|
منظمة
المؤتمر الإسلامي وحوار الحضارات
أحمد
أبو حسن زرد-باحث في الشؤون السياسية
يُشكِّل
حوار الحضارات أحد الاهتمامات الإنسانية
في عصر العولمة؛ حيث تُعقَد الندوات
والمؤتمرات على كافة المستويات المحلية
والإقليمية والدولية لاستشراف المستقبل
بشأن هذه المسألة، والبحث بصفة أساسية عن
القواسم المشتركة بين الحضارات
الإنسانية؛ وذلك من أجل احتواء كل العوامل
التي قد تفضي إلى حدوث صراع حضاري قد تكون
له عواقبه الوخيمة على مسيرة التقدم
الإنساني.
وامتد
الاهتمام بهذه المسألة إلى نطاق المنظمات
الإقليمية والدولية؛ حيث أعلنت الأمم
المتحدة بمبادرة إيرانية -بوصفها الرئيس
الحالي لمنظمة المؤتمر الإسلامي- عام 2001
عامًا لحوار الحضارات، وطلبت المنظمة
الدولية من أعضائها تقديم رؤيتها حول هذا
الموضوع الذي يمس أمن واستقرار المجتمع
الدولي.
ومنذ
عام (1997) دعت منظمة المؤتمر الإسلامي في
بياناتها وقراراتها إلى إجراء حوار بين
الإسلام والغرب، وذلك ردًّا على مقولة
صِدام الحضارات التي أطلقها "صمويل
هينتنجتون" في صيف عام (1993)، والتي خلص
فيها إلى القول بأنه بعد انتهاء الحرب
الباردة؛ فإن الصراعات المستقبلية سوف
تركز على معايير ودوافع ثقافية وحضارية،
وأن الصراع على وجه التحديد سيكون بين
الحضارة الغربية من ناحية، وتحالف إسلامي
كونفوشي من ناحية أخرى؛ وأيضًا بين
الحضارة الغربية، ومجموعة الحضارات
الأخرى الهندوسية والبوذية واليابانية،
وحضارة أمريكا اللاتينية؛ أي إن المستقبل
سيشهد مواجهةً بين الغرب وبقية العالم،
وبعد ثلاث سنوات من مقالته الشهيرة أصدر
كتابًا بعنوان "صراع الحضارات إعادة
صنع النظام الدولي" انتهى فيه إلى القول
بأن صِدام الحضارات هو الخطر الأكثر
تهديدًا للسلام العالمي، وأن الضمان
الأكيد ضد حرب عالمية هو نظام عالمي يقوم
على الحضارات.
وعمومًا فقد حسمت منظمة المؤتمر الإسلامي
الأمر، ونصَّت في ميثاقها على أن أحد
أهدافها الأساسية هو "إيجاد المناخ
الملائم لتعزيز التعاون والتفاهم
الدوليين"، كذلك ردَّت القمة الإسلامية
الثامنة ديسمبر (1997) على المزاعم التي
تُصوِّر الإسلام على أنه يشكل تهديدًا
للعلم، وأكدت "أن الحضارة الإسلامية
تقوم بشكل ثابت عبر التاريخ على التعايش
السِّلْمي والتعاون والتفاهم المُتبادَل
بين الحضارات، وكذلك على التحاور
البنَّاء مع الديانات والأفكار الأخرى".
والأمر الذي لا ريب فيه أن ما ورد في بيان
قمة طهران الإسلامية له جذوره وأصوله في
التاريخ الإسلامي؛ ففي ذروة الفتوحات
الإسلامية (632-750م) كانت هناك علاقات سلمية
بين الدولة العباسية وبيزنطة، وحدثت صلات
وثيقة بين "أكس لاشابيل" عاصمة "شارلمان"
ملك الفرنج وبين بغداد عاصمة الرشيد.
وبعد
انتهاء الحروب الصليبية أُبرِمت معاهدات
الصداقة والتحالف بين السلطان المملوكي
"الأشرف خليل" سلطان مصر وسوريا و"دون
جيم" ملك الأرجون Argon، والتي نصت على أن
يكون الأخير صديقًا للأشرف خليل وعدوًّا
لأعدائه، ثم توثقت العلاقات الدبلوماسية
بين السلطان المملوكي وعدد من الدول
الأوروبية، وخُلِّد وصول أول سفير "لفينيسيا"
في لوحة زيتية في مدرسة "بلليني"،
وتُوجَد في الوقت الحالي في متحف "اللوفر"،
ووصل أول سفير من لويس الثاني عشر إلى مصر
في 25 من مارس (1512)، وتكونت البعثة
الدبلوماسية من (50) شخصًا. وسُجِّلَت هذه
الوقائع من قِبَل المؤرخ المملوكي "ابن
إياس" و"جان سينود" عضو البعثة
الفرنسية، كما جسدت العلاقات السلم بصورة
فعلية فعندما أبرم السلطان سليمان
القانوني معاهدة عام (1535م) مع ملك فرنسا
"فرنسيس الأول" أرست لعلاقات تعاون
سلمي بين الجانبين.
وشهدت
العلاقات بين الدول الإسلامية وغيرها منذ
أوائل القرن العشرين تطورًا ملحوظًا نحو
المزيد من التعاون والتحاور؛ حيث كان من
الواضح وجود انسجام مع النظام القانوني
الدولي سواء في عهد العصبة أو في ظل نظام
الأمم المتحدة؛ إذ تساهم الدول الإسلامية
("56" دولةً تمثل (30%) من مجموع أعضاء
المنظمة الدولية) مع غيرها في إرساء قواعد
القانون الدولي والنظام الدولي الجديد.
ومن
ثم، فإن التعاون والتفاهم والتعايش هي
سمات أساسية للعلاقات الخارجية الإسلامية
ليس هذا فحسب، بل إنَّه لا توجد صعوبات في
العمل مع كافة الأطراف الدولية لتطوير
قواعد القانون الدولي ووضع أسس نظام دولي
جديد أكثر عدلاً واستقرارًا ويحظى
بالقَبول من الجميع.
وبعد،
فإن الموقف الثابت لمنظمة المؤتمر
الإسلامي الداعم لحوار الحضارات يدحض
المزاعم والافتراءات التي تحاول وصف
الإسلام بالخطر القادم، كما أن هذا الموقف
يساهم بصورة أو بأخرى في بلورة رؤية
إسلامية جماعية لأسس وركائز الحوار
المنشود عبر إطار تنظيمي موحد فيه كل
الاتجاهات والأفكار والمذاهب وهو ما
يُقلِّل من هامش الاختلاف مع بداية
فعاليات الحوار الشامل في العام القادم،
والأمل كبير في التوصل إلى وثيقة دولية
ملزمة تكرس قيم التسامح والتعايش السلمي
بين البشرية جمعاء.
|