 |
|
حافظة نقود متحركة..مسمى قد يطلق على من يتخلى عن أدواره الأسرية |
لا
يختلف اثنان على أهمية تولي الزوج
مسئولية الإنفاق على أسرته، وهو
أحد أسباب قوامة الرجال على
النساء ويعده الكثيرون والكثيرات
من صفات الرجولة الحقة وأحد
المؤشرات الهامة على اهتمام الرجل
بعائلته. ولكن الملاحظ منذ سنوات
طالت أكثر مما ينبغي اكتفاء نسبة
مخيفة من الرجال بدور الممول
لطلبات أسرته المادية ولسان حال
الواحد منهم يصرخ: لا أحد يطالبني
بما يزيد عن الإنفاق وكفاني ما
ألقاه من متاعب بشعة في مجال عملي
ولا أحد يعرف كم الصعوبات التي
تواجهني لكي أحصل على المال
اللازم لإعاشة أسرتي وطلباتهم
المتزايدة والتي لا يوجد لها سقف
تنتهي عنده، بل أقسم بأنني كلما
قمت بتلبية بعضها تضاعفت هذه
الطلبات، ولا يشعر أحد بالجحيم
الذي أعيش فيه، ولذا فإنني غير
مطالب بما هو أكثر من الإنفاق.
الزوجات
السبب
ونهدئ
من روع كل الرجال ونطمئنهم بأننا
لا نطالبهم بالمزيد من الأعباء
بقدر ما ندعوهم برفق ولين لرؤية
الخسائر الفادحة التي تعود عليهم
من جراء الاكتفاء بدور الممول
وحرمان أنفسهم وأفراد أسرتهم من
أدوار الزوج والأب بل والصديق
المقرب أيضا لكل من الزوجة
والأبناء.
ونعترف
بأن بعض الزوجات وراء هروب الزوج
من هذه الأدوار، ويرغبن في حصره في
دائرة الممول ويجاهدن لإغلاق هذه
الدائرة عليه وعدم السماح له
بالقفز خارجها، مما يعود بالخسائر
على الجميع الذين يعانون من
افتقاد واضح للدفء الأسري وتناقص
ما يحصلون عليه جميعا من الإشباع
العاطفي وهو الوقود الذي لا غنى
عنه لترطيب جفاف الحياة وشحن
الطاقات النفسية والذهنية
لمواجهة الضغوط اليومية بأفضل ما
يمكن وبتقليص امتصاصنا السلبي
لهذه الضغوط ومنعها من قيادة
حياتنا بعيدا عن سيطرتنا حتى لا
نقع أسرى للغضب وفرائس سهلة للنكد
واعتلال المزاج وتوابعهما
الكريهة.
فالزوج
الذي يكتفي بدور الممول تنسحب من
داخله تدريجيا مشاعر الود تجاه
زوجته وأحيانا تجاه أولاده أيضا
ويحس بأنهم يحاولون عصره ليقدم
لهم أفضل عطاء مادي ممكن، كما صرح
لي العديد من الرجال الغاضبين،
وأنه لا يوجد أحد سواء الزوجة أو
الأولاد يتفضل عليه بالتوقف
للسؤال عما يريده هذا الرجل، وقد
تناسى أن من يتنازل طواعية عن
صلاحياته وامتيازاته وحقوقه لا
يحق له أن يشكو من فقدانها فضلا عن
استيلاء الآخرين عليها.
وأسمع
صيحات الاستنكار بأن هذا يصدق فقط
على علاقات العمل، وأرد بهدوء بأن
الواقع يؤكد بأن هذا القول يصدق
تماما على كل من العلاقات
الإنسانية سواء في العمل أو
الأسرة أو الصداقات أيضا.
وكما
يقال في القانون الجنائي إن هناك
من يقوم بتحريض المجرم على ارتكاب
جرائمه، مثل من يترك باب منزله
مفتوحا فيحرض السارق على الدخول
للسرقة أو من يقوم بعد نقوده أمام
الناس ثم يتعرض للنشل بعد ذلك.
والزوج
أيضا
ولعلنا
لا نجانب الصواب عندما نقول بأن
نسبة كبيرة من الرجال يحرضون
الزوجات والأبناء على رؤيتهم بدور
الممول فقط وذلك بإغفالهم أهمية
الترويح عن النفس داخل البيت
والاكتفاء بالترفيه عن النفس
خارجه من خلال علاقاتهم مع
الزملاء والأصدقاء، وهذا خطأ
شائع، يزيد من التباعد بينهم وبين
أفراد أسرتهم وتدريجيا تزحف أسباب
الجفوة المتبادلة، حتى يشعر كل من
الأبناء والزوجات بأن الفترة التي
يقضيها الأب داخل البيت هي أوقات
مزعجة لرجل عابس يكثر من الحديث عن
متاعبه من أجلهم ويصرخ في وجوه
الصغار والكبار إذا ما ارتكبوا
أقل الأخطاء أو طالبوا بأي مصاريف
إضافية أو يظل صامتا محدقا في
الجرائد أو التلفاز أو الكمبيوتر.
ويتناسى
أن الممول الذكي هو الذي يستمتع
بثمار استثماراته ويفرح بنتائجها
الرائعة مما يمده بطاقة جبارة على
مضاعفة جهوده الواعية في العمل
وينمي من انتعاشه الداخلي بقدرته
على إسعاد من حوله، ويجعله يتقبل
بصورة أفضل متاعب الحصول على هذا
التمويل ويراها مهرا معقولا مقابل
المكاسب المتنوعة التي يحصل عليها.
وقد
يهتف أحد الأزواج: ومن أين لنا
بهذه الطاقة الإضافية للترويح عن
النفس مع الزوجة والأبناء، هذا
كلام ناس مرفهين لا ينقصهم شيء،
وقد تناسى هذا الزوج أن الإنسان
المثقل بالأعباء، هو أشد حاجة إلى
الترفيه الأسري وهذا لا يتعارض مع
استمتاعه بصحبة الأصدقاء، فلماذا
لا يزيد من مساحة البهجة في حياته،
ويعبر عن حبه لأسرته بصورة عاطفية
ولا يكتفي بالإنفاق المادي.
والحقيقة
أن الرجل الذي يهتم بهذه الناحية
يفوز بمكاسب متعددة منها رضاه عن
نجاحه في زواجه وسعادته بأسرته،
كما أنه يتمتع بأن أسرته تكون أكثر
حنانا وأقل استنزافا لموارده
المادية، وأفضل استعدادا لتحمل أي
ضائقة مالية تمر بها الأسرة وهذا
ما لا تفعله الزوجة وكذلك الأبناء
الذين يتعاملون مع رب الأسرة على
أنه مجرد ممول لطلباتهم المادية
حيث يرفضون التعامل المتوازن
والحنون مع أزماته أو أي تناقص في
عطائه المادي حيث يرون أن وظيفته
الوحيدة في الحياة هي تمويل
احتياجاتهم المادية ولذا لا
يقبلون بأي تقصير فيها ويسعون
دائما للحصول على المزيد،
ويعتبرون أي شيء يحصلون عليه من
قبيل الحق المكتسب والذي لا يستحق
من يعطيه أي شكر وإنما يكون مقدمة
طبيعية لبذل ما هو أفضل.
غريب
في بيتي
وأتذكر
دائما ما قاله لي أحد الزملاء -وأهديه
لكل الأزواج الذين يكتفون بدور
الممول- حيث صرح لي هذا الزوج
بهمومه قائلا: أشعر بأنني غريب في
منزلي وأن أولادي وأمهم يشكلون
فريقا واحدا وأنني من يقوم بتمويل
هذا الفريق، وأن التفاهم واضح
بينهم، بل إنهم يتآمرون عليّ حيث
اكتشفت أنهم يقومون بذكر مطالبهم
المادية بصورة تفوق الحقيقة وبما
لا أستطيع تدبيره، فأقول لهم إنني
لا أستطيع ذلك، ويكون رد فعلهم هو
الإحسان والتفضل والتكرم بقبول ما
أستطيعه على مضض منهم مع تنبيهي
بضرورة زيادته في أقرب وقت ممكن.
وينسى
هذا الزميل -وأمثاله كثيرون مع
الأسف- أنه من تسبب في وصول علاقته
بأسرته إلى هذا النحو المؤسف حيث
تجاهل أهمية دوره كأب وزوج وتوهم
أن هذا الدور سيكلفه جهدا إضافيا
فابتعد عنه بإرادته وكان أن
اعتادت الأسرة على غيابه المعنوي
واستطاعت تدبير أمورها بعيدا عنه،
بل لعلهم استراحوا إلى ذلك وقاموا
بتنظيم كل شيء حتى أصبح حضوره يشكل
أمرا طارئا قد يسبب لهم الإزعاج.
وبمرور
الوقت تقلصت مساحة العواطف في
التعامل معه وأصبحوا ينظرون إليه
على أنه حافظة نقود متحركة، ومن
منا يقوم بالتربيت على محفظته أو
يسعى لإقامة حوار معها فضلا عن
توجيه عواطفه نحوها، فكل ما نريده
من حافظة النقود أن تكون ممتلئة
بالقدر الذي يلبي احتياجاتنا في
أي وقت، وأن نأخذ منها كما نريد
وتعود لتمتلئ ثانية لنشعر دوما
بالأمان المادي، وهذه مع الأسف
نظرة بعض الأسر لرب الأسرة.
مجرد
ممول
وأرى
نظرات الألم في عيون كثير من
الرجال وتنهدات مريرة بداخلهم
ولسان حال الواحد منهم يهتف قائلا:
أهذا جزاء من يقوم بتوفير
احتياجات أسرته المادية ويوفر لهم
سبل الحياة الكريمة، كيف لا
يقومون من تلقاء أنفسهم بتقدير
تعبه من أجلهم؟، ثم كيف أجد الوقت
الكافي لرعايتهم عاطفيا ولأجد
لنفسي مكانا في قلوبهم ولا أكون
مجرد ممول لمطالبهم وأنا أقضي
معظم أوقاتي في العمل لأؤمن لهم
احتياجاتهم وأعود مرهقا ومنهكا،
وأكون في حاجة للراحة التامة
وإفراغ ذهني من المسئوليات وأن
أكون أبعد ما أكون عن الاستماع
لصخب الأبناء، وشكوى الزوجات.
ونرد
على هذا الهتاف الصادق مؤكدين
تقديرنا البالغ لجهد كل رب أسرة من
أجل أسرته، ونهمس له قائلين:
ولماذا لا ترتاح وسط أولادك، ما
الذي يضيرك لو خصصت نصف ساعة يوميا
لتبادل الحديث الودي مع أولادك
واستمعت منهم إلى حكاياتهم وستحقق
مكاسب متعددة في الوقت نفسه ومنها
إقامة روابط عاطفية قوية مع
أولادك وانتزاع نفسك من مشاكل
العمل ودواماته المتكررة، وصنع
علاقة قوية مع الحاضر من خلال
الجيل الجديد كما هو في الحقيقة
وليس من خلال أفكارك عنه أو ما
يردده الجميع، وصنع دائرة ود
وتراحم بينك وبين أولادك مما
سيقلل من ضغوطهم المادية عليك.
فضلا
عن إخبارهم بخبراتك في الحياة
أيضا على أن يكون ذلك بصورة سهلة
وتلقائية تتحرر فيها من كل الضغوط
اليومية وتعود بها طفلا أو شابا في
عمر أولادك تضحك معهم وتشاركهم
ألعابهم وأحلامهم مما يجعلهم أكثر
استعدادا لتلقي نصائحك، ولا تكون
الأم هي المصدر الوحيد للتفاهم مع
الأبناء بل تتعاونا سويا من أجل
أفضل أبناء بأقل جهد ممكن.
وإن
لم تفعل ذلك أخي الزوج فستفاجأ في
أحد الأيام -كما صرح لي أحدهم-
بوجود رجل غريب في بيتك، وبفتاة
غريبة، حيث يكبر الأولاد في غفلة
من الأب وتكون لهم حياتهم الخاصة
بعيدا عنه ويكتشف عزلته في بيته
ولكن بعد فوات الأوان، وقد فاته أن
الرجل المشغول في عمله أو حتى الذي
يسافر بعيدا عن أولاده يستطيع
تعويض ذلك بالاتصال الهاتفي خلال
اليوم والسؤال عن أحوالهم
ومداعبتهم ببعض كلمات الحب والود.
أما
المسافر فيمكنه فعل ذلك من خلال
الاتصالات عبر الكمبيوتر وقد
أصبحت الآن متاحة بالصوت والصورة
أيضا وبنفس تكلفة المكالمات
المحلية مما يساعد الزوج على
القيام بدوري الأب والزوج
والاستمتاع بمزاياهما المتعددة
وألا يقتصر دوره على الممول فقط
وتكبد تكاليفه مع أناس لا يشعرون
بتعبه ولا يفضلون صحبته وتتزايد
المسافات العاطفية بينهم يوما بعد
يوم، وهو الخاسر الأعظم دون أن
يدري.
اقرأ
أيضا:
**
كاتبة
وفنانة تشكيلية، ومستشارة في
القسم الاجتماعي بشبكة إسلام أون
لاين.نت، ورئيسة القسم الأدبي
المناوبة بجريدة الأهرام
المصرية، ويمكنك التواصل معها عبر
البريد الإلكتروني للصفحة:
adam@iolteam.com
|