|
لا
أدّعي أنني من فطاحل اللغة وليس ذلك
لي، ولا أنتمي ولا حتى لآخر صفوف
فقهائها، بل لعلي أجهل الكتّاب
والصحفيين العرب اليوم بقواعد اللغة
العربية، والفضل والشكر يعود في ذلك
لمناهج اللغة العربية بالغة التطّور
والإمتاع، ولأساتذتنا _ رحم الله
أكثرهم _ من الذين أسهموا وبفعالية
عجيبة في تصعيد كراهيتنا للقواعد
والصرف والنحو والنحت إلى درجة
اضطررت معها إلى دخول كلية العلوم
الطبيعية في حينها؛ هربًا من قسم
اللغة الذي لم يبق أحد في دمشق إلا
ونصحني بدخوله، بسبب ما كنت أبديه إذ
ذاك من نجابة في فنون الندب والهجاء
وسباب الحكومات خاصة، وإحراز علامات
تامة في مادة اللغة العربية ينقصها
دومًا العلامات الأربع الخاصة
بالقواعد.
وقد
بلغ الأمر بالوالدة أن استعانت عليّ
بالأصدقاء والمعارف من جهابذة
المجتمع المدني الدمشقي، وأنا صامدة
متصدية مُصِرَّة على عدم دراسة
الإعراب والصرف ومهما كلف الأمر، ولم
يبق إلا صدور مرسوم تشريعي يُرغم
الأَمَة الفقيرة _ بفتح الهمز _ على
الانتساب إلى كلية أنا اليوم نادمة كل
الندم على ذلك العناد الذي حرمني من
منافعها خاصة فيما يتعلق بالكتابة في
"الشرق" حيث المصححون ساهرون
والمدققون اللغويون مرابطون لفضيحة
كتّاب الأعمدة والمقالات من أمثالي.
ولكن
تلك الكراهية العميقة لقواعد اللغة
العربية والتي ترعرعت في نفسي _ وانظر
ترعرعت هذه _ لم يكن من الممكن
مقارنتها في حال من الأحوال بكل مشاعر
الرفض والتقزز والنبذ والإنكار
والنفور التي ملأت فؤادي وأنا أستمع
إلى أحدهم في إحدى الفضائيات
العربية، وهو يعطي تقريرًا سياسيًّا
إخباريًّا باللهجة المحلية، والتي
تكاد تنهدّ لسماعها في ذلك المحل
الأعصابُ، وتنفجر صمامات السمع
وتتمزق مخاطيات الأمعاء الغليظة!
كان
ذلك الشيء تقريرا إخباريا كاملا
بلهجة مقززة منفرة تضرب عُرض الحائط
بآداب اللياقة والذوق والأدب، فإذا
كانت مختلف الفضائيات العربية قد
استوردت من أحد البلدان العربية دماه
الملونة _ ومن الجنسين _ لتقديم عروض
تسلية يومية تغيظ بها قبح أشكالنا
التي اعتدنا على رؤيتها يوميًّا في
المرآة كل صباح ومساء، وإذا سمحت هذه
الفضائيات لهؤلاء البشر أن يرطنوا في
آذاننا ليلا ونهارا بلسان من سمّاهم
أستاذنا "حافظ الشيخ" بني
كسروان، يكسرون الكلام ثم يمزقونه
بأنيابهم فيسحقون الطاء لتصبح تاء،
والظاء فتصبح زايًا، ويهمسون بالعين
والغين بطريقة تعافها حتى تلك النفوس
التي تعاف دراسة القواعد، ويلوون عنق
الكلمات، ويدقون عظام الألفاظ،
ويسمون الجامع الأزهر _بفتح الهمزة
لمن لا يعرف! _ بالجامع الأزهر _بضم
الهمزة والهاء _ ثم تعود .."الفتاة
العارضة " التي تقدم برنامج
مسابقات ثقافية، للتأكد فتقول الجامع
الأزهر _ بكسر الهمزة والهاء _!! وإذا
كانت فضائياتنا القومية تسمح
باستفحال هذه الحال في حصصها
الصباحية والمسائية، فإن ذلك لا يعني
أن يتجرأ الكسروانيون على كسر خاطر
المستمع الذي يجد نفسه في حَيْصَ
بَيْصَ وهو لا يفهم من قول القوم ولا
ما يرطنون به شيئًا، أما إن كان
هُمامًا _ بضم الهاء_ فما عليه إلا أن
يلجأ لمنظمة "اللنغويستيكو"
يسألها: ما إذا كان لهذه اللغة من
مراجع في مكتباتها الموثقة، إلا أن
السؤال يعود إلينا وهو حسير: أن هذه
ليست لغة، إنها لهجة عادية وبسيطة من
لهجات ديار الشام، ككل لهجاتها
المتعددة التي تمنح الحياة تنوعًا
وحيوية، لولا أن فئة معاصرة منشقة من
أبنائها تأبى إلا أن تطعن اللغة
العربية في صدرها، وقد قامت برفع
عقيرتها تريد أن تستقّل بهذه اللهجة،
معتبرة إياها لغة منفصلة، ولئن كانت
كذلك.. فلقد نحتتها من لغتنا التي لا
تموت ولن تموت؛ لأنها لغة مقدسة حيّة
فعالة جميلة قوية متطورة جذابة
لمّاعة.
ولئن
كان للأمازيخ لغة خاصة لا يفهمون
سواها بسبب استفحال الأمية بين صفوف
قبائلهم، مما يضطر فضائيات المغرب
العربي إلى تخصيص بعض الحصص
التلفزيونية لهم بلغتهم لتثقيفهم
وإعلامهم بأمور حياتهم، وإسكات تلك
الأصوات الانفصالية التي لا تدري
أبعاد الخطورة الهائلة التي تترصد
البلاد والعباد بسبب هاتيك الدعوات
المدعومة جملة وتفصيلا من قِبَل "أوربة
فَرِّقْ تَسُدْ"، فما ذنبنا نحن
حتى نضطر إلى احتمال أن يخرج علينا
مراسل صحفي في فضائية عربية تبث من
أحد بلاد الطوق الصامدة والمتحدية
ليملي علينا _المراسل _ تقريرا
إخباريا عن أحوال الفلسطينيين في
الأراضي المحتلة وفي أول أيام
الانتفاضة، ليقول لنا في آخره: "وهيك
حتدل الحال لحتّا تشوف الأومام
الموتحدّيي شوو ممكن تعمّال "
...."من أراديي السلتة الفلستينيّة
كان معكم.. طنوس بن فسفوس.. لبرنامج
الأخبار المنحوس".
|