنية "لولاكي" الشهيرة
للمطرب "علي حميدة"، والتي تم
استبدال كلماتها من: لولاكي لولا لولا
لولا، لتصبح: إسلامي عالي عالي عالي،
مع الاحتفاظ باللحن المميز نفسه
للأغنية الأصلية.
التسعينيات:
أجنة الوعي
خلال
ذلك العقد استمرت التجربة المسرحية
التي اتخذت من مسرح نقابة المهندسين
بالقاهرة مكاناً لها متبلورة في شكل
فرقة "مسرح الغد"، والتي قدمت
عددًا آخر من العروض كانت ثلاثة منها
مقتبسة، وهي" أغنية ع الممر" و"شقلبة"
و"فانتوم"، وعرض واحد مؤلف من قبل
أحد أعضاء الفرقة وهو "حلم الحرافيش"،
ولكن غلب على هذه العروض المواضيع
السياسية، ورغم ذلك فقد أشاد بها بعض
النقاد الذين شهدوها كإحدى التجارب
المسرحية الناجحة في إطار الهواية.
أما
في مجال الغناء فقد شهدت هذه الفترة
شيئين:
*
تبلور
حركة أغاني الأفراح في صورة عدد من
الفرق الغنائية التي قدمت بعض
النصوص المعدلة على أغاني الأفراح
التراثية، وبعض النصوص الأخرى
الجديدة.
*
أدى ذلك إلى اتساع رقعة الجدل حول
الموسيقى التي كانت حتى ذلك العقد
غائبة عن الغناء، وهو الجدل الذي قدم
فيه الدكتور "يوسف القرضاوي"
بحثًا فقهيًّا يحسمه في كتابه "ملامح
المجتمع المسلم الذي ننشده"، وتزامن
ذلك مع صدور كتاب للدكتور "محمد
عمارة" بعنوان "الإسلام والفنون
الجميلة"، والذي يسير في الاتجاه
نفسه.
وحتى
ذلك الوقت كنت لا زلت أشعر بالحرج تجاه
استعمال الموسيقى أو سماعها، فلم أكن
قد قرأت قبل بحث الدكتور القرضاوي
شيئًا يحسم المسألة، ولم أكن معنيًّا
في الحقيقة بالبحث في ذلك، لكنني
اضطررت للقراءة جيدًا في الموضوع
عندما تسلمت مسؤولية إحدى الشركات
الوليدة التي كان من المفترض أن تخوض
المجال الغنائي الفني الإسلامي،
مستهدفة مخاطبة قطاع الشباب بما
يناسبهم، ولكن التجربة لم يكتب لها
الاستمرار.
وأذكر
جيدًا في تلك الفترة أنني كنت أذهب
لمشاهدة تدريب إحدى الفرق الإسلامية
التي خاضت تلك التجربة مبكرًا بشجاعة
وهي فرقة شروق، والتي أنتجت شريط: "أفراح
وورود"، في تلك الفترة كنت أجلس وأنا
في حالة من الدهشة الشديدة من نفسي ومن
هؤلاء الأخوة الذين يجلس أحدهم ليعزف
على الأورج، بينما يقوم الباقي بأداء
التمارين لأغانيهم الجديدة، وكم كان
غريبًا عليّ أكثر أن أصاحبهم إلى أحد
إستوديوهات تسجيل الأغاني في منطقة
المقطم بالقاهرة، وهي الأجواء
والأماكن التي لم أكن أتخيل يومًا أنني
سأخوضها أو أدخلها.
ورغم
أن البحث الذي كتبه الدكتور "القرضاوي"
كان كافيًا من وجهة نظري لحسم المسألة
لصالح الإباحة، ولم أعد أتوقف عند بحث
المسألة كثيرًا، رغم ذلك فإنه قد ظل
هناك تردد وتحرج شديدين بين صفوف
الحركة في استعمال الموسيقى، وهو
الأمر الذي كنت ولا زلت أراه مستغربًا،
لماذا لا نأخذ المبادرة؟ لماذا لا يكون
لدينا الشجاعة في الرجوع عن مواقفنا
الخاطئة إذا تبين لنا خطؤها؟ هل نخشى
أصحاب الآراء الأخرى وهم من ذوي
التلميحات الموجعة التي تسقط أهلية من
يفعل تلك الأمور الموسيقية الشائنة؟!!
هذا
الموقف المتردد أراه يفسّر لنا مثلاً
لجوء مطرب مشهور مثل "إيمان البحر
درويش" عندما أراد أن يعود لحظيرة
التدين، وأراد أن يقدم أعمالاً تتوافق
مع توجهاته الجديدة، فقام بطبع شريطه
الأخير في نسختين: إحداهما بالموسيقى،
والأخرى من غير موسيقى، وتلك الأخيرة
كانت هي الوحيدة المتاحة في معرض
القاهرة الدولي للكتاب، وذلك لعلمه -
ربما - أن الجمهور المتدين يفضل
الأغاني من غير موسيقى.
وفي
المقابل بدأت بعض الفرق - أمثال شروق
ومن قبله إنتاج شركة سفير - في كسر طوق
ذلك التردد على استحياء، ثم بدأ ذلك
الأمر يسري شيئًا فشيئًا ويتطور من
مستوى الهواية إلى مستوى الاحتراف.
خلال
ذلك العقد أيضًا بدأ إيمان بعض أفراد
الحركة بأهمية الفنون يدفع ببعضهم إلى
سلوك باب الدراسة والاحتراف، بداية
بدراسة الإخراج السينمائي مرورًا
بالموسيقى والغناء في كلية التربية
الموسيقية وفي معهد الموسيقى العربية،
وانتهاء بالنقد الفني. وقد خاض بعض
هؤلاء العمل الفني المحترف في مجاله،
وظل البعض الآخر منعزلاً بدرجة أو
بأخرى.
ملامح
على وجه الحكاية
*
غابت الفنون التشكيلية بصورة تكاد
تكون كاملة عن مسيرة الحكاية، وإن كانت
هناك بعض المواهب التي عملت في إطار
بعض شركات الإعلان أو الطباعة والنشر
وغيرها، إلا أنها بقيت محصورة في هذا
الإطار الوظيفي، وكذلك وجود بعض
فنّاني الكاريكاتير الذين عملوا في
الصحافة الإسلامية والمعارضة، والذين
لم يحس بهم أحد أيضًا في إطار الحركة
الفنية رغم موهبة البعض البادية
للعيان للسبب نفسه، وهو حصرهم أنفسهم
في الإطار الوظيفي.
*
رغم التطور في مجال الغناء والموسيقى
الذي طال بعض الفرق وأدى إلى ظهور
إنتاج راق على مستوى عال من الحرفية في
جميع عناصره، من كلمات وموسيقى،
وتسجيل، وحتى إخراج غلاف شريط الكاسيت
- مثال ذلك شريط "مدينة السلام"
لفريق الوعد ولفريق الجيل، فإن تلك
الفرق - المتطورة منها وغير المتطورة -
ظلت محصورة في إطار موضوعين لا ثالث
لهما وكأنهما ثنائية قطبية: الأول:
موضوع فلسطين والجهاد والمقاومة.
وثانيهما: موضوع الأفراح والليالي
الملاح. كما أنها ظلت محصورة
جماهيريًّا في إطار الحركة والدوائر
الصغيرة المحيطة بها، ولم تستطع أن
تخرج إلى الجماهير العريضة في الشارع
المصري بتنويعاته السنية والثقافية.
*
توقف نمو التجربة المسرحية بعد غياب
مسرح نقابة المهندسين، فلم تقدم إلا
عرضًا واحدًا جديدًا وأخير هو: "لا
تُصالح"، كما ظلت التجربة كذلك
محصورة في جمهور الحركة الإسلامية.
*
لم تدرك كوادر الحركة الفنية أهمية
التطوير في الموضوعات التي يتم
تناولها في كافة مجالات الفنون،
وضرورة اتساع نطاق تلك الموضوعات
لتشمل كافة تقلبات الحياة الاجتماعية
والثقافية، كما حدث وأدركت - أو على
الأقل شريحة منها - أهمية التطوير في
الشكل والتقنيات الفنية.
*
كذلك لم تدرك أهمية الالتقاء الدائم
والدوري للمنخرطين في التجربة بكافة
تجلياتها للتشاور وتبادل الخبرات،
سواء على المستوى المحلي أو غير
المحلي، وأهمية ألا تكون تلك اللقاءات
مجرد محفل لتبادل التهاني على النجاح
المتخيل، بل لتبادل النقد البناء،
وذلك من أجل المزيد من تطوير التجربة
ونضجها وانتشارها.
*
لا نستطيع أن نصف الحركة الفنية في
إطار الحركة الإسلامية بأنها تجربة
جماهيرية، فهي لا تعدو حتى الآن أن
تكون تجربة فئوية محدودة الأفق من
ناحية الموضوع والجمهور، وإن تطورت
كثيرًا من ناحية الشكل.
*
على الحركة الإسلامية أن تدرك أهمية
الرقي بالذوق العام، وحيوية نشر قيمة
الإحساس بالجمال، ودور هذا وذاك في
تحجيم ظاهرة العنف في كافة مناحي
حياتنا والتي يشهدها المجتمع.
*
من المهم ملاحظة ومقارنة الحركة
الفنية داخل الإطار، والحركة الفنية
العامة خارجه، فرغم عدم جماهيرية
الأولى فإنها - خاصة في تجلياتها
الأخيرة - تتميز بالرقي في المعاني وفي
طريقة تناولها، ولا تقل حرفية عما هو
موجود بالسوق بل قد تزيد. أما الأخيرة
فرغم حرفيتها العالية في أغلب
الأحيان، فإنها تظل محصورة في موضوعين
أيضًا موضوع الحب، وحب المرأة بصفة
خاصة، وهو الغالب الأعم، والموضوعات
الوطنية أحيانًا وفي المناسبات، مع
إسفاف بعضها وابتذالها سواء في المجال
الغنائي أو المسرحي.
بعض
أناشيد الصحوة :
|