 |
|
الزواج رباط مقدس وعلى الطرفين احترامه
|
لم
يكن حال المرأة في الجاهلية قبل
الإسلام يمت للإنسانية بكبير صلة،
فكثيرًا ما شملت المهانة كل
جوانب حياتها كأنثى، ومن تلك
المهانات أنواع الزواج المنتشرة
في ذلك الزمان والتي ذكرتها
السيدة عائشة رضي الله عنها في
حديث معروف، فمنها نكاح
الاستبضاع: يرسل الرجل زوجته إلى
رجل آخر رغبة في نجابة الولد،
ونكاح السفاح: يجتمع الرهط ما دون
العشرة فيدخلون على المرأة كلهم
يصيبها فإذا حملت أرسلت إلى
أحدهم فتسمي ابنها باسمه فيلحق
به ولدها، ونكاح البغايا: يجتمع
الكثيرون فيدخلون على المرأة
فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها
دعوا لهم كافة ثم ألحقوا ولدها
بالذي يرون فالتحق به؛ إضافة إلى
أنواع أخرى كنكاح الشغار وهو أن
يقول الرجل زوجني ابنتك أو أختك
وأزوجك ابنتي أو أختي دون مهر سوى
هذه المبادلة، ونكاح المتعة إلى
أجل معلوم، ونكاح المخادنة وهي
المصاحبة لرجل واحد، ونكاح المقت
وهو أن يخلف ابن الرجل امرأة أبيه
فيتزوجها بعد وفاته، وقد حرّم
الإسلام كل هذه الأنواع وأبقى
نكاح الإحصان.
نظرة
دونية
خلال
المسيرة الزمنية للمجتمعات
العربية المسلمة فقدت هذه
المجتمعات كثيرًا من خصائصها
الأخلاقية؛ لأسباب وعوامل عديدة
منها أن كثيرًا من الرجال لم
يتخلوا عن نظرتهم الدونية للمرأة
من حيث إنها أداة للاستمتاع فحسب،
يُستنتج ذلك من الاستغراق في
التمتع بالجواري والسرائر وحتى
الحرائر بطلاق واحدة وزواج أخرى؛
وإذا كان الإسلام لم يحرم
استرقاق الأسرى؛ لأنه كان
مناسبًا لمرحلة زمنية معينة
ومتعارفًا عليه بين الدول
المتحاربة، فإن كثيرًا من الآيات
والأحاديث حضت على العتق، والقصد
من وضع هذا العامل في المرتبة
الأولى بين عوامل انهيار الأخلاق
الإسلامية هو الإشارة إلى خطأ
الذات قبل اتهام الغير؛ لأنه من
عادة الذات أن تبرئ نفسها من
التهم وتسقطها على غيرها، سواء
كانت ذاتًا فردية أم مجتمعية،
والحقيقة التي لا ينكرها عاقل أن
العامل الذاتي في بقاء الأمم
واستمرار الحضارات هو العامل
الأهم، ولقد تميزت الحضارة
الإسلامية بقيامها على العدل
والإحسان في كل المستويات - ومنه
العدل بين الزوجات والرفق
بالقوارير.
وعندما
تخلى المسلمون عن هذه الميزة
الحضارية فقد سمحوا للعوامل
الغيرية بالتكاثر ونخر الجسد
الواحد، ولقد كان من الأفكار
الثقافية الغازية التي جاءت مع
الاستعمار فكرة اقتصار الرجل على
امرأة واحدة داخل مؤسسة الزواج،
وهي فكرة مثالية لكنها ليست
واقعية؛ لأن الرجل ليس كالمرأة
في الموضوع الجنسي، وهذا حكم عام
قد يكون له استثناءات، ولكن
الاستثناء لا يقاس عليه، وأحكام
الإسلام لم تأتِ من أجل بعض
الرجال ولا من أجل بعض النساء، بل
أتت مناسبة للأغلبية، أما في
الغرب فالحرية الجنسية الموجودة
حاليًّا هي الدليل الأقوى على
خطأ فرْض الطبيعة المثالية على
جميع الرجال داخل الحياة الزوجية.
ويكفي
أن نذكر فرانسوا متيران -لكنه ليس
المثال الوحيد أبدًا- وكيف عذرته
زوجته في حبه للفتيات الصغيرات
ومغازلته لهن فقالت: (ليس من عادة
الرجل الفرنسي أن يكتفي بامرأة
واحدة)، والمهم في الأمر أنه
بمجرد انفلات الرجال من قيود
الزواج انفلتت النساء، وكان لهذا
آثاره المدمرة في ازدياد عدد
أطفال الشوارع وانتشار ظاهرة
الأمهات العازبات (اللائي
أنْجَبْنَ من الزنا)، وتهدم
مؤسسة الزواج، واستغناء الرجل
والمرأة عن الأولاد بالقطط
والكلاب، واستغناء كل منهما عن
الجنس الآخر بالجنس المماثل
ووضوح ظاهرة الزواج المثلي.
وقد
قرأنا مؤخرًا أن كنيسة الفاتيكان
في حيرة: هل تجيز الكنائس التي
تبرم عقود زواج المثليين أم لا؟
والسبب الأساسي لكل هذا الانحدار
هو التعالي على الفطرة التي خلق
الله الناس عليها "وليس الذكر
كالأنثى"، وقد سارت بعض البلاد
العربية على هذا النهج الغربي في
تحريم تعدد الزوجات فمن وجده
رجال الشرطة مع امرأة غير زوجته
اعتقلوه بسبب مخالفته للقوانين
إلا إذا أخبرهم بأنها خليلة
وليست حليلة.
ليس
هذا الكلام تشجيعًا على تعدد
الزوجات، خاصة أن القليل من
الرجال من يتقي الله في زوجاته
ويعدل بينهن، وقد أوردت جريدة
الوطن السعودية "خبرًا عن
امرأة ترصدت لزوجها وطعنته
بالسكين في ليلة زفافه على أخرى"،
فالغيرة أمر طبيعي في النساء،
لكن ليس كل النساء مجرمات، كما أن
حلول المشكلات الأسرية لا تكون
بمشكلة أخرى.
الحلال
والواجب
والمشكلة
الأساسية برأيي هو الخلل في فهم
درجة الأحكام الشرعية بين المباح
والحلال من جهة وبين المندوب
والواجب من جهة أخرى، فيُفهم
تعدد الزوجات في بعض البيئات على
أنه أمر دعت إليه الشريعة وحثت
عليه وأوجبته ونصت عليه، مع أن
الإسلام لم يحض على التعدد بل
حدده بأربع نسوة وجعل شرطه العدل،
وعلى النقيض من الإفراط نجد من
يفرِّط في تعدد الزوجات فيعتبره
ملغى، وذلك نتيجة الفهم المغلوط
لبعض الآيات مثل: "ولن
تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء
ولو حرصتم"، "فإن لم تعدلوا
فواحدة"، فيُستنتج أن شرط
العدل غائب في كل الأحوال،
وبالتالي فإن التعدد يجب أن
يُلغى، وهذا التفريط أدى إلى
انتشار الزواج العرفي في الدول
التي منعت تعدد الزوجات وإلى
انتشار زواج المسيار في دول
الخليج ومنها السعودية، وابتكار
أشكال أخرى لزواج المتعة مثل
الزواج السياحي.
وقد
ساقت "جريدة الوطن السعودية"
مؤخرًا، خبرًا عن بعض الرجال
السعوديين الذين وقعوا ضحية
الاحتيال في إندونيسيا بعد أن
جذبهم الإعلان عن زواج المسيار
من إندونيسية بكر فائقة الجمال
بسعر "منافس"، فإذا بالعروس
تتبخر بمجرد الخروج من المكتب
الذي تم فيه العقد، وتتبخر معها
فلوس السعودي الذي أفتى لنفسه أو
أفتاه غيره بأن هذا الشكل من
الزواج هو زواج حلال، وكأن
الميثاق الغليظ -كما وصف الله
رباط الزواج المقدس- ليس أكثر من
ورقة وبضعة ريالات.
الزواج
بين المسيار والعرفي
كان
رأي بعض الفقهاء في زواج المسيار
أنه حلال ما دامت قد توافرت أركان
النكاح الشرعية مثل تراضي
الطرفين ووجود ولي للمرأة وشهادة
الشهود والمهر والصيغة الدالة
على النكاح، وتغاضى أغلب هؤلاء
الفقهاء عن شرط أساسي في صحة
الزواج وهو الإشهار، وأسباب
المسيار إما خوف الرجل من الزوجة
الأولى، أو خوف المطلقة من
طليقها أن يسلبها أولادها إذا
تزوجت بغيره فتلجأ إلى الزواج
السري، وقد يكون لا هذا ولا ذاك،
بل هو رغبة الرجل والمرأة في
الاستمتاع بحياة زوجية دون قيود
القوامة وفروض المسئولية؛ ولكن
هذا الزواج كثيرًا ما ينكشف
بمجرد وجود الأولاد؛ لذا يتأخر
بعض الرجال في تسجيل أبنائهم
خشية افتضاح أمرهم، كما حصل لأحد
الرجال المشغولين بأعمالهم
عندما نقلت إحدى الزوجتين ابنها
إلى مدرسة أخرى فالتقى بأخيه
الذي يحمل نفس اسم أبيه، وتابعت
الزوجة الذكية الموضوع، واكتشفت
السر بعد أكثر من عشر سنوات، وكما
تقول الحكمة: "كل خفي لا بد أن
يظهر".
مع
ذلك فإن المسيار الذي يسجل في
المحاكم أفضل من الزواج العرفي
الذي ينتشر في مصر خاصة بين طلاب
وطالبات الجامعات، وقد دافعت عنه
الكاتبة صافيناز كاظم -وهي من
اللواتي توجّهن توجهًا
إسلاميًّا بعد كبر السن- في إحدى
حلقات برنامج الحياة على قناة
دريم بأنه زواج شرعي فمن ناحية
ولي الأمر لا يشترط المذهب
الحنفي ذلك، واستشهدت بما كان
يحدث بين زملائها وزميلاتها في
منتصف القرن الميلادي الماضي؛ إذ
كانوا يعلمون أن هذه الطالبة
زوجة ذلك الطالب بإغمائها أثناء
المحاضرة، وكيف كان الطالب الشهم
أول الراكضين باتجاه تلك الطالبة
لمساعدتها ومساندتها، لكن
السيدة كاظم نسيت أن الشهامة
التي تتكلم عنها انتهت في
مجتمعاتنا بعد غزو القنوات
الفضائية، وما تشعله من رغبات
جنسية محمومة في الشباب والشابات
على السواء.
حالات
واقعية
وساعدت
هواتف الصداقة التي عُرفت قبل
الإنترنت، على إرضاء الغريزة
سماعيًّا، ثم انتقل ذلك إلى
الواقع الافتراضي على الإنترنت،
ثم إلى الواقع الحقيقي فلا شهامة
ولا يحزنون، وأكبر دليل ذلك
الشاب المصري الذي كان يتلبّس
الزي الدعوي وكيف أنكر أبوته
لطفلة كانت ثمرة زواجه العرفي من
شابة مثقفة، وهذا مثال معروف.
أما
المثال المتكرر فهو عندما تنتهي
العلاقة بين الاثنين لسبب ما،
وتبقى الفتاة معلقة لا تعرف أهي
زوجته أم لا، فكل ما بينهما ورقة
وشهادة زميلين، وقد حدثتني أخت
مصرية عن الأزمة التي مرت بها
بسبب ذلك؛ إذ تم عقدها على رجل
آخر دون أن يطلقها الأول، ولم
تستطع أن تدع زوجها يقربها قبل أن
تعترف له بماضيها، وكان الرجل
متفهمًا -على حد تعبيرها- فبحث
معها عن الشاب الأول حتى طلقها
ومزق كلاهما الورقة التي ربطت
بينهما.
وأما
الحادثة الأشد ألمًا فهي حالة
رجل عربي تزوج عرفيًّا؛ لأن
زوجته لم تنجب له أكثر من ولدين،
وهو يرغب بالمزيد من الأولاد،
وعندما حاول أن يصارحها بزواجه
هددته بطلب الطلاق لمجرد الفكرة،
فلم يجرؤ على إخبارها بأن الفأس
وقع في الرأس، كي لا يكون سببًا
في خراب بيته وخسارة أولاده ولا
في طلاق الجديدة التي لا ذنب لها
سوى أنها بلغت الثلاثين دون زواج
فقفزت في القطار قبل أن يفوتها،
لكن المفارقة أنه كان يدفع
نقودًا للأولى من أجل أن تحمل،
بينما يدفع نقودًا للأخرى من أجل
أن تسقط حملها، وهي قصة تصلح
فيلمًا سينمائيًّا، لكنها حقيقة
من حقائق مجتمعاتنا العربية
الضائعة بين التقليد والتغريب
إلى أجل غير مسمى.
اقرأ
أيضا:
**
طبيبة وكاتبة ومستشارة اجتماعية، يمكنك التواصل معها عبر البريد الالكتروني للصفحة:
adam@iolteam.com
|