|
أنات
تحت أنياب الحصار
أيمن
الحمد
كان
بعمر الورد، أحلامه لم تتجاوز سقف البيت
بعد، دنياه تنحصر بين ابتسامة أمه وطبق
المهلبية الساخن، لم يعرف طعم العناء،
فكل طلباته أوامر، ولا أحد يستطيع
رفض أحكامه العسكرية القاطعة، فالكل
يحبه ويطلب منه الود؛ لذا كان أطفال
القرية يغبطونه على ما فيه من نعيم، وكان
الجد أحيانًا يحذر أمه من فرط دلالها له،
فجأة كل شيء تغيرت ملامحه، فقد ساد البيت
جو من الوجوم والاكتئاب، كل الذي فهمه
أن هنالك حربًا وشيكة، والجميع مشغولون
بها عنه، لقد بات يمقت اسم الحرب؛ فهي
تسرق منه عالمه الخاص، لا أحد يبادله
اللعب كالسابق، وأطباق المهلبية
انخفضت أعدادها إلى حد العدم، وبات
الناس يعشقون أجهزة الإذاعة والتلفاز رغم
الفزع الذي تلقيه في نفوسهم، والجميع
يسمعون الأحاديث الروتينية نفسها عن قسوة
الغرباء الذين توافدوا كالجراد إلى الأرض
المقدسة، وبالتالي كانوا يتحدثون عن
أساليبهم ونواياهم، لكنه لم يعبأ بكل
هذا؛ فهو لم يرتكب ذنبًا؛ ليشن الآخرون
حربًا عليه، ويحرموه من متعة العيش ضمن
عالمه الخاص وفي قريته الآمنة.
لقد
زادت تحرشات أصحاب الوجوه الغريبة بأصحاب
الأرض الأصليين، وبدأ الناس يتحدثون
عن حرب قادمة وعن اقتراب موعد هذه الحرب،
هكذا كان الجد يقول ….، أما هو فلم يكن
يفهم شيئًا مما يجري سوى أن حدثًا ما أثر
على عالمه الخاص به، وحرمه الكثير
من امتيازاته ..، لقد تغير مزاج من
حوله؛ لدرجة أن أمه صفعته عندما ألحّ في
طلب المهلبية، ووصفه أخوه محمد بالغبي
الذي لا يعرف شيئًا، ولا يُقِّدر خطورة ما
يجري، كل ذلك لم يكن يعنيه؛ لأنه لم
يشارك في حرب قط، ولم يعلنها على أحد، والمنطق
لديه يقول: إن من الظلم أن يقع ضحية قرارات
لم يتخذها أو يشارك فيها، لكن أحدًا لم
يستمع لآرائه؛ لأنه أصغر من أن يُقدر
حدثًا وشيكًا بحجم الحرب؛ كما تقول الأم.
كان
الجميع في القرية يتحلقون حول جهاز
الراديو الضخم الذي يملكه "مختار
القرية"، أما الجد القابع في زاوية
البيت فقد أخذ يقلب مفتاح موجات المذياع
بتوتر، خصوصًا أن الغرباء قاموا بقتل عدد
كبير من الأبرياء في القرى المجاورة
والمتاخمة لقريتهم "قرية الزيتون"،
لم ينم أحد تلك الليلة، حتى هو بقي
مستيقظًا ينتظر لحظة الصدام مع الغرباء،
الجدة من حوله كانت تبكي وتُرتل ما
حفظته من آيات قرآنية، وأمه أخذته في
حضنها وتمتمت بكلمات لم يفهم فحواها؛ لكنه
كان يستشعر ارتجاف أطرافها وهي تمسح على
رأسه وتكرر عبارة كانت بالنسبة له بمثابة
اللغز : " الأيام حبلى يا ولدي"، ….
لقد كانت يدها الحانية وأنفاسها الزَّكية
تعيد له بعض الاعتبار بعد الإهمال الذي
لقيه بسبب الأحداث التي قلبت حياته رأسًا
على عقب.
لم
يستطع مقاومة النُّعاس، فغطَّ في نوم
عميق، وفجأة استيقظ من نومه على ضجيج
مخيف، نظر حوله بقلق، من يفسر له ما
يجري؟ .. أخيرًا عرف السر؛ إنه صوت الرصاص،
هذا ما قاله الأب وهو يسارع إلى إغلاق
النوافذ، كان الصوت عاليًا ويبعث على
الرعب…، والأرض بدت وكأنها غاضبة
عليه، ماذا هناك؟ هل بدأت حرب الشيطان
التي كنت تتحدث عنها يا جدي؟ لا تقلق يا
محمد، قال الأب باضطراب، لم تكن كلمات
الأب لتُزيل مخاوفه أو لتمنع هدير
الدبابات التي تتصرف بحمق، وتكاد تفجر
الصدور بما فيها من آهات ومخاوف، لم
تمض تلك الليلة بسلام؛ فقد سقط صاروخ
بجانب بيته، ضرب على مركز القرية مما
سبب اهتزازًا شديدًا للبيت، لقد شعر
لحظة سقوط الصاروخ بأن الحياة باتت في
عينه ضيقة كثقب الإبرة.
في
الصباح كانت الحياة قد دبت من جديد في
أوصاله، لكنه لم ينس ليلة أمس المرعبة،
وكان كلما اقترب المساء فَقَدَ
أعصابه، فهو لا يريد أن تتكرر مأساة
الأمس …. ورغم تكهنات الجد الذي قال له: إن
الحرب ستبدأ بعيدًا في الجنوب، وإنها
ستتحول إلى حرب برية ننتصر بها خصوصًا بعد
دخول القوات العربية لإنقاذ الموقف
وإيقاف الغرباء عند حدهم؛ إلا أن هذا لم
يُزل الفزع من نفسه، فقد فكّر كثيراً،
وبعد طول عناء وصل إلى نتيجة مفادها؛
إن الحرب إذا ما وقعت فلن تنهي مخاوفه
وقلقه؛ فربما تحصد روح "محمد" أخيه
الأكبر، أو أن تعوقه إلى الأبد؛ تمامًا
مثل "خالد" جارهم الذي يجلس أمام بيته
يوميًّا ليرسم على الأرض ذكريات رصاصة
أطلقها أحد المعتدين، فحولت حياته إلى
حياة مريرة، وإلى إنسان عاجز.
تكرر
المشهد المشؤوم، الدبابات الغازية مدتها
تجاوزت الأربعين يومًا، فهي في كل ليلة
تصب جام غضبها على المدينة التي لفها
الغمام الأسود، أمام هذا المشهد
اليومي فقدت كلمات الطمأنة التي يطلقها
الأب بين الحين والآخر مصداقيتها، لدرجة
أصبحت كل الأمور فيما بعد لديه اعتيادية؛
حتى الخبز اليابس الذي أُجبر على تناوله
منذ ستة شهور ونيف بات أمرًا لا بد منه.
بعد
طول ترقب وانتظار رفعت الحرب أوزارها، لكن
الجيوش العربية لم تستطع أن تطرد الغزاة،
أو أن تضع لهم حدًّا، ومنذ تلك اللحظة
التي احتل بها الأعداء القرية وحاصروها؛
أصبح الحصار في ذهنه أشد وطأة من الحرب،
بل تحول مع الوقت إلى حكم بالفناء لشعب
بأكمله، لقد أجبر الأعداء العائلة
المُسالمة إلى اللجوء إلى مخيم بعيد
هربًا من القتل، وبات الجميع أسرى مخيم
يفتقر إلى مقومات الحياة والكرامة، هكذا
فقد الآلاف بيوتهم في لحظة، وأصبحوا
معرضين للإبادة ؛ هكذا قال الأستاذ في
مدرسته التي تشققت جدرانها بفعل
الاعتداءات المتتالية، ولم يكن ترميمها
لوجود الأولويات الأخرى كالغذاء، لقد
باتت الحياة صعبة للغاية ولا أمل لرفع
الحصار عن المخيم مع طول الوقت، والملل
استشرى في النفوس، ولم يعد هناك شيء
يستحق الحياة في نظره؛ الجد والجدة
توفاهما الله، والأب بات مشغولاً
بالعمل الإضافي بعد الظهر، ومحمد
الشقيق الأكبر سافر إلى أمريكا بعد أن
نفاه العدو وخيروه بين السجن أو السفر إلى
أمريكا؛ فاختار طلب اللجوء الإنساني إلى
حيث لا يُعرف له عنوان؛ ليس في الأفق أي
أمل، هذا ما عبر عنه الأب بعد طول يأس
في أثناء حواره مع الأم ليلاً.
مضت
سبع سنوات على الاحتلال والحصار دون أن
يُرفع، والأمل في رفعه بات معدومًا،
وأعباء الاحتلال والحصار ناءت بها عائلته
التي لم تعد تجد ما يقيتها في كثير من
الأحيان، والأنكى من ذلك هو ما أصابه
من سوء تغذية وهو الابن الأصغر والأغلى ؛
وما رافق ذلك من أثر على صحته بشكل مباشر
….، لا بد من اتخاذ قرار عائلي حاسم لا يقل
أهمية عن قرار الحرب الذي لم يقرره أحدهم،
كان الجميع في البيت يبحثون عن التغيير
بعد ما ألمَّ بهم من ويلات، لا بد من مخرج،
هذا ما شغل تفكير الأب طوال الأيام
السالفة . لقد جلس الجميع بانتظار أمر من
نوع ما، انتهى أخيرًا إلى أن أصدر الأب
قرارًا حاسمًا في نهاية الأمر، لا بد
من الفرار، لكن إلى أين قالت الأم
بذهول …، لم يجب أحد لتوسلاتها، فكان
القرار من الأب حاسمًا: سنذهب إلى أوروبا،
لكن: كيف؟، ومتى؟، والبيت والأولاد؟،
كلها أسئلة طرحتها الأم ولم تجد لها
آذانًا صاغية عند الأب الذي أنهكته سنوات
الاحتلال البغيض والحصار اليومي على
الفكر والخبز، توسلت لديه طويلا، لكنه
أصر؛ لا مناقشة فقد أخذت القرار، قال الأب
بتوتر وأضاف: سنسافر عبر الحدود إلى دولة
مجاورة، ومن ثم سنسير باتجاه أوروبا، كل
شيء بات مرتبًا، فقد جلبت أجوزة السفر
المزورة للولد، بالإضافة إلى جواز سفر لي
ولك، لا تقلقي يا زوجتي فقد آن الأوان
للخروج من المأزق الذي يحيط بنا، لا
تتوسلي ليس هناك مجال للنقاش، لقد بعت
البيت وحاجياته وغدًا سوف ننطلق، لقد
تحدث الجميع عن حل لقضيتنا ولا أرى بصيصًا
للنور لقد ذهبت قريتنا في ليل بهيم،
وتحولنا إلى سكان مخيمات ينهشنا
الجوع والمرض، إننا نشعر كل يوم
بالمهانة، وعندما تطلبنا الجيوش
للتحرير سأكون أول المبادرين، لكن
يبدو أن الأمور عُلقت الآن إلى أجل غير
مسمى.
قضت
الأم تلك الليلة تبكي بمرارة، لكنها
استسلمت في النهاية للقرار الصعب، وحصل
ما أراد الأب، فقد خرج الجميع من البيت
في ليلة مظلمة بعد أن باعوا البيت والأثاث
بسعر بخس، كان الطريق باتجاه أوروبا
شاقًّا للغاية، فالسير على الأقدام
لعدة أيام، والتعرف على المهربين وتلبية
مطالبهم والتفاهم معهم في كل محطة تصل
إليها العائلة كان أمرًا صعبًا في ديار
الغربة.
بعد
أشهر من المعاناة ارتسمت على وجه الأب
ابتسامة صفراء، أخيرًا سنضع حدًا
للمرارة والتشرد والجوع، غدًا عند الفجر
سيحملنا القارب نحو أوروبا؛ حيث سنطلب حق
اللجوء الإنساني ونُمزق وثائق الاحتلال
لنبدأ حياة جديدة، لن نتشرد هناك
سيأخذنا الأوروبيون إلى مخيمات اللاجئين،
وبعد أشهر سيتم إعطاؤنا إقامة وسكنًا،
هكذا أخذ الأب يعبر عن أحلامه التي
أوشك أن يبزغ فجرها بعد طول عناء وانتظار.
في
الصباح الباكر حمل القارب العائلة باتجاه
أوروبا الحلم، ولأول مرة شاهد ومن معه
البحر المُطل على أوروبا التي لم تسلم هي
الأخرى من الحرب الضروس؛ فرغم ما سمعه عن
البحر؛ كانت المرة الأولى التي يراه فيها
بشكل طبيعي، ورغم جماله الفتان فإنه
كان يستشعر أن البحر هو الآخر يحاصره؛
وبدا وكأنه يفر من حصار إلى حصار. كان الأب
يستشعر في هذه الأثناء نهاية المأساة، على
حين لم تخف الأم مخاوفها المستمرة وشكوكها
حول سلامة النتيجة؛ لم يبق الكثير
فالوقائع توحي بنهاية المأساة التي
جسدتها الأحداث السياسية والعسكرية التي
ألقتْ بظلالها على كافة جوانب الحياة؛ هذا
ما كان يردده بعض المتحاورين على ظهر
القارب .
مضت
ثلاث ليال والقارب الذي أقلَّ العائلة
يسير ببطء وحذر، متجنبًا خفر السواحل
بالقرب من كل دولة يمكن أن يمر بمحاذاة
مياهها الإقليمية، لم يبق الكثير ليلة
واحدة تفصلنا عن الشواطئ الأوروبية
الآمنة، هذا ما كان الأب يكرره
باستمرار طوال الليل. كانت الرحلة صعبة
والتعب قد استبد بالجميع على ظهر القارب
الذي يقل فارين باتجاه الأمان؛ لقد نام
الجميع في القارب المكتظ بالعائلات
الفارة نحو الخبز الأبيض والحرية الخضراء
.
استيقظ
مذعورًا على صراخ الركاب، الجميع
مرتبكون، ماذا هناك ؟ صاح متسائلاً،
أجابت الأم بفزع: القارب يكاد يغرق،
لقد كانت الأمواج العاتية تتلاعب بالقارب
كأنه ريشة في مهب الريح، لم يستطع أن
يفكر في شيء سوى بيت شعر تردد في خاطره آن
ذاك:
ما
كل ما يتمنى المرء يدركه تجري
الرياح بما لا تشتهي السفن.
كان الحدث والواقع أكبر من طاقة الموجودين
على ظهر القارب، ولا أحد يمكنه إيقاف
العاصفة التي كانت أكبر من آمال المحاصرين
بالنجاة.
كان
الأمل يحدو الجميع على ظهر القارب بالنجاة
؛ حيث كابدوا لساعات طويلة محاولين
مقاومة العاصفة التي انتهت بقلب قاربهم
رأسًا على عقب، كل الأحلام تبخرت
والأماني ذابت كما ذابت معاني الأوطان عند
المعذبين؛ لم ينج من العاصفة إلا هو؛ لقد
وجد نفسه ممددًا على أحد الشواطئ
الأوروبية وبجانبه جثة أمه وأبيه، لقد
كان المشهد الذي يتكرر يوميًّا أكبر من
قدرته على التعبير أو الوصف، لقد انتهى
الجميع وتبددت أحلام الأب بتأمين طبق
المهلبية له بعد أن حرمه الحصار منه، لم
يمض وقت طويل حتى جاء رجال لينتشلوا الجثث
وليحملوه إلى أحد المخيمات الخاصة
باللاجئين.
في
المخيم كان أول شيء قدم له طبق من
المهلبية، قذفه بعد تناوله مباشرة،
حاول طبيب المخيم عبثًا إعطاءه
الدواء، لكن المرض كان قد استفحل في
جسده النحيل، لم يكن يشتهي أي شيء، وعندما
سأله أحدهم في المخيم عن شيء يطلبه، أجاب
بصوت مرتجف: لا أريد طبقًا من المهلبية بل
أريد طبق كرامة، ولم يمض وقت طويل حتى
سلم الروح إلى بارئها، وعندما فتش
المسؤولون في المخيم ثيابه لعلهم يتعرفون
على هويته لم يجدوا سوى ورقة كتبها معلم في
مدرسته واحتفظ فيها بسر ما !! جاء فيها: "ليس
الوطن إلا ذلك الإنسان الذي يعيش فيه".
|