|
لا
أفقه كثيراً في الأدب – شعره ونثره –
سوى أنّ لي حاسة أتذوّق بها ما تجود
به، أو تجيده قرائح أعلام وأسماء،
فأَطرب لشعر تمتزج فيه موهبة بخيال،
قد يستران سويًّا بعض إسفاف وإخلال،
وأُعرض عن نظم لا يفلح صاحبه في إثارة
الإحساس بالجمال، حتى ولو ابتغى به
معنى جميلاً.
أمّا
اصطناع مواطن الإبداع للحمل على
التذوّق والإعجاب في قصيدة تعجز عن أن
تبين عن نفسها، فذاك صنيع أقرب إلى
تقديم قرابين" الولاء منه إلى صنعة
نقد، تبرز المفاتن أو تكشف عن مواطن
الإخلال، وإن كان الجمال يأنس أكثر
بنظرات ولَهٍ وإعجاب تُختلس، يستغنى
بها عن وصف يُساق، أو مديح يُكال.
ومع
ذلك لن أخوض في البناء الفنّي في
قصيدة الشاعر الكبير-محمود درويش-
الأخيرة،- و التي نُشرت بصحيفة "
القدس العربي "بتاريخ 2-3 ديسمبر 2000
تحت عنوان"القربان "-فذاك أمر لا
أستطيعه ولا أخبر خباياه، ولكنّه لا
يمنعني من أن أبدي إحساساً لا أقوى
على دفعه، و لم أتكلّفه، يحول بيني
وبين إعجاب بها يغمر الجوانح، أو نشوة
تتملّكني، ولا تفارقني.
فما
أحسب مثل هذا النوع من الشعر يحتمل
مثل عبارات:
"
المذبح الحجري، والهباء المعدني،
وأيقونة الحائرين، وزينة الساهرين،
ونجارون موهوبون، يا استعارتنا،
الفارغون النائمون، حطام الأبجديّة،
بين الروح والجسد المقدّس، همزة
الوصل الخفيفة! كن ميّتاً حيّاً
وحيّاً ميتاً، أرجوانيّ الخريطة،
مجالك الحيويّ!".
إنّ
مثل هذه العبارات يأنف منها ذوق
مبتدئ، فضلاً عن صاحب ملَكَة مقتدر،
وقد لا أرتضيها في بناء نثري أتقصّد
لسياقه نغمات معيّنة، فضلاً عن نصّ
شعري يعتمد الإيقاع المتقطّع السريع.
إنّه
انطباع لا يضير الشاعر الكبير في شيء،
أرجو أن يتقبّله، وما خضت فيه إلا
عرضاً، لكنّ الذي استوقفني في
القصيدة هو ذاك النفس الغريب الذي طغى
عليها، وشوّه معاني لها تُرتجى، وما
أحسب أطفال الحجارة يحتفون بها، أو
يعدّونها تكريماً لجهاد أسبغت عليه
بدائل توحي معانيها بتخلّفهم عن
قوافل طالما تشوّقوا للالتحاق بها،
وأضحى بلوغها نشيداً يترنّم به من لم
يبلغ الحلم.
ما
معنى أن تتكرّر ألفاظ "الصلب" و"الكهانة"
و"التطهير"، بل ما معنى أن تُنظم
قصيدة يُنتقى لها عنوان متخم
بالإيحاءات؟ لماذا عدل الشاعر الكبير
عن مصطلح يتغنّى به وبدلالاته من
يتقدّم الصفوف، ويبغي اللحاق سريعاً
بعصافير الجنان.
لو
جاءت لفظة عَرَضا هنا أو هناك لما
لفتت انتباه أحد، لكن أن يتكرّر
بعضها، أو أن يتعدّد الإطلاق حتى يغشى
القصيدة كلّها أو جلّها، فلا ينبغي أن
يُلام قارئ على هواجس تنتابه،
يبرّرها ما سبق.
يبدأ
الشاعر القصيدة بالمقطع التالي:
هيّا..
تقدّم أنت وحدك، أنت وحدك
حولك
الكهّان ينتظرون أمر الله، فاصعد
أيها
القربان نحو المذبح الحجري، يا كبش
الفداء-
فداؤنا...واصعد قويّاً...
ولا
يكتفي الشاعر بعد ذلك "بصنع الصليب"،
بل يمسّكه للمنتفِض:
"فخذ
صليبك وارتفع فوق الثريّا " لكي
يمنحه غير ذلك الوسام الذي يسعى إليه:
" أيّها القربان .. فلا قربان غيرك
".
ولا
يرضى منه بعد ذلك غير البقاء مصلوباً،
للتعبير – ربما – عن الرغبة في
استمرار الانتفاضة، وهو معنى كان
يمكنه الرمز إليه بغير هذا التكرار
المملّ لألفاظ بعينها:
"
لست منّا إن نزلت
و
قلت: لي جسد يعذّبني على خشب
الصليب..".
اقرأ
أيضًا:
|